إنتاجية العامل العماني والعربي

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

يحصل نقاش في المجتمع العماني أحيانا حول إنتاجية العامل العماني مثلما يسري هذا النقاش في الكثير من الأحيان في المجتمعات العربية الأخرى. والكل على علم بأنه تم تشغيل أكثر من 26 ألف عامل عماني مع نهاية شهر أبريل الماضي بناء على قرار مجلس الوزراء الموقر بتشغيل دفعة جديدة من المواطنين الباحثين عن العمل بواقع 26 ألف باحث خلال الأشهر الأربعة الماضية. وهذا أمر جيد بأن يستوعب القطاع الخاص هذا العدد من الباحثين في الوقت الذي تزداد فيه أعداد الخريجين الذين يدخلون إلى سوق العمل سنويا نتيجة لمخرجات التعليم من المراحل التعليمية المختلفة. ولكن من المهم جدا بأن تكون هذه الأيدي العاملة مقبلة من تلقاء نفسها للعمل في المؤسسات وشركات القطاع وليس بالإكراه، في الوقت يتمنى أصحاب المؤسسات بأن تكون إنتاجية هؤلاء العمال مساوية للأجور التي سوف يحصلون عليها.
وكما هو معروف فإن موضوع الإنتاجية موضوع متشعب وكبير ومهم لجميع أطراف العمل، ويحتاج إلى تسليط مزيد من الضوء عليه لمعرفة إنتاج العامل العماني من خلال الدراسات التي يجب إعدادها في هذا الشأن، حيث إن مثل هذه الدراسات قليلة في المجتمع العماني، الأمر الذي يتطلب إجراء المزيد منها للوقوف عليها ومعرفة الجوانب الإيجابية والسلبية للأيدي العاملة الوطنية وتقويم الخلل في هذا الجانب أولا بأول إن وجد.
يُعتبر مصطلح الإنتاجية وفق الأدبيات التي تناولت ذلك على أنه واحد من أبرز المصطلحات وأكثرها تَداولاً في المجالات الاقتصادية، والصناعية، ومجالات العمل المختلفة، فهو مؤشّر قويّ على مدى قدرة عناصر الإنتاج على التآزر من أجل القيام بعملية إنتاجية صحيحة، كما أنّ لهذا المصطلح علاقة كبيرة في العديد من الأمور الأخرى. ويعرّف مصطلح الإنتاجية على أنه مقياس لقدرة المنشآت على تحقيق المُخرجات من المدخلات، كما يُعرف أيضاً على أنه إمكانية تحقيق أكبر كمية مخرجات ممكنة من كمية مدخلات معينة، الأمر الذي يتطلب ضرورة ارتفاع الكفاءة الإنتاجية الذي يعتبر أمرا مهما لكل من الفرد والمؤسسة والمجتمع. فارتفاع الكفاءة الإنتاجية للفرد يؤدي إلى حصوله على أجر أعلى وبالتالي يزداد دخله الشهري ويرتفع من مستواه المعيشي. وبالنسبة للمؤسسة فإن ارتفاع كفاءتها الإنتاجية يؤدي لتخفيض التكاليف الذي يتيح تخفيض الأسعار وتعزيز المركز التنافسي لها وبالتالي زيادة الأرباح. أما بالنسبة للمجتمع فيؤدي ارتفاع الكفاءة الإنتاجية إلى زيادة حجم الإنتاج وتخفيض الأسعار وبالتالي ارتفاع المستوى المعيشي لأبناء المجتمع عموما. وهذا ما تحرص عليها الجهات المعنية في السلطنة، بحيث يكون إنتاجية العامل العماني مرتفعة مقارنة ما يحصل عليها من أجر شهري بجانب الحوافز والمكافآت التي تمنح له.
ومن هذا المنطلق تعمل وزارة القوى العاملة ضمن برامجها على زيادة إنتاجية العامل العماني ضمن برنامج حماية الأجور بالإضافة إلى تقليل المنازعات العمالية المتعلقة بالأجور. وهناك عدد من الأسس الأخرى تتبعها الوزارة في هذا الشأن منها تعزيز استقرار القوى العاملة الوطنية في منشآت القطاع الخاص، وتعزيز سمعة السلطنة لدى المنظمات الدولية والدول المرسلة للقوى العاملة الوافدة وذلك بالمحافظة على حقوق العمال . وقد نصت المادة (12) من النظام الأساسي للدولة بأن “الدّولة (تسنّ) القوانين التي تحمي العامل وصاحب العمل وتـنظم العلاقـة بينهما، ولكل مواطن الحق في ممـارسة العمل الذي يختاره لنفسه في حدود القـانون، ولا يجـوز فـرض أي عمل إجباري على أحد إلا بمقتضى قانون ولأداء خدمة عامة وبمقابل أجر عادل “وقد جاء قانون العمل العماني ليضع المادة 12 من النظام الأساسي للدولة موضع التطبيق بما اشتمل عليه هذا القانون من أحكام تقضي بحماية حقوق العمال. وكما هو معروف فإن الرواتب والعلاوات في القطاع الخاص تختلف حسب نوعية وحجم العمل، ومؤهلات الموظف، وخبرته ومجال عمله. وينبغي على كل من الموظفين وأرباب العمل التعرف على حقوقهم في وسط العمل الذي ينخرطون فيه، حيث من المهم جدا أن يبذل العامل وقته في تحقيق الإنتاجية المطلوبة مقابل ما يحصل عليه من أجر، فيما يرتكز تحسين إنتاجية منشأة ما على رفع كفاءة العمل الذي يتم تأديته من قبل العامل حيث يُعتبر العنصر البشري العامل الأهمّ في عملية الإنتاج، فدون هذا العنصر لن تتوفّر القدرة على استغلال المواد الخام، وتطبيق العمليات الإنتاجية عليها، وإدارة المنشأة، وما إلى ذلك من أمور أخرى.
