هل أصابتنا متلازمة «ســــبوتنك» مــرة أخرى؟

روبرت سامويلسون – واشنطن بوست –
ترجمـــة: قاســـم مكي –
منذ إطلاق سبوتنِك في أكتوبر 1957 ظل الأمريكيون في خشية من تفوق بلد آخر على اقتصادهم الذي هيمن على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. (أطلق الاتحاد السوفييتي سبوتنيك وهو أول قمر صناعي في العالم «ويعني رفيق السفر» في مدار حول الأرض يوم 4 أكتوبر 1957 – المترجم) بداية (هذا الخوف الأمريكي من تفوق الآخرين) كانت مع الاتحاد السوفييتي. هل تذكرون (أو ربما لا تذكرون) أن الزعيم الروسي وقتها نيكيتا خروتشوف وعد بأن «يقبرنا» اقتصاديا؟ وعندما لم يحدث ذلك، خشينا من أن اليابان ستسحق الصناعات الأمريكية الواحدة تلو الأخرى (صناعات الصلب والسيارات وأدوات تشكيل المعادن والأخشاب وشبه الموصلات والحواسيب الفائقة) والآن جاء دور الصين. أو ما يبدو أنه كذلك. هنالك خوف كامن في نفوس الأمريكيين من أن اقتصادا يرتكز على تخطيط حكومي مكثف سيتفوق حتما على الاقتصاد الأمريكي « الذي لا يوجد به مثل هذا التخطيط المركزي»، حسبما ورد في مقال لتيموثي تايلور مدير تحرير مجلة ( جيرنال أوف ايكونوميك بيرسبيكتفز) في مدونته (الاقتصادي الأنيس.) عندما تُمعِن النظر في الماضي، كما فعل تيلور، يبدو أن عقد المقارنات ( بين السوابق واللواحق) لا مفرَّ منه. فأي أحد من الكبار الذين يتذكرون سبوتنِك سيستحضر في ذهنه الصدمة والرعب اللذين أثارهما إطلاق الصاروخ وقتها. ( فقد أقبل الأمريكيون يتساءلون) كيف يمكن للسوفييت إطلاق أول قمر صناعي في مدار حول الأرض؟ وبدت النتائج العسكرية التي ينطوي ضمنا عليها ذلك الحدث واضحة. لقد عانت الولايات المتحدة من «فجوة صاروخية» مع السوفييت جعلتنا عرضة لهجوم نووي. وعمَّ الخوف الاقتصادي. يشير تايلور في هذا الصدد إلى كتاب بول سامويلسون الذي تستخدمه كليات الاقتصاد مرجعا أكاديميا على نطاق واسع ( ينوه الكاتب روبرت سامويلسون إلى عدم وجود علاقة قرابه بينه وبين بول سامويلسون – المترجم.) ورد في الطبعة الخامسة للكتاب أن معدلات النمو الاقتصادي للسوفييت ظلت مؤخرا أعلى بقدر كبير عن معدلاتنا، يقول تايلور إن طلاب الاقتصاد بالجامعات «كانوا على مدى ثلاثة عقود يتلقون تعليما خاطئا فحواه أن السوفييت في الغالب سيلحقون بنا ويتجاوزوننا» وعلى نحو مماثل لذلك اتضح أن الفجوة الصاروخية غير موجودة. وبحلول أواخر الثمانينات، عندما بدا الاقتصاد السوفييتي أقل إثارة للإعجاب، حلَّت اليابان محله. وأُطلِقَت أجراسُ الإنذار في كتب وأعمدة رأي ومقالات منشورة في مجلات. من بين أفضل الكتب التي تناولت هذا الموضوع كتاب بعنوان ( تبادل المواقع: كيف نتخلى عن مستقبلنا لليابان وكيف نستعيده) للكاتب كلايد بريستوفيتس ومقال في دورية أتلانتيك الشهرية تحت عنوان «احتواء اليابان» بقلم جيمس فالُوس. ففي صناعات عديدة حلت اليابان بسرعة محل الولايات المتحدة. وبحسب تايلور كان الاعتقاد أن الاتحاد السوفييتي واليابان كليهما مهددان متشابهان (للولايات المتحدة.) فهما استثمرا في المصانع والتقنيات الجديدة بأكثر مما فعلنا خصوصا في الصناعات الجديدة التي كان يفضلها المخططون الاقتصاديون الحكوميون. وبدلا من الاستثمار كُنَّا نستهلك. لذلك فالاتحاد السوفييتي ولاحقا اليابان سيبسطان هيمنتهما على صناعات حيوية ويتحولان إلى أغنى اقتصادات العالم وأكثرها ديناميكية. لكن اتضح أن هذا التصور أيضا كان ينطوي على مبالغة. لقد دفعت متلازمة سبوتنِك الأمريكيين بقدر ما إلى خوض غمار المنافسة بعزم أشد بما في ذلك دعوة الحكومة إلى مد يد العون. لكن النبوءات لم تتحقق أساسا لأن المعدلات العالية للاستثمار لا يمكنها في حد ذاتها ضمان النمو الاقتصادي السريع. ففي الاتحاد السوفييتي ولاحقا اليابان حدث هدر كبير للاستثمار في مشروعات ضعيفة العائد. وفي الأثناء أنجبت ثقافة ريادة الأعمال الأمريكية شركات جديدة (مايكروسوفت وأبل وإنتل وفيسبوك وجووجل وونيتفليكس وأوراكل وكوالكوم وأخريات.) وهي شركات أبقت على الولايات المتحدة في مقدمة ركب الابتكار. السؤال: هل سيصح نفس الشيء بالنسبة للتهديد الصيني؟ ربما. لقد عكس النمو الاقتصادي في الصين، كما هي الحال مع الاتحاد السوفييتي واليابان، فترة طويلة «استغرقها هذا النمو» كي يلحق بالاقتصادات المتقدمة من خلال تبني التقنيات وأنظمة الإدارة المعروفة. (بلغ نمو الصين في المتوسط 10% سنويا من 1999 إلى 2008، حسب صندوق النقد الدولي.) ومع تضاؤل الفرص التي توافرت له، تباطأ النمو الاقتصادي السنوي إلى معدل يتراوح بين 6% و7%. ومن الممكن أن ينخفض إلى أقل من ذلك إذ يلزم الصين الاعتماد أكثر على الصناعات والمنتجات ذات الأصل المحلي. كما يجدر أيضا تذكر أن الفجوة بين الدخول الأمريكية ودخول العديد من البلدان الأخرى لا تزال ضخمة. وفي هذا الصدد يورد تايلور أرقام نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2016 التي استمدها من إحصائيات البنك الدولي على النحو التالي: الولايات المتحدة (57000 دولار)، اليابان (38900)، الاتحاد الروسي (8748)، والصين (8123.) رغما عن ذلك هنالك أسباب عديدة تدفع إلى القول بخطورة استبعاد التهديد القادم من الصين. فضخامة حجم اقتصادها (وعزيمة قادتها) يجعلان منها لاعبا قويا. وتشكل سوقها المحلية الهائلة الاتساع منصة مثالية يمكن منها إطلاق صناعات جديدة. كما يسعى الصينيون بشراسة للحصول على التقنيات المتقدمة ولا يرون غضاضة في السطو على أسرار التجارة الخارجية. وأخيرا وليس آخرا، يمثل الصينيون خصما عسكريا محتملا.