نوافـذ: الشراهة.. «أعيت من يداويها»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يتسع المعنى كثيرا لكلمة «شراهة»، وإن كان المعنى الشائع مربوطا بتلهف الفرد نحو الأكل، فالأكول – على سبيل المثال – قد يوصف بهذا الوصف هذه فرد «شره» إلا أن اتساع المعنى يذهب إلى أبعد من ذلك، فيقال هذا رجل شره، أي يريد كل شيء، فإن كان في جلسة تدار فيها حوارات عدة، يظل هذا الصاحب مستحوذا على كل الأحاديث؛ دون ترك فرصة لأي من الحضور؛ لأن يشارك في الحديث، وعلى مستوى الأسرة؛ يريد أن يستحوذ على كل شيء، وعندما تصل الأسرة الى اقتسام تركة معيلها؛ الذي كان؛ يكون هذا الفرد هو من ينازع الآخرين على حقوقهم المشروعة، وعندما يكون في مؤسسة العمل؛ وتوكل إليه مسؤولية ما؛ يستحوذ حتى على مهام الآخرين؛ ويدخل في أدق اختصاصاتهم، فيحول نفسه إلى «سوبر مان» الوظيفة، أو الإدارة، ويظل الآخرون مصدومين، تعلو وجوههم الدهشة، وإذا كان في بيئة المجتمع، يكون الصاحب صاحب اليد الطولى؛ يأمر، وينهى، دون اعتبار لوجاهة، ولكبر سن، ولصاحب معرفة؛ إنها الشراهة بكل عناوينها العريضة؛ مع اختلاف المواقع والمناسبات.
تقتسم الـ «شراهة» جانبا مهما من جوانب معززات الفطرة، فالفطرة البشرية تحتوي كل المتناقضات عند البشر، فالخير والشر، والإقدام والتقهقر، والتجبر والتواضع، والكرم والبخل، والشجاعة والجبن، وحسن الخلق وسيئها، والشراهة والقناعة؛ كل هذه موجودة عند كل واحد منا، وإنما تتفاوت النسبة الفاعلة لأي من هذه المتناقضات والمتقابلات؛ ومنا من يسلم الأمر مطلقا لأي طرف كان، ويكون رهين ذلك الطرف، فيعرف به، وينعت به، ويظل عنوانه الكبير مع الناس، فهذا كريم، وهذا بخيل، وهذا شره وهذا قنوع، وهذا جبان وهذا شجاع، حيث ينفرد كل واحد بصفة ما، وهناك القليل من يجمع هذه المتضادات في آن واحد، ويوظفها للظرف الذي يعيشه، ومن يستطيع ذلك يكون فردا متميزا بحق، والمهم في هذه المسألة هو القدرة على معرفة الخصلة التي نكون عليها، فإن كانت إيجابية تعهدناها بالرعاية والعناية، وإن كان غير ذلك كبحنا جماح السيئ منها.
ولأن الشراهة خلق سيئ؛ الى حد ما؛ فإن الاستمرار فيه؛ مع المعرفة به؛ يعد نوعا من «الاستهبال» وهذا «الاستهبال» يوصف به كل من يعرف خلقه السيئ، ويصر على الاستمرار فيه، دون أن يراجع حساباته، ويعيد ترتيب أوراقه الخلقية، وخاصة تلك المتعلقة بالتعامل مع الآخرين، فهناك أناس كثر يمارسون أخلاقهم السيئة مع أنفسهم، ولكن لا يتعاطون به مع أي طرف كان، فهؤلاء وضعهم أرحم من الذين يمارسون أخلاقهم السيئة ويتعاطون بها مع الآخرين، مستغلين بساطة وسماحة من يتعاملون معهم، مع معرفتهم بأن ما يقومون به خطأ، ولكنهم يكابرون ظنا منهم أن في ذلك استذكاء على الآخرين، واستغلال تعاطفهم.
كثيرا ما يردد: «حريتك تنتهي مع بدء حرية الآخرين» إلا أن خلق الشراهة لا يقف عند هذه الحدود، حيث يتجاوزها، منتهكا بذلك حق الآخرين في أشياء كثيرة، ومتوغلا في خصوصيتهم القريبة، فالتقصي في السؤال عن فلان من الناس؛ يدخل بصورة مباشرة في مفهوم الشراهة لمعرفة خصوصية الآخر، لأن المعرفة عن الآخر تكفي عند حد حالته الظاهرية والمعروفة عند الناس جميعا، أما إذا توغل السؤال أكثر عن ذلك فهنا تتجاوز المسألة خطها الأحمر، وقس على ذلك أمثلة كثيرة.
يحدث؛ في أحيان كثيرة؛ ربط بين جسم الفرد؛ من حيث الضخامة؛ بكمية الطعام الذي يأكله، ويعاد السبب إلى شراهته في الأكل، فيقال لولا شراهته، لما وصل به الحال إلى هذه الصورة المتضخمة، وفي ذلك نقد مباشر لهذا الفرد من الناس، وإذا كانت ضخامة الجسم تسند إلى شراهة الأكل، كما هذا المثال، فضخامة المساوئ يجب أيضا أن تعاد إلى شراهة هذا الأفراد في تقصي حقائق الآخرين، وفي التدخل في شؤونهم، وفي تجاوز الأفعال والسلوكيات للحدود المتاحة للفرد الواحد.