نقائص إنسانية عالجها الإسلام – الإسلام نهى عن الإثم وأمر بالبر والتقوى

القاهرة: محمد إسماعيل –

منذ أن خلق المولي – عز وجل – الأرض ومن عليها ظهرت معه مجموعة من النقائص الإنسانية التي مثلت بمرور الوقت مجموعة من الآفات القلبية والسلوكية التي تهدد المجتمعات المختلفة، ورغم أن كل الأديان السماوية وحتى الحضارات الإنسانية حاولت التعامل مع هذه النقائص وتهذيبها إلا أن معظمها ظل به تصور واضح هو في عدم طرحها للبدائل أو سبل العلاج إلا الإسلام، فقد جاء فياضا بالخير صداعا بالحق طافحا بالخلق الكريم، وقد أتي مناسبا لكل الأمم، مجتازا حدود الزمان والمكان، ليكون حلا لكل الأمراض القلبية والسلوكية.
فهو قبل أن يحرم أو ينهي عن شيء وضع البديل له وبين للمسلمين كيفية علاجه؟! وإن الناظر في هذا الدين العظيم ليعرف حق المعرفة أنه وجد للبشرية جمعاء، ولا حياة كريمة لها بدونه…
وعلي مدي أيام شهر رمضان المبارك نرصد النقائص الإنسانية وطريقة علاجها في ضوء القرآن والسنة.
يقول العلامة الراغب الأصفهاني في كتاب «مفردات القرآن»: إن من أشد النقائص خطورة علي العبد الإثم الذي يورده مورد الهلاك، والإثم هو عمل سيئ يفعله الشخص الآثم بغض النظر عن كونه طيبا أم شريرا.
ولا خلاص له منه إلا بالبر وحسن الخلق، فالإثم، في اللغة: الذنب، ويستعمل في كل فعل يستوخم عقباه اعتباراً بذنب الشيء.
والإثم هو الجرم، والعدوان، ويدل علي ذلك قوله تعالى: (يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ)، [سورة المائدة الآية: 63 ]. أما في الشرع، فقد يكون الإثم بمعني الذنب، مثل قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً)، (سورة النساء)
آية: 112). قال القرطبي: قيل هما بمعنى واحد كرر لاختلاف اللفظ تأكيداً له، والخطيئة هي هنا الذنب، وقيل في تفسير الآية: إن الخطيئة بمعنى الصغيرة، والإثم بمعنى الكبيرة.
ودعا الإسلام الإنسان إلى الابتعاد عن الإثم والتوجه إلى البر والعمل الصالح، وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تذم الإثم وتحذر منه، قال تعالي: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)، (سورة الأحزاب الآية: 58)، وقوله: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (سورة البقرة الآية: 182)، وقوله تعالي: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، (سورة المائدة الآية: 2)، وأيضا قوله تعالي: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)، (سورة المائدة الآية: 63)، وقال الحق تبارك وتعالي: (وذروا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ)، (سورة الأنعام الآية: 120)، وعرّف النبي صلى الله عليه وسلم الإثم بقوله: (والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)، فجعل للإثم علامتين: علامة ظاهرة، وعلامة باطنة.
فأما العلامة الباطنة: فهي ما يشعر به المرء من قلق واضطراب في نفسه عند ممارسة هذا الفعل، وما يحصل له من التردد في ارتكابه، فهذا دليل على أنه إثم في الغالب.
وعلامته الظاهرية: أن تكره أن يطلع على هذا الفعل الأفاضل من الناس، والصالحون منهم، بحيث يكون الباعث على هذه الكراهية الدين، لا مجرّد الكراهية العادية، وفي هذا المعنى يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ»، ويبين الشيخ عطية صقر – رحمه الله – في كتابه (أحسن الكلام في الفتوى والأحكام) أن الإثم ما أثر في الصدر حرجًا وضيقًا وقلقا واضطرابا فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكر الناس فاعله وغير فاعله.
ومن هذا المعنى قول ابن مسعود رضى الله عنه: ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح.
ولقد ورد في السنة النبوية الكثير من الأحاديث التي تحث العبد علي ترك نقيصة الإثم والتخلق بالبر، فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)، (رواه مسلم)، وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (جئت تسأل عن البرّ؟)، قلت: نعم، فقال: (استفت قلبك، البرّ ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك المفتون)، (حديث حسن رواه أحمد و الدارمي)، فالبرّ مع الخَلْق إنما يكون بالإحسان في معاملتهم، وذلك قوله: (البرّ حسن الخلق)، وحسن الخلق هو بذل الندى، وكف الأذى، والعفو عن المسيء، والتواصل معهم بالمعروف، كما قال ابن عمر رضي الله عنه: «البرّ شيء هيّن: وجه طليق، وكلام ليّن»، وأما البر مع الخالق فهو يشمل جميع أنواع الطاعات الظاهرة والباطنة، كما قال الله تعالى في كتابه: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} (البقرة: 177)، فيُطلق على العبد بأنه من الأبرار إذا امتثل تلك الأوامر، ووقف عند حدود الله وشرعه.
وأوضح الشيخ طه عبد الله العفيفى في كتابه «من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم» أنه إذا انتهى البر وعم الفجور كان ذلك إيذانًا من الله سبحانه بفساد الأرض، وذلك لقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه، توشك القرى أن تخرب وهى عامرة قيل وكيف تخرب وهى عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها وساد القبيلة منافقوها، فعلينا بالبر فهو سبيل بلوغ الجنة ويبارك الله به في المال والعمر وهو من أسباب سعادة المرء في الدنيا والآخرة وهو دليل على حسن الخاتمة ويشيع المحبة والألفة بين الناس.
ومن هنا يجب على المسلم والمؤمن إذا وجد في نفسه شيئا من نقيصة الإثم أن يتخلص منها وأن يمتثل لأمر ربه فيذر الإثم البادي للناس والمستتر عنهم كما يذر المخالفات السلوكية والقلبية ليستقيم ظاهره وباطنه فتستقيم حياته كلها، ويتجه إلى البر وحسن الخلق، فيغفر الله ما بدر منه من زلات وذنوب كلما استغفر وأناب.