مقاربة تاريخية ومعاصرة مع الحراك الشعبي في يوم الأرض

ماجد كيالي – كاتب فلسطيني –
إن الفلسطينيين في كل أشكال كفاحهم بحاجة إلى إدراكات أفضل لإمكانياتهم، ولواقع إسرائيل، والسياسات التي يمكن أن تنتهجها ضدهم، كما هم بحاجة إلى إدراكات أفضل للمعطيات الدولية والعربية.

طوال تاريخهم لم يترك الفلسطينيون طريقة نضالية، سلمية أو عنيفة، شعبية أو مسلحة، إلا وانتهجوها في صراعهم المضني والمعقّد والمديد ضد المشروع الصهيوني، وكيانه إسرائيل. لذا ففي مناقشة الحراك الشعبي الذي جرى في يوم الأرض هذا العام (30/‏‏3)، والذي تمثل بخروج آلاف الفلسطينيين إلى الحدود بين غزة وإسرائيل في محاولة لممارسة حق العودة إلى ديارهم، والذي نجم عنه، حتى الآن، مصرع اكثر من 27 فلسطينيا، وجرح أكثر من ألف وخمسمائة منهم، برصاص إسرائيلي، يجدر إجراء مقاربة تاريخية ومعاصرة مع هذا الحدث، الذي قد يؤسس لمسار جديد في الصراع الفلسطيني، بأشكال مختلفة غير تلك التي اعتدنا عليها، والتي ترتكز على العمل المسلح.
فمن الناحية التاريخية، فقد سجّل الفلسطينيون في كفاحهم أطول إضراب في التاريخ (1936)، وقد استمر لستة أشهر، والذي تبعته ثورة أو انتفاضة مسلحة امتدت على ثلاثة أعوام (1936ــ 1939). بيد أن هذه الثورة أجهضت كما أجهضت الانتفاضات أو التمردات التي سبقتها، بحكم ضعف إمكانيات الفلسطينيين، في مواجهة دولة الانتداب (بريطانيا العظمى)، وأيضاً بحكم تخلف إدارة هذه الثورة، والفوضى أو العفوية التي طبعتها بطابعها، ناهيك عن طابعها المحلي، إذ لم يستطع الفلسطينيون تشكيل كيان سياسي جامع وموحد يمثلهم ويعبر عن تطلعاتهم الوطنية.
أيضاً، فقد عرف الفلسطينيون في الأراضي المحتلة (1967)، ولاسيما في الضفة الغربية، أشكال النضال الشعبية والسلمية، في الصراع ضد إدارة الاحتلال، وضد روابط القرى، وخاضوا معركة الانتخابات البلدية (أواخر السبعينيات)، بقيادة الجبهة الوطنية الفلسطينية، كذراع لمنظمة التحرير، التي أتت بشخصيات وطنية مثل بسام الشكعة (نابلس) وكريم خلف (رام الله) وإبراهيم الطويل (البيرة)، ومحمد ملحم وفهد القواسمي وعبد الجواد صالح، وهي تجربة أجهضتها سلطات الاحتلال الإسرائيلية بمحاولتها اغتيال عدد من تلك الشخصيات وأبعاد آخرين منهم إلى الخارج.
بيد أن النضال الشعبي الفلسطيني بلغ أفضل وأنسب أشكاله في الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987ـ1993)، فهذه الانتفاضة كانت محل إجماع الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وجاءت وفقا لإمكانياتهم الخاصة، وبحسب قدرتهم على التحمل، وتبعا لإرادتهم وإدارتهم الذاتية، بحيث باتت تعتبر الشكل النضالي الأنسب لكفاح الفلسطينيين، واتباع استراتيجية الضعيف ضد القوي، التي تقوم على عدم الانجرار إلى المربع الذي تستقوي فيه إسرائيل، وهو الصراع المسلح، وتحييد الجيش ما أمكن، بحيث باتت هذه الانتفاضة أهم معالم الكفاح الفلسطيني المعاصر، وهي التي أعادت منظمة التحرير إلى الخريطة السياسية، بعد غزو لبنان (1982)، وهي التي وضعت قضية فلسطين على رأس الأجندة الدولية والإقليمية مجدداً، وذلك بغض النظر عن ضعف استثمار الانتفاضة، كما تمثل بذهاب منظمة التحرير نحو عقد اتفاق أوسلو (1993) المجحف والجزئي والناقص، والذي يعاني الفلسطينيون المخاطر الناجمة عنه حتى اليوم- حسب رأي الكاتب.
ويستنتج من هذه الأمثلة التاريخية، أن ثمة مشكلة كبيرة في عدم إدراك القيادات الفلسطينية للخلل في موازين القوى، وضعف بنية كياناتهم السياسية، وتخلف إدارتهم، أو قدرتهم على استثمار كفاح شعبهم.
أما في المقاربة المباشرة المعاصرة فقد عرف الفلسطينيون في مناطق 48، والذين باتوا بمثابة مواطنين في إسرائيل (ولو من درجة ثانية) أشكالا من الكفاح من أجل أرضهم، ومن اجل عودة اللاجئين الداخليين، ويقارب عددهم أكثر من مائة ألف، لا تعترف إسرائيل بمكانتهم القانونية وفقا لقانون «الغائب الحاضر» العنصري، إذ بين فترة وأخرى تنظم مسيرات واعتصامات لعودة هؤلاء إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها، لإعادة أعمارها، إذ ثمة 400 قرية تم تدميرها.

