شفافية: الشركات وقضايا الباحثيــن عـن عمـل

محمد بن أحمد الشيزاوي –
shfafiah@yahoo.com –

يروج مسؤولون بشركات المساهمة العامة والعائلية وعدد من التجار ورجال الأعمال لفكرة أن توظيف مزيد من الشباب العماني في هذه الشركات سوف يحد من أرباحها أو يكبدها مزيدا من الخسائر معتبرين أن تراجع أرباح شركات المساهمة العامة التي تم الإعلان عنها خلال الأيام الماضية وتحول بعضها من الأرباح إلى الخسائر جاء نتيجة عدد من الضغوط من بينها توظيف الشباب العماني وأن استمرار التوظيف سوف يزيد من الأعباء والتحديات التي تواجهها.
ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد فقط بل إنهم يلومون الحكومة ويعاتبونها بسبب إصرارها على توظيف أعداد متزايدة من الشباب العماني في القطاعين الحكومي والخاص، ففي القطاع الحكومي يقولون: إن هذا التوظيف سوف يؤدي إلى “ترهل” الجهاز الإداري للدولة، وفي القطاع الخاص سوف يؤدي إلى تحقيق خسائر تضعف قدرات وإمكانيات هذه الشركات.
وفي نظرنا هذه الأفكار المحبطة هي مجرد وهم لدى هؤلاء المسؤولين الذين يفترض بهم المساهمة بآرائهم وأعمالهم في دعم الاقتصاد الوطني وتقويته والاستفادة من الطاقات العمانية التي يؤدي عدم توظيفها إلى تعطيل طاقات شبابية قادرة على الإنتاج والإسهام في بناء الوطن.
المشكلة التي يقع فيها هؤلاء هي أنهم لا يتبنون أفكارا إيجابية تجاه بناء الاقتصاد، ولنسأل أنفسنا: ألا يستطيع الاقتصاد الوطني الذي سجل نموا جيدا في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي بصعود الناتج المحلي إلى 20.3 مليار ريال عماني توفير 25 ألف فرصة عمل خلال 6 أشهر؟ وماذا قدمت شركات المساهمة العامة والشركات الحكومية والعائلية من خطط في هذا الاتجاه؟ ولماذا تلقي هذه الشركات اللوم على الحكومة أو على الشباب العماني، وتتناسى أنها تحصل سنويا على العديد من العقود الحكومية والمناقصات في الوقت الذي لا تتمتع بعض هذه الشركات بإدارات جيدة تساهم في تعزيز إيراداتها وأرباحها؟، ولعل تراجع أرباح بعض الشركات وتحول شركات أخرى من الأرباح إلى الخسائر هو نتيجة مشاكل إدارية أو تسويقية وليس بسبب توظيف الشباب العماني مع العلم أيضا أن هذه الشركات تشغل أجانب برواتب مرتفعة في وظائف يمكن أن يقوم بها الشباب العماني برواتب أقل.
في حديثه مع الصحفيين في 6 ديسمبر الماضي كان معالي الشيخ عبدالله بن ناصر البكري وزير القوى العاملة شفافا وواضحا وهو يعرض رؤية الحكومة تجاه توفير 25 ألف فرصة عمل للباحثين عن عمل، وقد أكد في حديثه أن التعامل مع الموضوع سيكون من خلال ثلاث طرق: إما التوظيف المباشر وفق البيانات والمعطيات المقدمة من الباحث عن عمل وتناسب مؤهلاته مع الوظيفة، أو عن طريق المقابلات والتصوير المرئي لتلك المقابلات من خلال الهواتف النقالة أو مكاتب دوائر العمل في المحافظات، والطريقة الثالثة هي إجراء المقابلات والاختبارات للوظائف التي تتطلب ذلك، حيث سيتم استدعاء المترشحين لمقابلة الشركات تحت إشراف الفرق الفنية بمن فيهم فنيون من وزارة القوى العاملة.
غير أنه يبدو أن هناك أسبابا حالت دون تنفيذ هذه الآليات، ولو تم تطبيقها بالشكل الذي عرضه معالي الوزير لحدث تقدم أكبر مما نشهده حاليا لتوفير الـ25 ألف فرصة عمل.
كذلك فإن معالي الوزير شدد في حديثه على 3 نقاط مهمة: الأولى هي أن هدف الحكومة هو تسهيل حصول المواطنين على فرص العمل وأنها تأخذ في حسبانها مواكبة النمو في أعداد الخريجين وأن هناك حوالي 40 ألف فرصة عمل ينبغي توفيرها سنويا، والثانية هي أن للشركة الحق في الاستغناء عن المواطن الذي لا يلتزم بقانون العمل شريطة توظيف عماني مكانه، والثالثة هي أن أولوية التوظيف في القطاعين العام والخاص هي للمواطنين وأنه لا ينبغي توظيف القوى العاملة الوافدة إلا في الوظائف التخصصية التي لا يوجد مواطن مؤهل لشغلها.
وإننا إذ نعرض لهذه الحقائق بعد مضي نحو شهر ونصف الشهر من بدء تطبيق قرار مجلس الوزراء بتوفير 25 ألف فرصة عمل نود التأكيد على أن شركات المساهمة العامة والشركات الحكومية والعائلية مطالبة بأن تكون على مستوى هذه التوجيهات لا أن تحاول الالتفاف عليها، ولعل أهم إجراء لتحقيق هذه الأهداف هو تنويع أنشطة الشركات ومجالات عملها. لا ينبغي أن يكون التوظيف من أجل التوظيف وإنما بهدف بناء الاقتصاد وتقويته، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بالإنتاج. أين المصانع العمانية الكبرى التي تنشط في مختلف مجالات التصنيع وتصل منتجاتها لمختلف أرجاء العالم؟ أين الشركات الكبرى في قطاع الخدمات التي تستطيع تقديم خدمات عابرة للقارات؟ لماذا لا تزال الشركات الكبرى ومن بينها شركات المساهمة العامة والشركات الحكومية والعائلية تعتمد بشكل كبير على الكوادر الأجنبية في حين أنه يوجد الكثير من الشباب العمانيين المبدعين في مختلف مجالات العمل ولا يتم الاعتماد عليهم في إدارة هذه الشركات؟ ولماذا نركز على التأهيل والتدريب عندما نتحدث عن توظيف الشباب العماني (وكأنهم لم يتخرجوا من جامعات وكليات علمية أو مهنية متخصصة) ولا نتحدث عن ذلك أبدا عندما نوظف الأجانب. وخلال مسيرتي المهنية صادفت الكثير من الرؤساء التنفيذيين العمانيين الناجحين، ولكنني لم أصادف أي رئيس تنفيذي أجنبي حقق نجاحا مشهودا لا يستطيع العمانيون القيام به؟ بل إن بعضهم لم يحقق أي نجاح وأدى إلى خسارة بنوك وشركات.
إن المرحلة الحالية تتطلب عملا جماعيا من مختلف أجهزة الدولة والشركات ورجال الأعمال وأصحاب الرأي والفكر لتوفير بيئة مناسبة تساهم في تأسيس المزيد من الشركات العمانية الكبرى والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تستطيع توفير آلاف الوظائف للعمانيين سنويا خاصة أن السنوات المقبلة ستشهد ازدياد أعداد الخريجين وهو ما يتطلب توسعة أنشطة الاقتصاد وتمكينه من مواكبة النمو في أعداد الباحثين عن عمل.