دورة هامة .. وسط ظروف إقليمية استثنائية

محمد حسن داود –
,, ليست مبالغة التأكيد على أن الدورة الجديدة لأعمال مجلس عمان تكتسب أهمية خاصة إلى حد اعتبارها دورة هامة كونها تعقد وسط ظروف إقليمية استثنائية شديدة التعقيد تحتاج إلى مقاربات من نوع خاص تحمي وتصون المكتسبات الوطنية وتدعمها خاصة من جانب مؤسسات أصبح لها بصماتها على غرار مجلس عمان بغرفتيه ,,

لقد اتسمت سنوات النهضة العمانية الحديثة بتأكيد دور ومكانة مؤسسات الدولة السياسية والتشريعية ومنها مجلس عمان بحيث أصبح له دوره الواضح والمؤثر ضمن منظومة مؤسسية متكاملة للمشاركة في إدارة شؤون البلاد مما عاد عليها بالتوازن والاستقرار في مختلف القطاعات، وساهم ذلك بالقطع في تحقيق درجات عالية من التنمية السياسية والاقتصادية والبشرية والعلمية وزيادة درجات الوعي السياسي والثقافي لدى المواطنين ليصبحوا شركاء في عملية صنع القرار الأمر الذي انعكس بشكل إيجابي على التنمية الوطنية الشاملة وتعميق مضمونها فيما بين المواطنين من جانب، ومؤسسات الدولة من جانب آخر، واليوم يمكن الحديث عن مؤسسات متكاملة وواضحة المعالم تتكامل في منظومة عمل مؤسسي بما يكرس مفهوم دولة المؤسسات بأجهزتها العصرية وبما يسهم في تحقيق المشاركة في صنع القرار وفق محددات ديمقراطية تتوافق مع الخصوصية العمانية، وفي صدارتها الحوار المباشر بين القيادة والمواطنين في مختلف أنحاء الوطن للتعرف على الخريطة الحقيقية للواقع بكل تجلياته وطبيعة ونوعية المشكلات التي تواجه الناس من خلال طرحها بشكل مباشر من دون واسطة أوقيود، وهو نمط غير متاح بالصورة ذاتها في كثير من دول المنطقة.
وتتحقق الديمقراطية في صورتها المؤسسية عبر صيغة مجلس عمان كأوضح مثال؛ مما يعمق الإحساس بالمواطنة قولا وعملا مع اعتماد منهجية التوازن بين مواكبة التطورات الحديثة والحفاظ على الموروث الثقافي العماني، وتلك سمة عمانية خاصة تميزها عن كثير من الدول الأخرى، وذلك يتجسد في أكثر من منحى؛ لتتواصل الخطط التنموية المدروسة والمنسقة التي ركزت على التنمية البشرية وبناء الإنسان، ومن ثم نقلت السلطنة نقلة حضارية ضخمة على مدار العقود الخمسة الماضية وفتحت أمامها آفاقا أرحب للتقدم والنمو، وبالقطع لم يكن من الممكن تحقيق كل تلك الطفرات التنموية بدون بناء ووجود مؤسسات قوية راسخة تسهم في بناء دولة حديثة وهو ما يؤكد حتمية دعم المنظومة المؤسسية ودور المواطن كشريك في إدارة شؤون البلاد وصنع القرار.
وفى أيامنا تلك، وبينما تحتفل السلطنة بعيدها الوطني السابع والأربعين الذي يتوج إنجازات قرابة خمسة عقود من مسيرة بناء عُمان الحديثة تناغمت فيها الخطط والاستراتيجيات والأفكار من كافة جهات المجتمع العُماني منذ عام 1970 حتى الآن تحت قيادة رشيدة وضعت خريطة طريق لبناء وإرساء تنمية شاملة على المستوى الداخلي؛ مما جعل سلطنة عمان واحة للسلام العالمي والإقليمي على المستوى الخارجي، لتبرز مكانة مجلس عمان وأهمية الدور الذي اضطلع به في هذه المسيرة الحافلة بالعطاء والإنجازات والنجاحات للدولة العمانية في كافة مناحي الحياة، على نحو أشاد به العالم أجمع، وبدت ملامحه جلية في شهادات منظمات دولية عديدة متخصصة ومعنية بقضايا التنمية حول العالم، وهي التي رصدت بالأرقام والوثائق ما حققته السلطنة من تقدم وازدهار على أصعدة شتى.
وما كان لمجلس عمان أن يحقق تلك النجاحات لولا المبادرة السامية بإنشائه ورعايته وتوفير كل الإمكانات والمتطلبات اللازمة والكفيلة بتيسير مهمته، وربما تعود حصافة القيادة السياسية إلى تمتعها بالخبرة والحكمة والكياسة في التوجيه الداخلي والخارجي، حيث جعل جلالة السلطان المعظم من سلطنة عمان بلدا صديقا لكل دول العالم، ويحظى بثقة الجميع، مما أهل السلطنة للقيام بوساطات ومساع حميدة ناجحة ومثمرة في أزمات وصراعات إقليمية ودولية عديدة، حتى أضحى كثيرون يطلقون على سلطنة عمان لقب «سويسرا الشرق الأوسط»، ولقد تجلت رؤية القيادة الحكيمة للتنمية الشاملة والمستدامة من خلال مجلس عمان والأجهزة المعاونة له في عدة محاور: أولها الاستثمار في العنصر البشرى عبر بناء الإنسان من خلال الارتقاء بمستوى معيشته وتعليمه وتدريبه وتأهيله ليقود عملية التنمية باعتباره محورها وهدفها وصانعها في آن واحد.
