جولة ترامب الآسيوية.. رهانات وتحديات

عبد العزيز محمود –

بالتزامن مع تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة يقوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجولة ماراثونية في آسيا تشمل 5 دول وتستغرق نحو أسبوعين تاركا وراءه إدارة تواجه، أكثر من أي وقت مضي، تبعات متزايدة للتحقيقات المتواصلة، حول التدخل الروسي المحتمل في الانتخابات الأمريكية.
جولة ترامب تُعد الأطول لرئيس أمريكي منذ عام 1992 حيث تشمل اليابان وكوريا الجنوبية والصين وفيتنام والفلبين وتتضمن المشاركة في قمة أبيك للتعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، وقمة الآسيان الـ31، وقمة شرق آسيا الـ12، كما تتضمن لقاء بين الرئيس الأمريكي ونظيره الروسي بوتين، في ثاني لقاء بينهما خلال العام الحالي.
ويحاول ترامب خلال جولته الآسيوية بلورة سياسة موحدة تجاه كوريا الشمالية، من أجل حثها على وقف اختباراتها النووية والباليستية، والتخلي عن سلاحها النووي، وتهدئة مخاوف حليفين رئيسيين للولايات المتحدة هما اليابان وكوريا الجنوبية.
وقبيل الجولة وتحديدا في 3 نوفمبر الجاري قامت قاذفات أمريكية استراتيجية بتدريبات فوق كوريا الجنوبية، في محاكاة لهجوم نووي مفاجئ على كوريا الشمالية، بالاشتراك مع مقاتلات يابانية وكورية جنوبية، وذلك بعد أسبوعين من تدريبات بحرية مشتركة بالقرب من شبه الجزيرة الكورية.
ومن الواضح ان ترامب يحاول عبر جولته الآسيوية التأكيد على التزام واشنطن بالتحالفات التي عقدتها مع حلفائها الآسيويين، ورغبتها في تعزيز المصالح الاقتصادية والبحث عن فرص جديدة للتعاون، خاصة بإقامة منطقة تجارة حرة ومفتوحة للمحيطين الهندي والهادئ تستهدف بالدرجة الأولى مواجهة التمدد الصيني.
كما يسعى ترامب – وهذا هو الأهم- إلى إقناع الحلفاء الآسيويين بتبني سياسات تجارية أكثر ملاءمة للولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بإعادة صياغة التبادلات التجارية، وعقد أكبر قدر من الصفقات التجارية ومبيعات الأسلحة.
المشكلة التي تواجه ترامب هو إحساس الدول الآسيوية التي يزورها بالقلق من عدم وجود موقف موحد داخل الإدارة الأمريكية، إزاء التعامل مع كوريا الشمالية، ولعل هذا ما دفع الصين وكوريا الجنوبية للمطالبة بإعطاء وقت أكبر للجهد الدبلوماسي، كما أن القادة الآسيويين غاضبون من قرار ترامب في يناير الماضي بالانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ.
والمشكلة الأخرى أن جولة ترامب الآسيوية تأتي وسط حالة من التعثر السياسي، وشعبية الرئيس الأمريكي في أدنى مستوياتها، بعد توجيه الاتهام لثلاثة مسؤولين سابقين في حملته الانتخابية، في إطار التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص روبرت مولر في التدخل الروسي المحتمل في انتخابات الرئاسة العام الماضي 2016 .
لم يكن الوضع في اليابان التي زارها من 5 إلى 7 نوفمبر الجاري سيئا، فقد اتفق ترامب ورئيس وزراء اليابان شينزو أبي على تعزيز التحالف الاستراتيجي بين البلدين، وتزويد اليابان بمنظومات الدفاع الصاروخي والغواصات، والتزام اليابان بزيادة مساهماتها المالية لتمويل القواعد الأمريكية في أراضيها وتقاسم الأعباء الدفاعية.
يذكر أن الولايات المتحدة واليابان تربطهما اتفاقية أمنية منذ عام 1960 ويتمركز في اليابان قرابة 50 ألف جندي أمريكي وتشارك اليابان بنحو 1.7 مليار دولار سنويا من ميزانيتها كجزء من تكلفة استضافة الجيش الأمريكي.
لكن مشكلة الخلل في الميزان التجاري خيمت على مباحثات الجانبين، بعد أن بلغ هذا الخلل 69 مليار دولار عام 2016، جراء واردات أمريكا من السيارات والإلكترونيات اليابانية. وتحاول الدولتان معالجة هذا الخلل عبر الحوار الاقتصادي بينهما لتذليل الخلافات حول العملة والتجارة والتعريفات الزراعية والخلل في الميزان التجاري.
