كم أنت سعيد أيها العالم

أ.د. حسني نصر –

باعتبار أننا مواطنون عالميون نخضع لسلطة ورعاية وحماية منظمة الأمم المتحدة، فنحن كغيرنا من البشر مدعوون جميعا للتعبير عن سعادتنا بوجودنا في هذا العالم السعيد، والاحتفال غدا باليوم الدولي للسعادة الذي يوافق العشرين من مارس من كل عام الذي أقرته المنظمة الدولية في يوليو 2012، وتحتفي به سنويا منذ العام 2013 اعترافا منها – كما تقول- بأهمية السعادة كقيمة عالمية يتطلع إليها البشر في كل أنحاء العالم، ولما لها من أهمية فيما يتصل بمقاصد السياسة العامة.
قد يبدو الأمر غريبا للبعض، خاصة للملايين الذين يعيشون على هامش العالم وفي منطقة دائمة الاشتعال بالحروب والصراعات مثل منطقة الشرق الأوسط، والحقيقة أن الاحتفال بالسعادة يمثل إحدى تجليات العولمة التي دفعت المنظمة الدولية لدعوة جميع البشر دون تمييز، الجميع ومن كل الأعمار، وفي كل القطاعات إلى المشاركة في الاحتفال باليوم الدولي للسعادة، على اعتبار أن مشاركتنا في هذا الاحتفال، حتى وان كنا غير سعداء، هي سبيل للاعتراف بأهمية السعادة في حياة الناس في كل أنحاء العالم.
عندما تسمع مثل هذه الدعوات العالمية المفرطة في الخيال، للشعور بالسعادة، بل وممارسة السعادة نفسها، يتبادر إلى الذهن السؤال عن معايير تحقيق السعادة لإنسان القرن الحادي والعشرين المحاصر بالأزمات والأمراض والفقر والجوع والحروب والكوارث وأطماع الدول الكبرى والمشكلات الحياتية اليومية التي لا أول لها ولا أخر. يستوى في ذلك إنسان المجتمعات المتقدمة الذي يتمتع برفاهية شكلية، قد تصيبه بالاكتئاب وتدفعه إلى الانتحار، وإنسان المجتمعات الفقيرة الذي لا يجد قوت يومه، وتمثل السعادة بالنسبة له رفاهية لا قبل له بها.
دعونا نراجع المعايير أو الشروط التي وضعتها الأمم المتحدة والتي تمثل في مجملها – حسبما تقول- جوانب رئيسية يمكنها أن تؤدي إلى الرفاه والسعادة. وتعود هذه المعايير إلى سبتمبر من العام 2015 عندما اعتمد قادة العالم في «قمة أممية تاريخية» ما عرف باسم أهداف خطة التنمية المستدامة 2030، وبدأ تنفيذها رسميا في مطلع العام التالي 2016.
أول معيار من المعايير الحالمة التي اعتمدتها الأمم المتحدة، لكي يكون العالم سعيدا، هو معيار القضاء على الفقر. وبمراجعة سريعة لتقارير الأمم المتحدة نفسها عن الفقر في العالم نجد أن هذا الحلم يستحيل تحقيقه، إذ أن هناك نحو 70 دولة في العالم- وفقا للبنك الدولي- تعاني من الفقر، بالإضافة إلى أن 45% من سكان الدول غير الفقيرة يشملهم تعريف الفقر، وعلى سبيل المثال فإن 30 مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية، يمثلون 15 بالمائة من سكانها، يقعون تحت خط الفقر. وتشير إحصاءات أخرى إلى أن نحو ملياري شخص يمثلون نحو ربع سكان العالم يعيشون فقرا مدقعا، معظمهم لا يحصلون على مياه شرب نقية. إلى جانب ذلك فإن ثلث أطفال العالم تقريبا يعانون من سوء التغذية، فكيف سيحتفل هؤلاء باليوم الدولي للسعادة ومتى يمكن أن يشعروا بها؟ صحيح أن أسباب الفقر كثيرة ومنها أسباب داخلية خاصة بكل دولة مثل سوء توزيع الثروة الوطنية وانتشار الفساد والمحسوبية، ولكن العالم ومنظمته الدولية التي تدعو للسعادة تساهم بقدر كبير، من خلال معاييرها المزدوجة وانحيازها التاريخي للبلدان الغنية، في بقاء معضلة الفقر على ما هي عليه، بل واتساع نطاقها عاما بعد عام. فالدول الفقيرة ما زالت تخضع سياسيا واقتصاديا حتى بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية الغربية، بأكثر من نصف قرن، لدول المركز الغنية التي تتخذ منها أسواقا لبيع منتجاتها خاصة من الأسلحة، وتمنع تطور أنظمتها السياسية والاقتصادية حتى تظل تابعة لها.
