الشرق الأوسط … مخاطر وتهديدات خطيرة !!

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –
الذي يحدث في الشرق الأوسط والعالم العربي في القلب منه في هذه الفترة … هل هو مؤامرة كبيرة ؟ تدور في غرف مغلقة في تل أبيب وفي عواصم غربية عديدة، وربما بسكوت أو رضا عواصم عربية أيضا، وذلك – حسبما يرى كثيرون – من اجل إيجاد سيناريو يهدف في المقام الأول إلى إيجاد كانتونات في عدد من الدول العربية كما يحدث الآن بشكل أو بآخر في سوريا واليمن وليبيا، علاوة على استدامة التوتر والطائفية في العراق ولبنان، وأخيرا الإيحاءات بأن الأزمة الخليجية صعبة ومعقدة وأن الأطراف لا تريد حل تلك الأزمة حتي قبل اجتماع عدد من قادة دول مجلس التعاون مع الرئيس الأمريكي في كامب ديفيد في شهر مايو القادم، حسبما أشارت بعض المصادر، من خلال دعوات أمريكية مباشرة.

لكن الأخطر في تلك التطورات هو محاولة تصفية القضية الفلسطينية من خلال المشروع الأمريكي بإيجاد دولة فلسطينية بديلة على حساب جزء من أراضي سيناء المصرية، كما يتردد من جانب بعض المصادر الإعلامية على الأقل، برغم رفض مصر الواضح والحازم المساس بأرضها على أي نحو وتحت أية ظروف، ومن هنا فإن التحركات السياسية الحالية تهدف – حسب الرؤية المشار إليها – إلى إيجاد سيناريو محدد من خلال إشعال الفتنة أولا بين الفلسطينيين من خلال ما حدث لرئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله من محاولة اغتيال فاشلة في قطاع غزة، وثانيا من خلال قطع المساعدات الأمريكية عن منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الدولية المعروفة بالانروا، وأخيرا إقالة وزير الخارجية الأمريكية تيلرسون المعروف عنه العقلانية في إدارة عدد من الملفات في الشرق الأوسط.
إن الوضع في الشرق الأوسط دخل مرحلة حرجة فيما يبدو، فهناك التصعيد الأمريكي ضد إيران والحديث عن انسحاب أمريكي من الاتفاق النووي بحلول شهر مايو القادم، وهناك اشتعال الوضع في سوريا من خلال المعارك التي شهدها الصراع في الغوطة الشرقية، وهناك المواجهة الغربية – الروسية حول موضوع الجاسوس الروسي المزدوج ومحاولة اغتياله مع ابنته على الأراضي البريطانية.
الأزمة الخليجية يتواصل استنزاف أطرافها خاصة على الصعيد المالي، والاستنفار الإعلامي دون وجود بصيص أمل للحل، مما يعني أن مصانع السلاح في الغرب والولايات المتحدة وحتى في روسيا سوف تشهد المزيد من الانتعاش في مجال بيع وتصدير الأسلحة بمئات المليارات من الدولارات، وتعد الأزمة الخليجية فرصة ثمينة لتجار وشركات السلاح لا ينبغي التفريط فيها من خلال تعقيد الأمور واستخدام الآليات والصحافة الغربية لتعميق الخلاف بين الدول الشقيقة.