وفي هذا الإطار بالذات جاء يوم الأرض (1976) الذي جاء رداً من فلسطينيي 48 على قيام إسرائيل بمصادرة آلاف الدونمات من أراضيهم في الجليل والنقب، بدعوى تطويرها، وقد جوبه المتظاهرون بالرصاص، رغم انهم من مواطني إسرائيل كما هو مفترض. بيد أن هذا اليوم خرج من نطاق المحلية إلى النطاق الوطني، إذ بات يوما فلسطينيا، يعيد إحياءه الفلسطينيون في 48 وفي الضفة والقطاع، وفي مخيمات اللاجئين وفي بلدان اللجوء والشتات، تأكيدا من الفلسطينيين على كونهم شعبا واحدا، وأن قضيتهم واحدة.
لكن المقاربة الأكثر مرارة ومباشرة والأصعب مع ما جرى في غزة هي مسيرة العودة التي قام ألوف من الشباب الفلسطينيين السوريين في الجولان، عند الحدود السورية ـ الإسرائيلية، يوم 5/‏‏6/‏‏2011، والتي نجم عنها مصرع 26 شاباً، وجرح مئات منهم، وهي قامت بتشجيع وتسهيلات من النظام السوري والفصائل التي تدور في فلكه لأغراض سياسية. علما أن هذه المسيرة جاءت تكرارا لتجربة سابقة جرت يوم النكبة (15/‏‏5/‏‏2011)، وكان ثمة إجماع وطني فلسطيني عليها، في حينه، وقد استطاع وقتها عدة شبان العبور إلى مجدل شمس وحتى حيفا، الأمر الذي جعل إسرائيل تتحوط للمسيرة الثانية، التي تمخضت عن مجزرة.

الفكرة أن الفلسطينيين في كل أشكال كفاحهم بحاجة إلى إدراكات أفضل لإمكانياتهم، ولواقع إسرائيل، والسياسات التي يمكن أن تنتهجها ضدهم، كما هم بحاجة إلى إدراكات أفضل للمعطيات الدولية والعربية، ومدى مواتاتها لهذا الشكل الكفاحي أو ذاك، لأن المسألة لا تقتصر على التضحيات، وعلى امتلاك الحق، والسعي للعدالة، وهي أمور مهمة، وإنما هي تتعلق أكثر بموازين القوى والمعطيات المحيطة.