ما يقال عن معيار القضاء على الفقر يقال مثله وأكثر عن المعيار الثاني من معايير الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وتحقيق السعادة العالمية، وهو معيار القضاء على الجوع الذي يبدو بعيدا عن التحقق في ظل ما نعرفه عن معاناة دول وشعوب عديدة من الجوع. فقد وصل عدد الجوعى في العالم إلى نحو مليار شخص يتركزون في دول أفريقيا جنوب الصحراء، وأمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى بعض دول شرق أوروبا والعديد من دول قارة آسيا التي تضم أكبر عدد من الجياع في العالم. ويقول برنامج الأغذية العالمي وهو وكالة الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الجوع إن واحدا من بين كل تسعة أشخاص تقريبا في العالم، وواحدا من كل أربعة أشخاص في أفريقيا جنوب الصحراء، لا يحصل على ما يكفي من الغذاء للتمتع بصحة جيدة وحياة نشيطة، فما بالك بالحياة السعيدة التي تدعوهم المنظمة الأممية للاحتفال بها؟ وهنا أيضا تتكرر مسؤولية الأمم المتحدة عن استمرار وتفاقم أزمة الجوع بتقاعسها في حل الصراعات ووقف الحروب التي تعد ابرز مسببات الجوع الرئيسية إلى جانب الكوارث الطبيعية والأزمات المالية والاقتصادية. ويكفي أن نشير هنا إلى أن الحرب في سوريا التي دخلت الأسبوع الماضي عامها الثامن والتي تشارك فيها دول كبرى تمثل أعمدة النظام العالمي، جعلت واحدا من كل ثلاثة سوريين يعيش تحت خط الفقر، وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة عدد الجوعى نتيجة انخفاض إنتاج الغذاء في البلاد بنسبة 40 بالمائة. وتؤكد التقارير الإعلامية التي لا تتوقف، أن الجوع أصبح يحصد الأرواح في سوريا بمعدل قريب من معدلات حصاد السلاح، وأن أعدادا كبيرة من الأطفال يموتون جوعا في المدن المحاصرة. هؤلاء وغيرهم كثيرين كيف تطالبهم الأمم المتحدة بالاحتفال باليوم الدولي للسعادة بعد أن عجزت حتى عن إدخال المساعدات الغذائية لهم؟
في تقديري أن فشل العالم ومنظمته في تحقيق المعيارين الأوليين من معيار التنمية المستدامة، يكفي للتأكيد على أننا نعيش في عالم غير سعيد بالمرة، حتى وان حاولت الأمم المتحدة إظهار عكس ذلك. ويتضح ذلك حتى في المعايير الخمسة عشر الأخرى التي تشمل الصحة الجيدة، والتعليم الجيد، والمساواة بين الجنسين، وتوفير المياه النظيفة، والطاقة النظيفة، والعمل اللائق، والحد من أوجه عدم المساواة وتحقيق السلام والعدل، إلى جانب إقامة بنى تحتية قادرة على الصمود، وتحفيز التصنيع الشامل والمستدام، وتشجيع الابتكار، وجعل المدن شاملة للجميع وآمنة، وضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة، واتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره، وحفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام، وحماية النظم الإيكولوجية البرية وترميمها وتعزيز استخدامها على نحو مستدام، وإدارة الغابات على نحو مستدام، ومكافحة التصحر، ووقف تدهور الأراضي وعكس مساره، ووقف فقدان التنوع البيولوجي. والآن عزيزي القارئ هل ستحتفل غدا باليوم الدولي للسعادة؟ ربما يكفى أن يأخذ كل منا المعايير السبعة عشر للتنمية المستدامة التي هي نفسها معايير تحقيق السعادة البشرية من وجهة نظر الأمم المتحدة، ويطبقها على نفسه والمجتمع والإقليم والعالم الذي يعيش فيه، ثم يقرر ما إذا كان يشعر بالسعادة أم لا.. وهل يستحق هذا اليوم وهذا العالم مثل هذا الاحتفال؟.