بعد مذبحة غزة، حانت معاقبة إسرائيل

ديانا بوتو – واشنطن بوست –
ترجمة: قاسم مكي –
إن دماءنا لا يمكن هدرها سدى سواء تظاهر الفلسطينيون أم لم يتظاهروا. لهذه الأسباب تسعى إسرائيل وإدارة ترامب بلا هوادة للحيلولة دون إجراء أي تحقيق حول ما حدث يوم الجمعة 30 مارس الماضي.

قتلت إسرائيل 18 متظاهرا فلسطينيا في غزة يوم الجمعة قبل الماضي. لقد كان ما حدث متوقعا تماما. كما كان في الإمكان أيضا تجنبه تماما. كان الضحايا يشاركون في مسيرة يوم الأرض السنوية إحياء لذكرى مقتل 6 فلسطينيين عام 1976 عندما كانوا يحتجون على مصادرة إسرائيل لآلاف الدونمات من أراضيهم. كما نظمت مسيرة هذا العام أيضا بمناسبة مرور 70 عاما على التطهير العرقي للفلسطينيين واقتلاعهم من أراضيهم في أثناء فترة تأسيس دولة إسرائيل. سار المشاركون في الموكب نحو الحدود الشرقية المنيعة التحصين بين غزة وإسرائيل في عودة رمزية إلى أرضهم وبيوتهم التي جاؤوا منها وحيث منبت جذور عائلاتهم. لكن حتى قبل بدء المسيرة أعلنت إسرائيل أنها ستنشر أكثر من 100 قناص وطائرات مروحية وغاز مسيل للدموع ودبابات بهدف إطلاق النار على المتظاهرين. وبنهاية ذلك اليوم قتل الجنود الإسرائيليون 18 فلسطينيا بالذخيرة الحية وجرحوا أكثر من 1700 آخرين. حدث هذا على الرغم من أن جنديا إسرائيليا واحدا لم يصب بأذى أو حتى يتعرض لأي خطر. وهنا تكمن المأساة. فالفلسطينيون الذين يتظاهرون ضد قتل فلسطينيين غير مسلحين يقتلون هم أنفسهم بواسطة الجيش الإسرائيلي رميا بالرصاص. لقد غرّد الجيش الإسرائيلي عبر تويتر برسالة جاء فيها «لم يحدث أي شيء دون سيطرة. كل شيء كان دقيقا وموزونا. نحن نعلم أين استقرت كل رصاصة (أطلقناها)» لكن هذه التغريدة سرعان ما حذفت حين ظهر شريط فيديو لجنود يطلقون النار من الخلف على عبد الفتاح عبد النبي (19عاما.) إن المأساة تكمن ليس فقط في قتل الفلسطينيين ولكن أيضا في ردود إسرائيل والولايات المتحدة على هذه المذبحة. لقد صار من المعلوم للكافة بل من المتوقع حقا أن يواجه قتل الفلسطينيين إما بالتجاهل أو يقابل بالتهليل (وهذا ما يخيف) من جانب الإسرائيليين، كما حدث من قبل عند مقتل أكثر من 2200 فلسطيني في غزة عام 2014.
فقد مدح وزير الدفاع الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان الجيش الإسرائيلي وصرح أن جنوده «يستحقون الثناء» وهو الذي كان قد دعا يوما إلى قطع رؤوس الفلسطينيين من حاملي الجنسية الإسرائيلية الذين اعتبرهم غير موالين لإسرائيل. وسرعان ما قوبلت بالرفض دعوات الفلسطينيين والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لإجراء تحقيق (في مذبحة غزة) فيما قطعت إسرائيل وإدارة بوش الطريق أمام أية موافقة من مجلس الأمن على التحقيق.
كما أعلنت إسرائيل أيضا على الفور أنها لن تجهد نفسها حتى بإجراء أي تحقيق (مسرحي) داخلي خاص بها. والرسالة التي بعثت بها إسرائيل والولايات المتحدة هي أن أرواح الفلسطينيين لا قيمة لها ولا تستحق أي تحقيق حتى عندما يتضح أن أرواحهم أزهقت بطريقة غير قانونية.
ومن شأن إجراء تحقيق مستقل أن يسلط الضوء على حقيقة أن غزة ظلت معزولة عن العالم طوال 50 عاما من حكم إسرائيل العسكري و10 أعوام من حصارها البحري. بلا شك سيكشف مثل هذا التقرير عن أن غزة بالإضافة إلى السور المكهرب على جانبي غزة الشرقي والشمالي «محصورة» بجدار من الأسمنت المسلح من الجنوب وبالحصار البحري إلى الغرب.
ومن شأن التحقيق أن يلقي ضوءا كذلك على حقيقة أن كل القتلى الفلسطينيين قتلوا في الواقع داخل غزة وفي «المنطقة العازلة» غير المحددة التي فرضتها إسرائيل. وهي تتمدد داخل غزة وفي أماكن عديدة بما يصل إلى 1000 قدم. وكما جاء على لسان متظاهر صديق أطلقت عليه النار يوم الجمعة «نحن لم نذهب إلى المنطقة العازلة. بل المنطقة العازلة هي التي جاءت إلينا» بلا شك يمكن للتحقيق المستقل التأكيد على أن الذخيرة الحية ينبغي استخدامها فقط ضد مقاتلين يشاركون في عمل عسكري. فقتل الناس ليس لعبة فيديو أو رياضة.
باختصار سيكشف إجراء التحقيق أنه بالنسبة لإسرائيل ليس مهما أن الفلسطينيين كانوا يتظاهرون. فأرواحهم يمكن الاستغناء عنها.
إن دماءنا لا يمكن هدرها سدى سواء تظاهر الفلسطينيون أم لم يتظاهروا. لهذه الأسباب تسعى إسرائيل وإدارة ترامب بلا هوادة للحيلولة دون إجراء أي تحقيق حول ما حدث يوم الجمعة 30 مارس الماضي.
وهذا ما يؤشر إلى أن الوقت قد حان لفرض حظر تسليح وعقوبات على «إسرائيل الفصل العنصري» على نحو شبيه بحظر السلاح الذي فرض بواسطة الأمم المتحدة على «جنوب إفريقيا الفصل العنصري».
إن مثل هذا الإجراء ليس بدون سابقة في الولايات المتحدة. فقانون ضبط صادرات السلاح الأمريكي يفوض سلطة ضمان عدم منح السلاح لحكومة «تمارس نمطا منتظما من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها عالميا».
كما يوجد تشريع شبيه به في الاتحاد الأوروبي. أما الشيء المفقود فهو الإرادة السياسية. وبدلا من ذلك، مع استمرار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في إرضاء إسرائيل، يدفع الفلسطينيون الثمن بأرواحهم.

  • الكاتبة عملت مستشارة قانونية لفريق المفاوضات الفلسطيني وشاركت على نحو مباشر في المفاوضات مع إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.