الاستقلال والاقتصاد

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

قديما قالوا إن من يملك غذاءه يملك قراره. اليوم وربما  قبل اليوم نقول إن من لا يملك كيانه الاقتصادي لا يملك حريته ، او إن من الصعب لبلد أن يعزز استقلاله بدون ان يقيم لنفسه كيانا اقتصاديا عصريا. مناسبة هذا الكلام هي زيارة أخيرة لبلد لم يسبق لي زيارته وربما لم اكن اعرف عنه الحد الأدنى من المعارف الواجبة. عن لاتفيا – وعاصمتها ريجا – المعروف للكافة هو أنها كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية او ربما كان الأدق ان نقول إحدى غنائمه. قبل ذلك عاشت فترة استقلال بدأت من ١٩١٨ لكن قبلها كانت قد خضعت لاحتلال ألماني استمر دهورا. لا يزيد عدد سكان هذا البلد عن 2 مليون مواطن منهم ٨٠٠ ألف في العاصمة وحدها، وقد نال استقلاله الأخير عام 1991 وبعده بسنوات اصبح عضوا في الاتحاد الاوروبي ودخل الوحدة النقدية ثم اتفاقية شينجن وفي نفس الوقت اصبح عضوا في حلف الناتو. تلك مقدمة ضرورية بسيطة لندخل في الموضوع ونحن على بيّنة. يحتفل البلد بمئوية الاستقلال من ٢٠١٧ الى ٢٠٢١ ، و أظن ان ذلك نفسه يوضح كيف ان لاتفيا تعنى بالاستقلال كعناية الانسان بالاوكسجين الذي يتنفسه ، وضمن فاعليات ذلك الاحتفال كانت عملية ترتيب زيارة وفد مصري أتيح لي ان أشارك فيه ، وقد ظهر لدي بكل جلاء ان اللاتفيين يريدون ان يجعلوا سنوات الاحتفال عملية سياسية اقتصادية استراتيجية ثقافية شاملة لإعادة تقديم أنفسهم للعالم .
فإذا ما جئنا الى كيف يعمل هذا الوعي بأهمية الاستقلال دوره في المجال الاقتصادي فسيلزم اولا ان نؤكد ان الوعي يبلغ في لاتفيا ذروة أخرى فيما يختص بأهمية تعظيم المردود الاقتصادي للموارد المتاحة ثم ابتكار موارد جديدة لم تكن هناك من قبل او كانت مطمورة لم يتم استغلالها في السابق ، وفي كل الحالات فإن تقوية دعائم الدولة في كل خطوة او فكرة او فعل امر لا يغيب عن كل مواطن أينما كان موقعه ولو اتينا الى رحلتنا فقد بدأت من حيث يجب أن تبدأ: تشكيل مجموعة من اهم الشركات السياحية المصرية المصدرة للسياحة واختبار قدرة كل منها بواسطة سفيرة لاتفيا بالقاهرة نفسها وهي بالمناسبة انشط السفراء في مصر بلا منازع، ثم اختيار اثنين من الصحفيين- انا منهما- مع نفس الوفد وايضا بعد ان استقبلت السفيرة كلا منا منفردا ورغم اني أعرفها من قبل وهي كذلك تعرفني فقد أدهشتني حين قالت لي إنها قرأت بعض مقالاتي بعد ان وضعتها على جوجل ترجم – لأنها لا تعرف العربية – لتتأكد او هكذا فهمت انها احسنت الاختيار، كما دار بيننا حوار طويل في المقابلة. اخبرونا في النهاية ان عنوان الرحلة هو السياحة إلى لاتفيا ، فأعدت تذكيرهم بأني محرر اقتصادي وان ثمة من هو متخصص في السياحة وذلك من باب الأمانة. كنت قد استغربت للوهلة الاولى فعن أي سياحة يتحدث اللاتفيون والمصريون الذين يسافرون – ومصر قد اصبحت بلدا مصدرا للسياح بكثافة في السنوات الأخيرة فعلا – لا يعرفون  وربما لا يريدون ان يعرفوا سوى تركيا وفرنسا وبريطانيا واحيانا إسبانيا او النمسا او يتجهون شرقا الى ماليزيا وتايلاند ثم ان من النادر ان تجد من بينهم من  يعرف لاتفيا جيدا بالاساس فضلا عن ان يتولد لديه فضول لزيارتها.