السيناريو الأمريكي والتشرذم العربي
عدد من خبراء الاستراتيجية السياسية في الغرب يرون أن تنفيذ أي سيناريو يخص القضية الفلسطينية، أو أي سيناريو يخص تقسيم عدد من الدول العربية أو إدماج الكيان الإسرائيلي في المنظومة العربية يعد أمرا مناسبا في هذه المرحلة، التي يمر فيها العرب بأسوأ أحوالهم، ومن هنا جاءت صفقة القرن التي قد تكشف عنها الولايات المتحدة الأمريكية قريبا، ولذا فإن أمام العرب مرحلة صعبة ومعقدة، وهناك تجاذبات سياسية في الإقليم، في ظل مهاترات إعلامية وصلت إلى حد العداء غير المبرر.
وعلى ضوء ذلك فإن السيناريو الأمريكي يعد الأخطر على المنطقة العربية في ظل الإدارة الحالية التي توصلت إلى قناعة بأن التوقيت مناسب لعمل أي خطط لتصفية القضية الفلسطينية وأيضا لتعميق الخلافات العربية- العربية للأسف الشديد.
إن إقدام الرئيس الأمريكي على اعتبار القدس المحتلة عاصمة للكيان الإسرائيلي جاء على خلفية الضعف العربي الذي جاء رد فعله ضعيفا، ويتماشى مع التحليلات الاستراتيجية في دوائر صنع القرار في واشنطن، ومن هنا فإن قمة كامب ديفيد وأيضا اللقاءات الأمريكية-العربية الحالية والقادمة تعد على قدر كبير من الأهمية والخطورة أيضا بالنسبة لحاضر ومستقبل المنطقة والمشكلات المشتعلة فيها، خاصة بالنسبة لسوريا والحرب الحالية في اليمن والمأساة الإنسانية التي يمر بها الشعب اليمني، والجهود التي تبذل الآن لإيجاد تسوية سياسية للخروج من المازق اليمني.
الملف الإيراني والرؤية العمانية
إن التعامل مع إيران في ظل حقيقة أنها جزء من الإقليم، وأن وجود علاقات طبيعية بين العرب وإيران على ضفتي الخليج وحل المشكلات العالقة من خلال الحوار هو الوسيلة المثلى التي تنادي بها السلطنة من خلال الرؤية الحكيمة لجلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه-.
فالذي يحدث الآن من تحركات في عدد من عواصم صنع القرار خاصة واشنطن يخص إيران بشكل خاص وموضوع الملف النووي في المقدمة منه، ورغم عدم تحمس دول الاتحاد الأوروبي لإجراء أي تغيير على مواد الاتفاق النووي، إلا أن تلويح الإدارة الأمريكية بالانسحاب من الاتفاق سوف يشكل توترا في الإقليم، وقد تصبح هناك مواجهة أمريكية-إسرائيلية -إيرانية، والأخطر أن تكون بعض الدول العربية أطرافا في هذا السيناريو، وبالتالي تدخل في أتون صراع غامض من خلال السيناريو الذي يطبخ في دوائر مغلقة ويفقد العرب ما تبقي لهم من مقدرات مالية.
إن الخطر القادم على الأمن القومي العربي واضح لا لبس فيه، وهناك على الأرجح مؤامرة تتشكل، بشكل أو بآخر، سواء فيما يخص صفقة القرن لمحاولة تصفية القضية الفلسطينية، أو فيما يخص تعميق الأزمة الخليجية، أو إيجاد مبررات كافية للتنصل من الاتفاق النووي مع إيران، ومن هنا فلا بد أن يتدارك العرب أوضاعهم المعقدة، والمأمول أن تكون القمة العربية منتصف الشهر القادم مناسبة لإيجاد مخرج لكل تلك الأزمات التي يعيشها الوضع العربي الراهن.
ولا شك أن الرؤية العمانية للمشهد العربي وتطوراته وكيفية الخروج من المأزق اليمني، وأيضا إيجاد حل للأزمة الخليجية، هو الإطار الصحيح لحل تلك المشكلات، والوصول إلى قناعات سياسية بأن استمرار تلك الأزمات والصراعات والخلافات العربية سوف تأتي بمزيد من الكوارث على الدول العربية وشعوبها، وأن السيناريو المرسوم سوف يكون ضارا بمقدرات الأمة العربية، ومصالحها مما توجب الإنصات إلى الصوت العماني الحكيم الذي أثبت موضوعيته وحرصه على مستقبل الأمة وأجيالها، بعيدا عن التشبث بالرأي والاعتماد على أية قوى أخرى.
إن الحوار الإيراني-الخليجي هو الإطار الصحيح للخروج من كل تلك الأزمات سواء في اليمن والعراق وسوريا، وحتى لبنان، وأن يكون هناك توافق وحل لأي خلافات، وأن يسود التعاون والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين، لتنتهي مظاهر التوتر القائمة، ولعل نموذج السلطنة واضح خلال العقود الأخيرة حيث تتعايش السلطنة مع دول العالم، شرقها وغربها، ومع إيران وغيرها بشكل متوازن يقوم على الحوار وتبادل الرأي وحل أي إشكالات بطرق سلمية. ومن هنا فإن النموذج العماني في مجال السياسة الخارجية هو النموذج الذي أثبت صحته، مما يعني أن هناك فرصة حقيقية لتحقيق الأمن الإقليمي في الخليج والبعد عن الاتهامات والاتهامات المضادة التي لن تجدي نفعا.

تسارع الأحداث
الأحداث في الشرق الأوسط والمنطقة العربية تتسارع بشكل كبير، ويكفي متابعة القنوات الإخبارية والصحافة الغربية؛ لاكتشاف ما يدور في دهاليز السياسة الأمريكية والغربية، خاصة أن الثروات ومنها الغاز الطبيعي المكتشف في البحر الأبيض المتوسط، والصراع القادم حول تلك الثروات في سوريا مثلا، هو الحافز للصراع الإقليمي والدولي في سوريا، كما أن الصراع حول الغاز في البحر المتوسط بين عدة أطراف منها لبنان وإسرائيل وهناك مصر وقبرص وحتى تركيا واليونان، وقد تصبح قضية الغاز في البحر الأبيض المتوسط بؤرة صراعات في المستقبل، وبالتالي فإن المناخ السياسي في الإقليم والعالم هو مناخ ملبد بالغيوم، وقد تحدث حروب قادمة من خلال تلك الملفات الشائكة، ومن هنا فإن الحكمة تقتضي من العرب دراسة أوضاعهم بشكل شفاف وموضوعي لإنقاذ مقدراتهم وكياناتهم ومستقبل أجيالهم.
إن خريطة تقسيم العالم العربي إلى دويلات لا تزال موجودة، وإذا استمرت الصراعات الحالية والخلافات وتواصل استنزاف المقدرات العربية، فإن الوضع سوف يكون في غاية التعقيد خاصة أن تأزيم الوضع الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس هو جزء من السيناريو الأمريكي، ومن هنا فإن الوضع ينذر بأخطار محدقة بالعرب، مما يستدعي اتخاذ قرارات حاسمة، خلال القمة العربية القادمة، سواء فيما يخص القضية الفلسطينية وهي القضية المركزية للعرب، أو إيجاد تسوية للصراعات في سوريا وليبيا واليمن أو إطلاق حوار عربي- إيراني، وإيجاد إقليم يتسم بالاستقرار، بعيدا عن التهديدات ولغة الحروب لأن هذه الأخيرة إذا اندلعت سوف تضر وتدمر الجميع في المنطقة.