وفي كوريا الجنوبية التي زارها من 7 إلى 8 نوفمبر الجاري، لم يكن لقاء ترامب بالرئيس « مون جاي-في» على نفس الدرجة من التفاهم، نظرا لاختلاف وجهات نظر الرئيسين بشأن كوريا الشمالية.فبينما يلتزم ترامب بسياسة التصعيد والحصار والتهديد بمواجهة عسكرية، يدعو «مون» للحوار مع بيونج يانج، وتقديم تنازلات تقضي بمراجعة نظام الدفاع الصاروخي، رفضا لتوجيه أي ضربة أمريكية مفاجئة لكوريا الشمالية، و مؤيدا لحل التوتر معها بالطرق السلمية.
ومن الواضح أن سول تشعر بالقلق مما تعتبره تهورا من ترامب، وتخشى أن تؤدي أية مواجهة عسكرية لإلحاق الدمار بشبه الجزيرة الكورية، لكنها حريصة في الوقت نفسه على استثمار زيارة ترامب في التأكيد على التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن كوريا الجنوبية.
يذكر أن كوريا الجنوبية تستضيف 28 ألف جندي أمريكي وتعتمد على تحالفها مع الولايات المتحدة لردع أي هجوم كوري شمالي ضدها .
وقد حاول ترامب تحسين العلاقات بين كوريا الجنوبية واليابان، لكن الاحتلال الياباني لشبه الجزيرة الكورية (1910-1945) مازال يفسد تلك العلاقات، لكن واشنطن تحاول من خلال المناورات العسكرية المشتركة إعادة بناء الثقة بين البلدين.
وكانت العقبة الأساسية في مباحثات ترامب – مون هي كيفية حل النزاعات التجارية، حيث يطالب ترامب بإعادة التفاوض حول اتفاقية التجارة بين البلدين، في محاولة لخفض عجز تجاري يقدر بنحو 28 مليار دولار، وهو ما يواجه بتحفظات كورية جنوبية.
وفي الصين التي يزورها من 8 الى 10 نوفمبر الجاري، لا تبدو الصورة وردية تماما، نظرا لتباين وجهات نظر البلدين الذين يمثلان أكبر اقتصاديين عالميين، إزاء الملف الكوري الشمالي، واختلال التوازن التجاري بينهما.
ويحاول ترامب إقناع الرئيس الصيني «جينبينج» بممارسة ضغوط اكبر علي حليفتها الرئيسية وأكبر شريك تجاري لبكين ،أي بيونج يانج، لإقناعها بوقف تجاربها النووية والباليستية، والتخلي عن سلاحها النووي.
لكن الصين تقترح تقديم تنازلات متبادلة من الجانبين الأمريكي والكوري الشمالي، تمهيدا للانخراط مجددا في مباحثات سلام، وهو ما ترفضه إدارة ترامب، الذي يشعر بالإحباط من الموقف الصيني.
ولعل هذا ما دفعه لتحقيق تقدم أكبر علي صعيد دعم العلاقات الاقتصادية، عبر اصطحاب وفد ضخم من رجال الأعمال، ومحاولة إقناع بكين بإزالة الدعم الحكومي الصيني للصناعات المنافسة للشركات الأمريكية، لكن الرئيس جينبينج لا يبدو متحمسا لإجراء تغييرات اقتصادية هيكلية يقول ترامب أنها ضرورية لخفض العجز التجاري بين البلدين.
وفي المقابل تسعى بكين للاتفاق مع ترامب على تمكين الشركات الصينية من بناء خطوط سكك حديدية عالية السرعة في الولايات المتحدة، وإسقاط التحقيقات حول السرقات المزعومة للملكية الفكرية من بعض الشركات الأمريكية.
والمتوقع ان يكون الوضع في فيتنام التي يزورها ترامب من 10 إلى 12 نوفمبر الجاري أفضل كثيرا، خاصة وأنها تسعى لتطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة وتقليل الاعتماد على الصين، التي تستحوذ على 21٪ من إجمالي التجارة الدولية في فيتنام عام 2016.
وهكذا فالمباحثات التي سيجريها الرئيس ترامب مع الرئيس الفيتنامي «تران داي كوانج» سوف تركز في المقام الأول على الملف الاقتصادي، وتخفيف القيود المفروضة على الاستثمارات وتوقيع صفقات تجارية لمضاعفة التبادل التجاري بين البلدين خلال الخمس سنوات المقبلة.