وإدراكا لأهمية التلاحم المجتمعي تحت راية الوطن كشرط أساسي لإنجاح أي مشروع تنموي، فقد كرس مجلس عمان والأجهزة المعاونة العمل على تقوية أواصر الوحدة الوطنية لأبناء الشعب العماني، وتعزيز التفاهم والتلاحم بين المواطن وقيادته، وترسيخ دعائم التكامل بين الدولة والمجتمع، وكذلك جاءت النصوص الدستورية من النظام الأساسي للدولة مؤكدة على مفهوم الوحدة الوطنية. ففي المادة الثانية عشرة من الباب الثاني من النظام الأساسي: «العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين العُمانيين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة» و«التعاضد والتراحم صلة وثقى بين المواطنين وتعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كل ما يؤدى للفرقة أو الفتنة أو المساس بالوحدة الوطنية». كما يلعب مجلس عمان بجناحية دورا مهما في مناقشة الاتفاقيات الاقتصادية والاجتماعية المحالة إليه، ويصدر المجلس العديد من التقارير والدراسات التي تغطى كافة جوانب الحياة في عمان، وتساهم بشكل كبير في تعزيز التنمية ومساعدة السلطة التنفيذية في التخطيط للمشروعات وتنفيذها ومتابعتها وسبل تطويرها. وبالتالي يقوم نظام الحكم في السلطنة على أساس العدل والشورى والمساواة وحق المواطنين بالمشاركة في الشؤون العامة، ويرتكز على تكافؤ الفرص بين الجنسين والنهوض بالمرأة وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة، وعلى التناغم والتوافق والتكامل بين كافة مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والمجتمعية في إطار النهوض بعمان وتعزيز التنمية فيها وتحقيق التقدم والازدهار، ومن هنا فإن مجلس عمان بجناحيه مجلس الدولة ومجلس الشورى يمثل ركيزة أساسية في دفع التنمية والتعبير عن نبض المجتمع وقضاياه والتحديات التي تواجهه والمساهمة عبر التعاون مع السلطة التنفيذية في إطار الصلاحيات الممنوحة له لتدعيم المشاركة المجتمعية والنهضة الشاملة.
وقد نجح المجلس بشكل لافت على مدى السنوات والعقود الماضية في القيام بهذا الدور التنموي بأن يكون مكونا أساسيا من مكونات صناعة القرار في الدولة العمانية بدراسات عميقة ومناقشات جادة وموسعة لمختلف القضايا في كل المجالات، وقد يرى كثيرون أن القضايا الداخلية هي المجال الطبيعي الذي يتحرك فيه مجلس عمان على أساس وجود مؤسسات وهيئات أخرى كفيلة بالتعامل مع العالم الخارجي، إلا أن هذه الرؤية أو المقاربة تعاني في الغالب قصورا شديدا في التحليل، فالتكامل واضح والتداخل لا تخطئه عين في تكامل السياستين الداخلية والخارجية، ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الشرح أو الاجتهاد للتأكيد على أن السياسات الخارجية السلمية للسلطنة ومنهجها الوسطي المعتدل في التعامل مع قضايا العالم قاطبة يعود بآثاره الإيجابية على الداخل العماني، حيث تحظى السلطنة بحالة من الاستقرار يحسدها عليها الكثيرون، وباتت بفضلها موضع احترام وتقدير العالم وقبلة للمستثمرين والباحثين عن حلول لمشاكل أو أزمات معقدة، ومن هذا المنطلق فلا مبالغة في التأكيد على أن أعمال مجلس عمان في دورته الجديدة ستكون في أشد الحاجة إلى طرح جديد ومعالجات من نوع أخر تأخذ في اعتبارها تلك الظروف الإقليمية الاستثنائية شديدة التعقيد التي تمر بها المنطقة، ولا شك في أن مجلس عمان يلعب بالفعل دورا مهما في دعم مكانة وسياسات السلطنة على الصعيد الخارجي من خلال انفتاحه على العالم بمشاركاته في مناسبات دولية عديدة وكذلك زيارات وفوده لعديد من دول العالم لدعم العلاقات، أضف إلى ذلك المباحثات التي يحرص المجلس على إجرائها مع الوفود الأجنبية الزائرة للسلطنة، ما يجعل مهمة المجلس في القيام بمزيد من المهام والجهود الخارجية لدعم سياسات السلطنة أمرا ميسورا يساهم بشدة في دعم الاستقرار الداخلي والتنمية الوطنية الشاملة بالتكامل مع دوره التقليدي في هذا الصدد، ولا شك في أنه سيضع نصب عينيه الحرص على بناء السلام في المنطقة وطرح برامج ورؤى تحقق هذا الهدف وهو طريق حتمي نحو مزيد من التنمية المنشودة.