الاتفـاق النـووي الإيـراني.. متغيـرات وتوقعـات

عبد العزيز محمود –
بالتأكيد حدث تحول مثير للجدل في الموقف الأوروبي من الاتفاق النووي الإيراني، من دعوة للتمسك بالاتفاق دون تعديل، إلى إجراء مباحثات مع واشنطن حول اتفاق تكميلي يدعو لفرض عقوبات جديدة على إيران إذا طورت أو اختبرت صواريخ بعيدة المدى أو أحبطت عمليات التفتيش أو حاولت إنتاج سلاح نووي.

هذا التحول جاء في أعقاب المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتصف يناير الماضي لحلفائه الأوروبيين (المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا) لتعديل الاتفاق النووي قبل ١٢ مايو المقبل أو مواجهة ما يترتب على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق.
المهلة الأمريكية التي صيغت في شكل إنذار استهدفت إقناع الشركاء الأوروبيين بما تعتبره إدارة ترامب ملاحظات أو مآخذ من وجهة نظرها على الاتفاق الموقع في عام ٢٠١٥ والمعروف رسميا باسم خطة العمل الشامل المشترك (جاكوبا) تمهيدا للتوافق حول طرق معالجتها سواء بتعديل الاتفاق النووي أو التفاوض حول اتفاق تكميلي أو استصدار قرار من مجلس الأمن بإجراء تغييرات على الاتفاق.
وتدرك واشنطن أن مطالبها لن تلقى قبولا من روسيا والصين وبطبيعة الحال إيران لذا فإنها تراهن على التوافق مع شركائها الأوروبيين الذين وقعوا على الاتفاق النووي بهدف تشكيل جبهة أمريكية أوروبية للضغط على الأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق لمحاولة فرض الشروط الأمريكية.
ولم يأت هذا الاختيار من فراغ، فهناك توافق أمريكي أوروبي على ضرورة منع إيران من حيازة السلاح النووي وتطوير الصواريخ بعيدة المدى ذات القدرات النووية وتوسيع دائرة نفوذها في الشرق الأوسط.
كما أن هناك مخاوف أوروبية حقيقية من أن يؤدي تباين المواقف مع واشنطن بشأن الاتفاق النووي الإيراني إلى تدهور العلاقات الأوروبية الأمريكية أو اشتعال حرب تجارية عبر الأطلسي.
فالانسحاب الأمريكي المحتمل من الاتفاق سوف يترتب عليه فرض عقوبات أمريكية لن تشمل إيران وحدها، بل الشركات الأوروبية المتعاملة مع إيران، وهو ما قد يدفع الاتحاد الأوروبي للتعامل بالمثل، مما قد يشعل حربا تجارية بين جانبي الأطلسي.
ولعل هذا ما يفسر موقف الاتحاد الأوروبي الرافض لأي تعديل للاتفاق النووي مع إيران، حتى لا يتسبب ذلك في تقويض الاتفاق، الذي حقق نجاحا في الحفاظ على الأمن الإقليمي والدولي، وما قد يترتب على ذلك من تهديد للمصالح الأوروبية وكذلك العلاقات الأوروبية الأمريكية.
وانطلاقا من هذا التصور يحاول الشركاء الأوروبيون الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران، وإقناع واشنطن بتخفيض سقف مطالبها، مقابل إقناع إيران بمراجعة سياساتها في الشرق الأوسط، بحيث يمكن إجراء التعديلات المطلوبة بشكل تدريجي ودون مهلة محددة.
وقال الحلفاء الأوروبيون الثلاثة إن المهلة التي حددتها واشنطن لا تكفي للتشاور حول خطة العمل المشتركة بشأن إصلاح عيوب الاتفاق النووي فضلا عن القضايا الإقليمية الأوسع نطاقا.
لكن الإدارة الأمريكية لا ترغب فيما يبدو في إضاعة المزيد من الوقت، وهذا ما دفعها للتشديد على أن ١٢ مايو المقبل هو موعد نهائي لا تراجع فيه، وان على الحلفاء الأوروبيين تحديد موقفهم أو مواجهة الانسحاب الأمريكي.
