نوافذ : شباب أثقلتهم الديون.. ولا يزالون

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يبدو أن شبح الدين جاثم بقوة على حياة الأغلبية من أبناء المجتمع، ولهذا الاحتواء أسبابه الكثيرة، منها قلة الخبرة في الحياة لدى أغلبية هؤلاء الشباب، وقلة الخبرة هذه؛ هي التي يندرج تحتها حب المظاهر، والتقليد، والذهاب أكثر إلى النظر لما عند الآخرين من صور احتفالية مزهوة كامتلاك السيارات الفارهة، والأدوات الغالية الثمن، وبناء المنازل المبالغ في تشييدها من غير ضرورة، ويضاف إلى قلة الخبرة هنا عدم التوجيه السليم من قبل الآباء؛ للذين لا يزال آباؤهم على قيد الحياة، أو إخوانهم، والسبب الثالث في هذا الجانب هو تأثير الأصدقاء، هذا من جانب المدينين، أو المستقرضين، أما الجانب الآخر، والذي يتحمل (50%) من المسؤولية هي البنوك، وذلك من خلال مجموع التسهيلات التي تتيحها أمام المستقرض، ليس فقط في تسهيل شروط الاقتراض، ولكن في التسهيلات المصرفية الأخرى، ومنها السحب على المكشوف، ومجموع الترويجات المصاحبة لهذا كله، وكلها معروفة ومعايشة بصورة يومية.
والذي يستغرب منه أكثر في هذا الجانب بالذات، هو موقف البنك المركزي من هذه المسألة، فالبنوك، معروف عنها أنها مؤسسات تسعى إلى الربح من خلال تسويق السلعة التي تعمل من خلالها، ولكن هذا التسويق بهذه الصورة الحالية أدى بكثير من الشباب إلى السجون، والمحاكم اليوم يقف أمام منصاتها طوابير من هؤلاء الشباب الذين أمامهم خياران لا ثالث لهما، فإما الإيفاء بالقرض، أو حزم الأمتعة والذهاب إلى غياهب السجون، فوق ما يصاحب ذلك من تداعيات اجتماعية خطيرة بعد ذلك، من حيث وضع أسرهم على مهب الريح، خاصة وأن جل هؤلاء الشباب المعرضين للذهاب إلى السجون اليوم بسبب عدم قدرتهم على سداد ديونهم هم من فئات السن الصغيرة لما ما بين (25 -35) عاما، وكثير منهم متزوجون وعندهم أطفال في مراحل سنهم الأولى.
ومما يعمق المشكلة أكثر هو الوضع الاقتصادي، والمنعكسة آثاره على بعض الشركات التي تسرح العاملين فيها دون تقنين، وعلى ما يبدو دون تنسيق مع الجهات المعنية، كما يشاع، وبالتالي على هؤلاء الشباب الذين يستغنى عن خدماتهم بين عشية وضحاها، وهم الغارقون في كثير من هذه القروض، عليهم أن يواجهوا مصيرهم المخيف بعد خروجهم من بوابة الشركة، فالبنوك تطالب بحقوقها، والمنازل التي أنشأوها هي الأخرى تطالب باستحقاقاتها الاجتماعية المختلفة، وعلى الشاب في مواجهة هاتين المؤسستين، أن يواجه أحد الخيارين اللذين سبق الإشارة إليهما في صدر المقال.
يتداول منذ فترة قصيرة وبقوة؛ فكرة «هاشتاج» (عمانيون بلا ديون) عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويحظى بتجاوب غير طبيعي لأهميته، ومطروح فيه الكثير من الاقتراحات التي لو طبقت لعل لها أن تحرك الجليد، كما يقال، وتعفي الكثير من الأسر التي ينتمي إليها الشباب المدينون، من مغبة الوقوع في مأزق التشتت، والانهيار، بسبب تغييب رب الأسرة لسنوات – ربما – في السجون في حالة العجز عن سداد الديون التي عليه، والفكرة على أهميتها إلا أنها هي الأخرى تحتاج إلى كثير من الدراسة والمعالجات الفنية والقانونية، فوق أنه سوف تتصادم مع البنوك بصورة مباشرة، كما حدث للجمعيات الأهلية في منتصف التسعينيات، عندما تبنت نفس الفكرة، وحاربتها البنوك بصورة غير مباشرة، وبالتالي فشل الكثير منها.
قبل سنوات طبقت فكرة أو مشروع «فك كربة»، وهي الفكرة التي خصصت لذات الغرض، قضاء الدين عن المعسرين الذين آوتهم السجون كنتيجة متوقعة لعدم قدرتهم على السداد، وكما سمعت أن «فك كربة» استطاعت أن تنقذ كثيرين، وتعيدهم إلى الحياة من جديد، واختفى الحديث عن هذا الموضوع منذ فترة أيضا، ولست متيقنا إن كان هذا المشروع الإنساني الخير، لا يزال على قيد الحياة أم قضي عليه.