بعد ان زرنا البلد بالفعل لمست كيف يريد أهله ان يجعلوه مقصدا سياحيا عالميا وكانت البداية بتأسيس اكثر المطارات حداثة على الإطلاق وهو مطار ريجا الدولي ثم تطوير شبكات النقل الى دول الجوار خاصة فنلندا والسويد وألمانيا وبولندا اضافة الى الشقيقتين اللتين كانتا مع لاتفيا تحت الاحتلال الروسي وهما إستونيا وليتوانيا، وحين أقول شبكات نقل اقصد بحريا وجويا وأرضيا وعبر السكك الحديد وما زالت عملية إقامة مزيد من الشبكات تجرى على قدم وساق اضافة الى تطوير ما هو قائم، وبالتوازي تم ويتم إعداد جيل من المرشدين السياحيين على ارفع مستوى وأود ان أشير بصفة خاصة الى جمال انجليزية أهل لاتفيا ووضوحها والى الاعتزاز الكبير بكل تفاصيله في ماضي بلادهم وحاضرها…. كل مواطن في لاتفيا يحفظ عوامل تميزها سواء صغرت أم كبرت فهنا اعظم دار أوبرا في أوروبا وهنا اهم مصانع للميكروفونات ولدينا ابطال العالم في سباقات الدراجات واقدم صخرة متشكلة في العالم وأكثر بلدان العالم عمارا بالغابات وهي تشكل ٥٠ ٪‏ من مساحة لاتفيا، ولدينا اكبر انهار أوروبا وأحسن طرز معمارية وأجود أخشاب وأحسن عسل نحل وأروع اسماك وأغنى فولكلور الخ، وانت تسمع ذلك من الجميع لكن المرشدين السياحيين يضيفون اليه تفاصيل مدهشة من ثقافتهم الموسوعية ، وقد لا يعرف المرء مقدار العوائد التي تتمنى لاتفيا او تأمل تحقيقها من السياحة في المستقبل لكنه يبقى على يقين من ان الموسم السياحي القصير والذي لا يزيد عن خمسة أشهر ( والباقي مطر لا ينقطع ورياح ودوّامات ) ، سيُصبِح طويلا او ربما يشمل طوال العام بفضل قوة الإرادة وسعة الخيال وحيث تزيد بوتيرة عالية الأنشطة الفنية والموسيقية والكرنفالية والمسرحية وأنشطة السيرك الذي يضاهي الروسي (٢٦٪‏ من السكان روس ) ، وكل ما من شأنه ان يدعم استمرارية السياحة طوال العام ، وقد بدا لو ان من اهم مزايا هذا البلد سياحيا هو انك يمكن ان تهضم كل ما تحب ان تراه في غضون عشرة ايّام ، فصغر المساحة وقلة عدد السكان ومحدودية حيّز العاصمة القديمة – ومن المؤكد ان كل امرئ سيحب ان يشاهد كل مبنى فيها ويلتقط صورا بجواره – بينما يزور الانسان أماكن كثيرة ولا يستطيع ان يأخذ وقته ليتعرف كما يجب عليها، وقد جال بخاطرك ايضا وبعد مناقشه مسؤولين متنوعين ومواطنين هناك ان السياحة الى لاتفيا عملية ذات بعد سياسي ايضا فسكان البلد المعتزين بأنفسهم الى حد انهم لا يقبلون بأي حال سوى ان يكونوا أندادا لأي بلد يريدون ان يشهد العالم على كينونتهم المستقلة وهويتهم المميزة وطموحاتهم بحيث ينسى الجميع لاتفيا التي احتلها هذا او ذاك ويذكرون فقط لاتفيا القوية المستقلة والمسالمة في ان واحد. لقد هاجر ٤٠٠ ألف لاتفي بعد عضوية الاتحاد الأوروبي بيد أن لاتفيا تقول او تريد ان تقول ان بلدنا ستصبح بعد ان يرتادها السائحون من كل دول العالم مقصدا للهجرة أيضا، وقد بدأت شبكة الوكلاء السياحيين التي امتدت الى الصين والهند تعمل بالفعل للتعريف بالبلد وجماليات العيش فيه رغم الرمادي الطويل.
قبيل ان نعود زرنا مركبا سياحيا تكلف ٢٣٠ مليون يورو وينقل الركاب الى كل من فنلندا والسويد بصفة خاصة وقالت مديرة التسويق به ان له شقيقا مثله وبسعة ١٨٥٠ قمرة لكل، والاثنان ينقلان حاليا مليون راكب سنويا ، غير انها كانت تتحدث وكان المستقبل لم يبدأ بعد وهي تطلب من ممثلي الشركات المصرية ان يكونوا رواد الموجات الجديدة التى ستتدفق الى البلد، ورغم كل شيء ظلت قناعتي بأن تدعيم الاستقلال والخوف من المطامع هو من اهم محركات البحث عن العزوة الاقتصادية وفي القلب منها السياحة في هذا البلد العجيب والبسيط والصادق.