وهكذا انخرط الطرفان في محادثات بهدف التوصل إلى اتفاق تكميلي لمعالجة ما تعتبره الإدارة الأمريكية «عيوبا» في الاتفاق النووي، بهدف منع إيران من تطوير أو اختبار صواريخ بعيدة المدى، وتشديد إجراءات التفتيش الدولية على كافة مواقعها النووية والعسكرية، ومنعها بشكل دائم وليس مؤقت حتى عام ٢٠٣٠من استئناف إنتاج الوقود النووي.
فالإدارة الأمريكية ومعها اليمين الأمريكي مقتنعان بان الاتفاق النووي لن يمنع إيران من إنتاج أسلحة نووية أو تطوير ترسانتها الصاروخية أو استخدام الأموال التي حصلت عليها جراء رفع العقوبات في توسيع نفوذها الإقليمي اذا أرادت.
وهذا ما دفع الكونجرس الأمريكي للتحرك نحو إصدار تشريع يسمح للرئيس بإعادة فرض عقوبات صارمة على إيران في حالة رفضها تعديل الاتفاق النووي أو القبول باتفاق تكميلي.
وتقول الإدارة الأمريكية إن الاتفاق النووي لم يمنع إيران من إجراء ٢٣ اختبارا صاروخيا بعيد المدى (من بينها أربعة اختبارات ذات قدرات نووية) وتشغيل أجهزة طرد مركزية نووية أكثر تقدما، فضلا عن عدم سماحها للمفتشين الدوليين بالوصول إلى كل منشآتها النووية، على حد زعمها.
وعلى الجانب الآخر تؤكد إيران أن الاتفاق النووي الذي وقعته مع الدول الست الكبرى فضلا عن الاتحاد الأوروبي لا يتضمن ما يمنعها من تطوير برنامجها النووي للأغراض السلمية أو تطوير دفاعاتها العسكرية التقليدية بما في ذلك الصواريخ البالستية بعيدة المدى، وأنها ملتزمة تماما بالاتفاق بشهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
يذكر أن الاتفاق النووي المعروف رسميا باسم خطة العمل الشامل المشترك والموقع عام ٢٠١٥ بين إيران وكل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وروسيا والصين بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي يتضمن التزام إيران بتقييد برنامجها النووي في إطار الاستخدامات السلمية، وتحديد مستويات تخصيب اليورانيوم، والتوقف عن إنتاج الوقود النووي حتى عام ٢٠٣٠، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية وفك عوائد النفط والأصول المجمدة.
ويراهن الطرفان الأمريكي والأوروبي فور توصلهما إلى اتفاق، على إمكانية إقناع كل من روسيا والصين بالموافقة على التعديلات المقترحة، لكن ذلك ليس واردا، فالدولتان ترفضان أي تعديل في الاتفاق النووي أو إلحاقه بأي اتفاق تكميلي.
ومن جانبها ترفض إيران أية ضغوط لإقناعها بتعديل الاتفاق النووي أو المساس بسيادتها أو حقها في تطوير دفاعاتها العسكرية التقليدية، في ظل دعم واضح لموقفها من جانب كل من روسيا والصين.
ويبدو أن الأحداث قد تتجه نحو توافق أمريكي بريطاني فرنسي ألماني على المضي قدما نحو اتفاق تكميلي يفرض عقوبات جديدة على إيران ما لم تلتزم بالأحكام الجديدة الوارد فيه. وفي حالة قيام إيران بالانسحاب من الاتفاق، لإدراكها بأنه لم يعد يحقق لها مزايا اقتصادية، فإن واشنطن وشركاءها الأوروبيين سوف يستغلون ذلك ويتحركون لتفعيل خطة العمل الشامل المشترك، واستصدار قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات جديدة ضدها، لكن روسيا والصين سوف تستخدمان حق النقض لإحباط مثل هذه المحاولة على الأرجح.
وعلى ذلك فانه من الواضح أن الاتفاق النووي الإيراني يتجه نحو مصير مجهول، ولعل هذا ما دفع الرئيس الإيراني حسن روحاني للتأكيد على أن التزام بلاده بالاتفاق النووي مرهون بعدم انتهاكه من قبل الدول الأخرى.