والمتوقع ان يستغل ترامب مشاركته في القمة 29 لقادة منتدى التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، والتي تعقد في مدينة « دانانج « بفيتنام، خلال الفترة من 11 الى 12 نوفمبر الجاري، لحث القادة المشاركين علي اتخاذ موقف موحد من كوريا الشمالية، والترويج لإقامة منطقة حرة ومفتوحة للمحيطين الهندي والهادئ بهدف مواجهة ما يعتبره سياسات توسعية من جانب الصين.
المشكلة أن لقاءه المرتقب على هامش القمة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من غير المتوقع ان يسفر عن نتائج كبيرة، رغم أن الرئيس الأمريكي يحاول استثماره للاتفاق على موقف موحد ازاء كوريا الشمالية، خاصة وأنه يتزامن مع تطورات متلاحقة للتحقيقات الجارية حول التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الأمريكية.
مما يعني ان هذا اللقاء سوف يكون شبيها بلقاء ترامب – بوتين الأول الذي عقد على هامش اجتماعات قمة مجموعة العشرين بهامبورج، في يوليو الماضي ، بهدف تحسين العلاقات وتجاوز خلافات الماضي.
لكن ذلك لم يحدث، بعد ان وقع ترامب بضغط من الكونجرس في أغسطس الماضي على قرار يقضي بفرض عقوبات جديدة علي روسيا، مما دفع بوتين لتخفيض نصف عدد اعضاء البعثة الدبلوماسية الأمريكية في روسيا، ودخلت العلاقات بين البلدين مرحلة أكثر ضبابية وبرودة .
ومن الواضح ان ترامب يحاول بلقائه بوتين التوصل الى تفاهم ما، يسمح بتعزيز موقفه في مواجهة التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص روبرت مولر حول التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية ، والتحقيق مع ثلاثة من كبار مساعدي ترامب في حملته الانتخابية.
وفي ختام جولته الآسيوية يبدو الوضع أقل توترا في الفلبين التي يزورها من 12 إلى 13 نوفمبر الجاري، للمشاركة في قمة الآسيان الـ31 التي تعقد في مدينة باساي، وقمة شرق آسيا الثانية عشرة بمدينة لوس.
والمرجح ان تتركز مباحثات ترامب مع الرئيس الفلبيني، «رودريجو دوترت»، حول تعزيز العلاقات الاقتصادية والعسكرية، حيث تعتبر الولايات المتحدة من أكبر المستثمرين الأجانب في الفلبين، وثالث أكبر شريك تجاري لها. والمرجح أن تشهد العلاقات بين البلدين تطورا، رغم الخلافات الحادة في السابق والتي دفعت مانيلا للتهديد بالتحول نحو الصين، لكن ترامب نجح في معالجة الوضع بتزويد الفلبين بطائرات أمريكية بدون طيار لمواجهة إرهابيين مرتبطين بداعش في جنوب الفلبين .
وبينما يواصل ترامب جولته الآسيوية، التي تستهدف تشكيل جبهة موحدة ضد كوريا الشمالية، تبدو الأخيرة غير عابئة بتلك الجولة، حيث أعلنت قبل أيام رفضها الانخراط في اية مباحثات تستهدف نزع سلاحها النووي أو الباليستي. ومن المحتمل أن بيونج يانج التي أجرت في سبتمبر الماضي اختبارا نوويا سادسا، وتلتزم حاليا بدرجة ما من ضبط النفس النسبي، بصدد إجراء اختبار أفقي كامل لصاروخ باليستي عابر للقارات عقب انتهاء ترامب من جولته الآسيوية، لتأكيد قدرتها علي الوصول للأراضي الأمريكية.
ولعل هذا ما دفع البنتاجون مؤخرا لزيادة حجم التواجد العسكري الأمريكي بالقرب من شبه الجزيرة الكورية إلي ثلاث حاملات طائرات وسفن متنوعة حاملة للصواريخ تعمل لأول مرة في غرب المحيط الهادئ منذ عام 2011.
ومع اقتراب جولة ترامب الآسيوية من نهايتها، تشير كل الدلائل إلى أن الجولة، في ظل التحديات الداخلية والخارجية الراهنة، لن تحقق نتائج كبيرة على الارجح، خاصة فيما يتعلق بملف كوريا الشمالية.