نوافذ :استحقاقات الـ«هوية» الوطنية

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
هل تتعرض الهوية الوطنية للتشويه؟ وهل يتعمد أبناء هوية ما؛ تشويه هويتهم بقصد؟ وإلى أي حد تفرض الهويات؛ عموما؛ أسيجة منيعة، تقف حائلا دون تعرضها للتشويه، من قبل أبنائها على وجه الخصوص؟ وكيف يشعر من يسيء إلى هويته الوطنية بمواقفه المعوجة قولا وفعلا؟ وما مستوى قرب، أو بعد ثيمة الهوية؛ عموما؛ من حقيقة العمر لدى هذا الفرد، أو ذلك؟ وما هو المقياس الذي يمكن الاحتكام إليه، عند النظر في هذه المسألة؟.

أسئلة تطرح كثيرا في مواقف كثيرة يقدم عليها الناس، بقصد أو بغير قصد، وضرورة تجسيد الهوية في هذه المواقف، وعند التعمد في ارتكاب الأخطاء، يأتي من باب التقليل من الاستمرار في ذات الفعل، لأن الشعور هنا يشمل المجموع، وليس الاقتصار على مسؤولية الفرد تجاه نفسه، وهنا الفرق، لأن الضرر يعم؛ كما هو معروف؛ كما أن الخير يعم؛ أيضا؛ وعندما يستشعر صاحب الفعل السيئ، أن فعله يضر الجميع، ربما يحفز عنده الشعور بالتراجع، لأن الضرر قد يصل إلى عدد من خواصه، وليس فقط الآخرين البعيدين عنه نسبا وصهرا.
عند استحضار حقيقة الهوية الوطنية، يكبر الوطن أكثر في نفوس أبنائه، وهذا الامتلاء الشعوري عند الفرد يحمله الكثير من المسؤوليات والمهام تجاه الناس عامة، وليس لخاصته فقط، لأن الهوية تتحول هنا إلى عقيدة، ومتى ارتقت الهوية إلى عقيدة كان ذلك بمثابة تأصيل للقيم السامية؛ تمنع الفرد المواطن من ارتكاب حماقاته، وتحفزه نحو تبني الأفعال الكريمة لخدمة وطنه ومواطنيه، ولذلك استغرب بعد ذلك عندما أرى أناسا على قدر كبير من المعرفة والخبرة الحياتية، وهم يأتون بأفعال تقوض هذا المفهوم «الهوية الوطنية» وكأن الـ «هوية الوطنية» مجرد شعار، ليس له قيمة معنوية متجذرة تنتقل بسلوك هذا الفرد من حالته الطبيعية التي عليها كل الناس إلى حالة مثالية تتسامى بأفعالها وأقوالها، وتوظف ذلك على الواقع في صور معبرة عن المواطنة الصالحة بكل اقتدار.
فالذي يغالط نفسه في الأوراق الرسمية، والذي يستغل المواقف الوطنية للاسترباح أكثر، والذي يتخذ من الفقراء والمساكين مطية للتعبير عن الوطنية، والذي ينافق الإجراءات القانونية، ويأتي بأفعال مشينة لا تعبر عن صدق الإيمان بأهمية القانون، والذي يجد في الوظيفة مرتعا يسبح من خلاله فيما لذ وطاب، من غير وازع من ضمير، كل هؤلاء وغيرهم يهرقون دم الهوية الوطنية الشريفة على الرصيف، ولذلك فالهوية منهم براء كــ «براءة الذئب من دم يوسف» عليه السلام.
مشكلة الهوية أنها مادة معنوية تختزنها النفس الإنسانية كما تختزن الصدق، والأمانة، والحقيقة، والشرف، والكرم، والثبات، والشجاعة، وكما تختزن نقيض هذه المعاني السامية كلها أيضا، ولا يكون لكل هذه المعاني السامية قيمة وأهمية إلا من خلال الفعل الموظف على الواقع، ولا يمكن بأي حال من الأحوال لأية سلطة كانت أن تنتزع هذه المعاني من النفس لتوظيفها على الواقع، إلا إذا تحقق الإيمان المطلق لدى هذه النفس بضرورة وأهمية أن يكون لهذه المعاني أثر على الحياة العامة للناس جميعا، وحتى القانون لن يستطيع في حالة تطبيقه، إلا من نافذة واحدة فقط، وهي نافذة الجزاء على ارتكاب الفعل المشين.
عندما نقول: «استحقاقات الهوية الوطنية» فإننا نذهب بذلك إلى الاستحقاقات الطبيعية التي يجب أن تكون حاضرة في واقع الناس من دون تكلف، ومن دون أمر، ومن دون توجيه، ومن دون نفاق، هو شعور نفسي طبيعي يأتي به الفرد، ويوظفه على الواقع بأريحية عادية، وبدون تكلف، وبدون أن يشعر نفسه أنه بهذا الفعل أو ذلك هو يعلي من سهم هويته الوطنية، وإذا استشعر ذلك كان أجدى في التطبيق، وأصدق في الأداء وأخلص فيه، ومع ذلك فالحياة لن تعدم من فعل الصدق في استجلاب الخير.