في أمريكا يناقشون مدى استمرارية التفوق العسكري

عاطف الغمري –

من بين القضايا المطروحة للنقاش من جانب النخبة المختصة في الولايات المتحدة، تلك التي تحاول الإجابة عن سؤال بعينه هو: ما هو وضع حالة التفوق العسكري الأمريكي في عالم اليوم؟
الذين يطرحون السؤال مقتنعون بأن الولايات المتحدة، على المستوى العالمي، لا تزال تستحوذ على المقومات الأكبر للقدرة العسكرية، شاملة حاملات الطائرات، والطائرات بدون طيار، ونظام الغواصات المزودة بالقوة النووية، وقاذفات القنابل المتطورة، والتي تشكل قاعدة أساسية للتفوق العسكري للسنوات العشر القادمة.
وفي الجانب المقابل لهذا الوضع، تركز الاهتمام في المناقشات على قوتين رئيسيتين بالتحديد هما الصين وروسيا.
وحسب الدراسة الاستراتيجية التي أجراها كل من البروفسور هال براندز أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جون هوبكنز، وبيتر فيفر أستاذ العلوم السياسية بجامعة ديوك، لحساب مركز الدراسات الاستراتيجية في لندن، وضح أن ما قامت به الصين خلال العشرين سنة الماضية من بناء قوتها العسكرية، إنما يغير بسرعة من الميزان العسكري في شرق آسيا، بشكل يهدد نفوذ الولايات المتحدة هناك، ويعرقل قدرتها على التدخل في حالة حدوث أزمات طارئة. وتتفق مع ذلك دراسة لمؤسسة «راند» الأمريكية الشهيرة، من أن آسيا ستشهد تراجعا للهيمنة الأمريكية.
وأن هذه التطورات ستجعل من الصعب بالنسبة للولايات المتحدة، ضمان الالتزامات التقليدية تجاهها، من جانب حلفائها في أوربا وآسيا، بالمقارنة بأي وقت منذ نهاية عصر الحرب الباردة، خاصة وأن هذه الالتزامات كانت مرتبطة طويلا بالاعتماد على الحماية الأمريكية لهذه الدول، وهو ما اعترته الشكوك مؤخرا.
ومنذ منتصف التسعينات أدرك المسؤولون الأمريكيون أن تزايد القوة العسكرية والاقتصادية للصين، سوف تشكل تحديا للمصالح الأمريكية ولسيطرتها في شرق آسيا، وربما على المستوى العالمي.
القوة الأخرى – روسيا – شهدت إحياء قوتها العسكرية، وهو ما أثار قلق حلفاء الولايات المتحدة في مناطق البلطيق وشرق أوروبا. في الوقت نفسه تطور روسيا – وكذلك الصين – من قدراتهما العسكرية، لموازنة قدرات حلفاء الولايات المتحدة، وإيجاد نفوذ مؤثر لهما في مناطقهما الإقليمية.
إن العالم يتغير على جميع المستويات، عسكريا، وسياسيا، واقتصاديا، ومن منظور اكتساب النفوذ السياسي في مناطق العالم، ولعل التواجد العسكري الروسي في الأزمة السورية، والتي كانت تحتكر الولايات المتحدة ساحتها، كان مؤشرا على أن الأمر لا يقتصر على الصراع بشأن سوريا، بل يمتد إلى مدى أوسع من التنافس على النفوذ في المنطقة ككل.
وإن كان هذا لا يعنى – من وجهة نظر من طرحوا هذه القضية للنقاش – أن النفوذ الأمريكي وفق استراتيجيتها العالمية قد انتهى، لكن الفرصة ما زالت أمامه لإعادة صياغته بالشكل الذي لا يتصادم مع التحولات في مواقع القوى الأخرى، في ميدان التنافس، ولا أقول الصراع العالمي.
ولما كانت النخبة في الولايات المتحدة، ما زالت تملك تأثيرا على صناعة قرار السياسة الخارجية، فإن مثل هذه المناقشات، تطرح فيها بدائل وخيارات استراتيجية، لن تكون غائبة عن الرئيس في البيت الأبيض، أو عن أصحاب عقيدة الهيمنة تحت أي ظروف.