الحوار.. ضرورة لصالح الجميع في الخليج

عوض بن سعيد باقوير/ صحفي ومحلل سياسي –

منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 والتداعيات التي نتجت عنها، بدأت مظاهر الشك والريبة والتوتر تظهر بين الفرقاء على ضفتي الخليج، وهم دول الخليج العربية من جانب وإيران من الجانب الآخر، علاوة على سياسة عدم الثقة التي كانت سائدة بين الجارتين العراق وإيران وبالتالي كانت النتائج كارثية حيث اندلعت حرب مدمره عام 1980 بين العراق وإيران استمرت لثماني سنوات ودمرت البلدين على صعيد الخسائر البشرية الفادحة والأضرار الاقتصادية وتفجر الوضع في الخليج لتستمر الكوارث في المنطقة بعد سنتين فقط من توقف الحرب الإيراني والعراقي وحيث جاءت المغامرة غير المحسوبة والصادمة وهي احتلال القوات العراقية لدولة الكويت الشقيقة وكان لذلك تداعيات خطيرة ثم جاءت حروب الخليج المتتالية والتي انتهت بالغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين ودخول العراق في فوضى وتدمير وطائفية لا تزال آثارها متواصلة.
ولا تزال حدة التوتر متواصلة على ضفتي الخليج مع وجود عدد من الملفات مشتعلة في سوريا وليبيا واليمن وأوضاع سياسية غير مستقرة في عدد من الدول العربية ومن هنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه ما هو المخرج من هذا النفق المظلم الذي قد يؤدي إلى حروب وكوارث في المنطقة في ظل وجود أزمة خليجية أيضا.

الحوار هو الحل
هناك نماذج واضحة من الصراعات والحروب الكبرى في أوروبا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين حصدتا أكثر من 50 مليون قتيل وعشرات الملايين من الجرحى وتدمير عشرات من المدن الأوروبية وتم استخدام السلاح النووي من قبل الولايات المتحدة ضد اليابان ومن هنا توصل المتحاربون إلى أن الحوار وإيجاد خيارات أخرى يمكن أن تساهم في بلورة تعايش سلمي لا تزال أوروبا تعيشه إذا استثنينا حرب البلقان وهي حرب عنصرية انتهت بمحاكمة مجرمي الحرب في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
إذن الحل الأمثل والصراع السياسي المحتدم بين إيران وبعض دول الخليج هو الحوار وليس هناك خيار آخر سوى الحرب والتدمير التي عاشتها المنطقة خلال العقود الماضية ومن هنا فإن الحوار الإيراني-الخليجي هو الخطوة الصحيحة التي تجنب المنطقة ومقدراتها وشعوبها وأجيالها الأخطار والنكبات فأي حرب محتملة سوف تدمر الجميع وسوف يكون الكيان الإسرائيلي وأعداء الأمة العربية والإسلامية هم المستفيدون من هذا الصراع وإذا كان هناك مصالح اقتصادية بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي وتقدر بعشرات المليارات من خلال التواصل البحري والجوي فإن ذلك يعد المدخل الصحيح وأن يكون هناك حوارا شفافا يتسم بالمصداقية فإذا كان لبعض دول المجلس مأخذ على إيران فينبغي أن تواجه إيران بهذه الإشكاليات وهذا أمر سوف يكون مفيدا تبني من خلاله جسور من الثقة المتبادلة.
فإيران ودول الخليج يعيشون على ضفتي الخليج منذ قرون عديدة وليس هناك مجال لتغيير الجغرافيا ومن هنا فإن لغة الحوار والتي تعد إحدى سمات الدبلوماسية العمانية المتميزة هي النموذج الذي من خلاله يمكن أن يبنى عليه حوار واقعي يؤدي إلى نتائج إيجابية وحل الإشكالات والخلافات بين الجانبين.

