الطاقة المتجددة تعزّز البنية التحتية بالسلطنة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

بدأت مشاريع الطاقة المتجددة في السلطنة تأتي بثمارها منذ أن بدأت المؤسسات الحكومية والخاصة بتبني هذه المشاريع التي تساهم في تعزيز البنية التحتية للدول. وقد أصبحت مشاريع الطاقة المتجددة وخاصة الشمسية منها متاحة اليوم لتغذية الكثير من المؤسسات التي يتم إنشاؤها في مجال الزراعة والثروة السمكية والمشاريع الخدمية الأخرى في الطرق والمنازل والمدارس والشركات بجانب استخدامها في مشاريع النفط والغاز. ومما لا شك فيه ان الزيادة السكانية التي تشهدها السلطنة سنويا نتيجة لزيادة أعداد الوافدين إلى البلاد من جهة والنمو السكاني السنوي من جهة أخرى تتطلب النظر في تعزيز بنية الطاقة المتجددة من المشاريع الشمسية والرياح لكي تستفيد كل بقعة من بقاع المعمورة من هذه المشاريع الهادفة للتنمية البشرية التي نتطلع لها.
والكل يعلم بأن بعض القطاعات المهمة كالصناعة والسياحة والزراعة الثروة السمكية تحتاج إلى التوسع السريع بها لتحقيق الرؤية الاقتصادية، حيث يمكن إنتاج أكثر من 10% من متطلبات السلطنة من الكهرباء، على سبيل المثال، من موارد الطاقة المتجددة بحلول الأعوام المقبلة. وهناك اليوم عدد من الشركات والمؤسسات المعنية التي تتولى نظام الطاقة الخاص لتزويد المواطنين والوافدين بهذه الطاقة. وتشير بعض الدراسات التي عملت في هذا المجال أن السلطنة تتمتع بأعلى معدل لنقاء السماء، وتستقبل يوميًّا الإشعاع الشمسي الذي يتراوح من 5500-6000 واط  ساعة/‏‏‏متر مربع في اليوم في شهر يوليو من كل عام ويقل إلى 2500-3000 واط ساعة/‏‏‏متر مربع في اليوم في شهر يناير، مما يجعل السلطنة واحدة من أعلى كثافات الطاقة الشمسية في العالم، إذ تتميز أكثر من 25 موقعا في السلطنة لأعلى الإشعاع الشمسي كمنطقة مرمول تليها فهود وصحار وقيرون حيريتي، بالإضافة إلى تميز المناطق الصحراوية بالمقارنة مع المناطق الساحلية لأعلى الطاقة الشمسية.
لقد أصبحت الطاقة الشمسية في بعض الدول اليوم هي الحل الحيوي والاستراتيجي لتوفير الطاقة الكهربائية، والسلطنة تتجه لهذا الأمر، نظرا للأراضي الشاسعة غير المستغلة للاستفادة من موارد الطاقة الشمسية المتاحة، والتوسع في هذه المشاريع التي تعد الخيار الأمثل في تلبية احتياجات الناس من الطاقة، الأمر الذي سوف يعزز من التنويع الاقتصادي الذي نرمي إليه. فالموقع الجغرافي للسلطنة بجانب الأهمية الاستراتيجية للبلاد يجعلها قابلة لتطبيق وتسخير التقنيات الحديثة في مجال الطاقة المتجددة وزيادة نمو المشاريع الاقتصادية، وخلق مزيد من الأعمال والوظائف الجديدة للمواطنين مستقبلا.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى استخدام كمية كبيرة من الطاقة الشمسية لتلبية الاحتياجات من الكهرباء الداخلية في مختلف المناطق، ووضع بعض منه للتصدير، فقد بدأت بعض الشركات ومنها شركة تنمية نفط عمان في الحفاظ على موارد الغاز الطبيعي في السلطنة في إنتاج النفط الثقيل من خلال تسخير الطاقة الشمسية لإنتاج البخار لتعزيز النفط المستخرج. كما أشارت دراسة تم إعدادها بتكليف من الهيئة العامة للكهرباء والمياه، أن ضوئية (بي وي) لأنظمة مثبتة على المباني السكنية في السلطنة يمكن أن توفر ما يقدر بـ 1.4 جيجاوات من الكهرباء، فيما تشير التقديرات إلى أن محافظة مسقط وحدها يمكن أن تولد 450 ميجاوات، على غرار محطة لتوليد الطاقة متوسطة الحجم التي تعتمد على الغاز.
ومن هنا تتخذ الشركات المعنية خطوات لتمهيد الطريق لأصحاب المنازل لتثبيت الألواح الشمسية على السطح، فيما بدأت بعض المؤسسات البارزة، بما في ذلك شركة كهرباء مجان، وواحة المعرفة مسقط، وجامعة السلطان قابوس اعتمادها بالفعل على خطط تجريبية لتوليد الطاقة الشمسية، فيما يجري حاليا اختبار عمليات التحلية الحرارية الشمسية باستخدام تجميع الطاقة الشمسية في مشاريع رائدة، ومن المتوقع أن تصبح متوفرة مع الحلول التجارية قريبا. وفي هذا الشأن فان مشروع “مرآه” للطاقة الشمسية الحرارية الذي يعد واحدا من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في الاستراتيجية الوطنية للطاقة في السلطنة عام 2040 يسعى من جانبه تسخير الطاقة الشمسية لإنتاج بخار يستخدم في إنتاج النفط في البلاد، بجانب ان هذا المشروع يمكن أن يعزز جوانب التنمية في محافظة المنطقة الداخلية أيضا.