وبالرغم من أن القطاع الخاص العربي حريص على رفع إنتاجية العمال في الدول العربية، إلا ان إنتاجية الموظف/‏‏ العامل العربي عموما هي في أدنى الدرجات مقابل ما يتم في الدول الأجنبية الأخرى. وقد توصلت دراسة أجريت قبل أربع سنوات أجراها اتحاد تنمية الموارد البشرية المصري إلى أنّ معدل إنتاجية الموظف الحكومي العربي تتراوح بين (18) إلى (25) دقيقة يومياً. وهناك عدة أسباب لهذا التراجع في الإنتاجية وفق آراء بعض الخبراء منها البيروقراطية المتبعة في المؤسسات، والبطالة المقنعة وعدم تأهيل الموظف، وتحديد مواصفاته القياسية (الوصف الوظيفي)، بالإضافة إلى أسباب أخرى منها قوانين البلاد العربية التي توزع الوظائف دون الالتزام بقواعد وقوانين صارمة، فضلاً عن تعيين موظفين لا تتناسب مؤهلاتهم مع الوظيفة التي يعملون بها ولا تحقق مصلحة سوق العمل، والتعامل بموضوع خطير وهو “الواسطة والمحسوبية” في التعيين. وهذا لا يعني بأن جميع الدول العربية تعاني من ذلك، ولكن أغلبها اليوم تشتكي من قلة الإنتاجية وخاصة في القطاع الحكومي، الأمر الذي يتطلب ضرورة الاستثمار في العقل العربي وتوفير الدعم المالي الحقيقي لإنجاح الموظف/‏‏ والعامل وزيادة إنتاجيته، مثلما هو متبع في كثير من الدول الأخرى التي استثمرت في رأس المال البشري وركزت على المحور التعليمي ومخرجاته، بالإضافة إلى التركيز على الاستثمار في الإنسان العربي واتباع النموذج الغربي الذي ينفق من 2 إلى 5% من مجموع أجور العمل في عملية تدريب مستمرة تحقق النجاحات الاقتصادية المرجوة في جانب الإنتاج. فأي تقدم اقتصادي أو تنمية لن تحققها المؤسسات إلا بإدارة رأس المال البشري بطريقة جيدة. ولكي يتحسّن العنصر البشري ويؤدي عمله على أكمل وجه ممكن، فإنه ينبغي له توفير سبل الراحة، والأمان الوظيفي له، وإعطاؤه أجراً يتناسب والمجهود الذي يبذله، إلى جانب أهميّة التعامل معه بإنسانيّة ورحمة، وتقصير المسافات بينه وبين رب العمل. فكل هذه الإجراءات تساعد على رفع كفاءة العامل، وبالتالي تحسين مستوى الإنتاجية. ولكي ترتفع إنتاجية المنشأة أيضا فإنه يجب أن تتوفّر الإدارة الحكيمة القادرة على استغلال الموارد، وتنظيم عملية الإنتاج، واتخاذ القرارات المناسبة، ولو حدث وتوافرت كافة العوامل التي تساعد على الوصول إلى عملية إنتاج صحيحة، ولم تتوافر الإدارة الكفؤة لفشلت عملية الإنتاج برمتها، ولأهدرت المواد الخام، والمجهودات البشرية سدى.
ومن هذا المنطلق تحرص وزارة القوى العاملة على ضرورة استقرار العلاقة بين صاحب العمل والعامل، وتسهيل عمليات دفع الأجور له بشكل آمن، وسهولة دفع الاشتراكات التأمينية له بجانب ضمان حصول العامل على أجره في الوقت المحدد بقانون العمل و بالقدر المتفق عليه والذي بدوره سيوجد الاستقرار في بيئة العمل وبالتالي تحقيق مزيد من الإنتاجية له ولمؤسسته. لذا فإن تحسين الإنتاجية له العديد من الآثار الإيجابية التي تنعكس على جهات عدة أولها الفرد ثم المنشأة. كما تطال الدولة أيضاً، إذ تصبح الدولة رقما صعباً في الأسواق العالمية، وبذلك ترتفع قيم صادراتها، وتنخفض قيم وارداتها، وتتحسّن أوضاع مواطنيها، الأمر الذي يؤدي إلى خفض مشكلات المجتمع، خاصة تجاه الباحثين عن العمل وتتمكن الدولة من استقطاب المزيد من الاستثمارات الداخلية والخارجية وزيادة عمل المؤسسات الإنتاجية لها.