نموذج الملف النووي
ولعل نموذج الحوار حول الملف النووي الإيراني هو أصعب بكثير من الخلافات الإيرانية مع بعض دول مجلس التعاون الخليجي حيث استغرق التفاوض السري والعلني لحل هذا الملف المعقد والخطير أكثر من عشر سنوات، وهذا يعني أن الحوار يبني الثقة أولا بين الأطراف، وثانيا يؤدي إلى قناعات مشتركة تؤدي إلى الحل الذي يخدم مصالح الجميع في إطار من السلام والاستقرار ومن هنا فينبغي أخذ هذا النموذج الحي ويكون مدخلا صحيحا لإطلاق الحوار الإيراني-الخليجي.
إن منطقة الخليج عانت الكثير ولا تزال البيئة تعاني من جراء الحروب والإشعاع خاصة في البحار كما أن تلك الحروب تولد الكراهية وضياع مقدرات الشعوب وليس هناك منتصر في الحروب الإقليمية ذات طابع الكر والفر فالقوات الإسرائيلية ورغم عتادها وأسلحتها المتطورة اندحرت أمام قوات حزب الله اللبناني عام 2006 وهذه حقيقة اعترفت بها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كما أن الحرب في اليمن التي تدخل عامها الثالث هي مثال آخر في هذا الإطار وكل هذه الأمثلة تؤشر على أهمية الحوار في أي توتر أو خلاف سياسي ولابد أن تكون الحكمة والتروي حاضرا في معالجة الملفات المعقدة. الغرب وحتي الولايات المتحدة لم تجد حرجا في الجلوس مع إيران والحوار معها لتحقيق المصلحة فتحقيق الأهداف كان باعثا على إيجاد مثل هذا الحوار وكانت دول (15) واضحة في الحوار وتم التوصل إلى حل توفيقي بمعني لا يمكن لطرف واحد الحصول على كل شيء بل ان طبيعة الحوار هو التسوية والتنازلات المتبادلة، وهذا ما تم في نهاية ذلك الحوار الشاق والصعب الذي جنب المنطقة حربا كارثية، وكان للدور المحوري لجلالة السلطان المعظم والسلطنة تأثيره وإسهامه في هذا الملف الصعب وما تم إنجازه فيه، ومن هنا فإن الدعوة إلى تكرار هذا النموذج هو الخيار الصحيح وهو الحوار الإيراني-الخليجي، حيث إن الخلافات بين الجانبين ممكنة الحل، اذا كانت نوايا الجميع تتسم بالاستعداد للخروج من هذا النفق المظلم والتصريحات الملتهبة بين الجانبين، ولا شك أن إسرائيل تريد المزيد من الحروب حتي تتمكن من أضعاف الجانب العربي والإسلامي.

منظمة المؤتمر الإسلامي
ولا شك أن أمام منظمة المؤتمر الإسلامي مسؤولية مهمة حيث إنها تضم كل أعضاء المنظمة ورغم ذلك فإن هذه المنظمات كالجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومن خلال البيروقراطية التي تتسم بها والتراكمات التي أضعفتها قد لا تكون الخيار الأفضل. ومن خلال النماذج السابقة، فإن وجود الوسيط النزيه الذي يعد مقبولا من كل الأطراف قد يشكل نجاحا في إقناع الأطراف لإطلاق ذلك الحوار حتي تتجنب المنطقة المزيد من الحروب والكوارث ومن هنا فان المسالة تحتاج إلى جهد سياسي متواصل وبناء الثقة وان تكون هناك رغبة حقيقية من جانب كل الأطراف.
فمسألة التخندق لكل الأطراف لن يأتي بنتيجة فالمواجهة إن حدثت سوف تكون كارثية ومن الحكمة التوصل إلى إطلاق ذلك الحوار، فاذا كان الجانب الإيراني يتدخل في شؤون المنطقة فعليه أن يكف عن ذلك، وهذا سوف يتضح من خلال الحوار، والمشكلة الحقيقية أن سوء النوايا لا يخدم أي حوار، وتبقي الأمور معلقة وهذا أمر بالغ الخطورة، حيث إن أي خطاء بشري قد يجعل الأمور اكثر سوءا. ومن هنا لا بد من تدارك الأمر. فالغرب له مصالحه هو فقط يريد بيع السلاح واستنزاف الصناديق السيادية لدول الخليج في حين أن شعوب المنطقة تحتاج إلى مزيد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهناك أجيال جديدة تحلم بمستقبل واعد. ولعل من الأهمية بمكان أن تكون منظمة المؤتمر الإسلامي على الأقل الداعية للحوار الخليجي-الإيراني وبعد ذلك تبدأ خيارات الوساطة جماعية كانت أو فردية، المهم جمع الفرقاء على طاولة الحوار وإنهاء التوتر كمرحلة أولى كذلك من المهم إيقاف الحملات الإعلامية والتصريحات السلبية، والتي عادة ما تعمق الخلافات وتؤججها كما حدث في الأزمة الخليجية والذي كان للإعلام دور سلبي ومخيب للآمال. وفي المحصلة النهائية لابد من خيار الحوار ولابد من الجلوس على الطاولة لان ذلك هو الخيار الأوحد لحل كل الخلافات بين بعض دول مجلس التعاون الخليجي وإيران لان البديل عن ذالك سوف يكون بالتأكيد الحرب والخراب والتدمير لكل دول المنطقة وشعوبها ومقدراتها وهو ما لا تحتاج إليه.