ومؤخرا دشنت هيئة تنظيم الكهرباء مبادرة الطاقة المتجددة “ساهم” معلنة عن بدء دخول السلطنة في مرحلة جديدة في مجال الطاقة تعتمد فيها على توليد الكهرباء عبر الألواح الشمسية والتعامل مع هذه التقنية الجديدة بشكل تجاري ومنظم ومعتمد وفقا للمعايير الدولية. وهذه المبادرة سوف تتيح للأفراد والمؤسسات إنتاج الكهرباء ومن ثم بيعها بسعر الكلفة الواقعة عليهم. فحاليا تستخدم السلطنة الغاز في توليد الكهرباء بالسلطنة وبنسبة 96%. أما المبادرة الجديدة للألواح الكهربائية فإنها ستتيح للمجمعات التجارية والمدارس والمؤسسات المختلفة للاستفادة من ذلك خاصة في أشهر الصيف، حيث سيخفف هذا المشروع عبئا ماليا كبيرا على المستخدمين، ومؤسساتهم وشركاتهم من حيث الإنفاق أيضا. وهناك اليوم 6 شركات صغيرة ومتوسطة تم تأهيلها وتدريبها على العمل في مجال الطاقة البديلة، فيما تتجه الحكومة بتشجيع القطاع الخاص على الانخراط بقوة في هذا المجال، حيث سيكون التشجيع أولا عن طريق شراء الحكومة لفائض الطاقة بسعر التكلفة على المنتج، ومن ثم توفيرها للقطاعات المحتاجة، في الوقت الذي يمكن أن تشكّل هذه المشاريع منفذاً لتعزيز فرص العمل للشباب العمانيين خاصة من المهندسين والفنيين للعمل بها. كما أن مثل المشاريع ستعمل على تخفيف الكثير من العبء على المالية العامة للدولة خاصة تقليل استهلاك الكهرباء الناتج من مشاريع الغاز.
وفي مجال الرياح فان السلطنة تعمل على الاستفادة من هذه المشاريع أيضا حيث تستعد لبناء أول محطة لتوليد الطاقة من الرياح في المنطقة. ويعد المشروع ثمرة اتفاقية تطوير مشتركة تم التوقيع عليها في عام 2014 بين كلٍ من شركة “مصدر” في الإمارات وشركة “كهرباء المناطق الريفية” في السلطنة. وتحمل المحطة البالغة قدرتها الإنتاجية 50 ميجاواط اسم محافظة ظُفار العُمانية، ومن المقرر أن توفر المحطة الكهرباء النظيفة لـقرابة الـ 16 ألف منزل وأن تحد من انبعاثات ما مقداره 110 آلاف طن سنويا من غاز ثاني أكسيد الكربون. ويعد هذا المشروع نقلة جذرية في مشاريع الطاقة النظيفة بالمنطقة بصفة عامة والسلطنة بصفة خاصة، ويعتبر الأول من نوعه في السلطنة، وستكون له مساهمات في الحفاظ على البيئة، وتزويد المواطنين والقاطنين بالكهرباء، ودعم خطط التنويع الاقتصادي التي تتبناها السلطنة والرامية إلى تنويع مصادر الطاقة عبر توفير مصدر موثوق للطاقة النظيفة يلبي احتياجات الزيادة السكانية التي تشهدها السلطنة ويساهم في تعزيز وتنمية اقتصادها.
لقد بدأت الحكومة في جذب المستثمرين من القطاع الخاص لهذه المشاريع الحيوية في الطاقة المتجددة لإنتاج المزيد من الطاقة في مجال الكهرباء والمياه وتلبية احتياجات المؤسسات الاقتصادية في القطاعات المنتجة. ففي المستقبل من الممكن أن تصبح الطاقة الشمسية في السلطنة أرخص تدريجيا، ويمكن أن يكون أفضل عائد للاستثمارات في حال تم العمل بالسياسات المنظمة لهذه المشاريع بعيدا عن البيروقراطية والتحديات التي يمكن أن تفرز عن ذلك. كما أن خدمات الأبحاث والتطوير والتكنولوجيا العالية المتعلقة بالطاقة المتجددة يمكن أن تخلق مزيدا من الأعمال الجديدة والتوظيف ويمكن أن تجلب تغييرا جذريا في تنويع الاقتصاد العماني.
إن رؤية السلطنة واضحة في تنويع مصادر الدخل، ويتم العمل بها عبر الخطة الخمسية الحالية، وحلقات العمل وبرنامج “تنفيذ”، ويمكن أن تحقق الكثير للسلطنة في حال لم تشوبها القرارات الشخصية والبيروقراطية. وهذا ما يجب العمل به لكي تنفذ هذه المشاريع دون أية عقبات أو تحديات وفي الوقت المناسب.