هوامش…ومتون : عرض مسرحي قوامه الفلكلور العماني

عبدالرزّاق الربيعي –
razaq66@hotmail.com –

عندما يكتمل القمر، اعتاد سكان احدى المناطق الجبلية بمحافظة ظفار، كما تقول الحكاية الشعبيّة المتداولة، سماع صوت أنين، فيخرجون من بيوتهم، لمعرفة مصدر الصوت، ويمضون وقتا في البحث عنه، ولكن دون جدوى، وذات ليلة من تلك الليالي المقمرة، بلغوا الهدف المنشود، وكانت هناك مفاجأة بانتظارهم، إذ شاهدوا (جنّيّة) ترفع يديها للسماء، مصدرة أنينا، هذا الأنين هو تعبير عن حزنها على ابنها الميّت، فحاكوا هذا الصوت، وبمرور الأجيال، ظهر فن اسمه «النانا»، وهو من الفنون الشعبيّة التي تتحدّث عن معاناة الإنسان، وعذاباته.
هذه الحكاية، المنسوجة من الخيال الشعبي، كانت حجر الأساس الذي بُني عليه عرض نتاج ورشة «توظيف الفلكلور في المسرح العُماني» لفرقة مسرح هواة الخشبة، بمشاركة حوالي ثلاثين ممثلا، وممثلة من الشباب، قدّموا عملا جماعيا، في النادي الثقافي، قوامه حركة الجسد، والإبهار السمعي، والبصري، ضمن تشكيلات بصريّة، وتكوينات اعتمدت على الإيماءة، والتعبير الحركي، عبر عدّة مشاهد، تميّزت بسرعة الإيقاع، وتناغم الأجساد تناغما مدروسا صقله التمرين، والشغف، مع مكملات العرض الأخرى كالإضاءة، والموسيقى المستلهمة من الموروث الموسيقي العماني، ليكون تطبيقا عمليّا على ما طرح في الورشة التي حاضر فيها الدكتور المخرج عبد الكريم جواد، والمخرج عاهد عبابنه، وتمحورت حول حركة جسد الممثل، واستلهام، واستحضار الموروث الشعبي، وكيفية توظيفه، بشكل أمثل، ومعاصر، فلم يأت، هذا الموروث، بشكل مقحم، أو مباشر، بل من خلال إشارات رمزية، وشظايا، تعاطت مع روح هذه الموروثات، وظلالها، فكان البحر حاضرا، والألعاب الشعبيّة، والرقصات، والأزياء.
أما عن المحتوى، فبعد المشهد الاستهلالي، ( جسّد الدور المخرج عاهد عبابنة)، وقوى النور، والحياة(جسّدته الفنانة علياء البلوشي )، عبّرت المشاهد التالية له عن فكرة الصراع بين قوى الظلام، والشر، والموت ثم توالت المشاهد الأخرى، فامتلأت خشبة المسرح بالعديد من الشخوص، الباحثة عن مصدر الأنين، وخلال ذلك جسّدت حالات شتّى، من الألم، والعذاب، وكانت تدور في فلك معتم، لكنّها لم تيأس، فقد كانت تبذل محاولات عديدة من أجل الخروج مما هي فيه، ووقفت فتاة في وسط الدائرة رافعة ذراعيها للأعلى، وبدلا من الاستسلام للأنين، والحزن، تتحرّك بخطوات واثقة لتخرجهم من حالة القهر، آخذة بأيديهم إلى عالم النور، داعية من خلال الأداء الحركي، نبذ الخلافات، والصراعات، والانقسامات السائدة بينهم، فيرون فيها الأمل الذي كانوا ينتظرونه، وكانت الدلالة واضحة عندما ارتدت معطفا ألوانه هي ألوان العلم العماني، مشيرة إلى الانتماء للمكان، والتاريخ، والحاضر، فتنجح بإعادة الإشراقة إلى الحياة من جديد، هذه المعاني بدت واضحة في اللوحة الختاميّة التي جاءت بتشكيلات شتّى، وكان كلّ ممثل يجسّد حالة تعبيرية خاصة رغم أنهم شكّلوا كتلة واحدة متحركة، اتخذت عدّة أشكال هندسية، سبحت في البقع الضوئية ذات الألوان المختلفة، وانسابت بشكل منسجم مع الموسيقى التي كان لها حضور واضح.
ورغم أنّ البطولة كانت جماعيّة، جسّدها شباب يقف بعضهم للمرّة الأولى على خشبة المسرح، من بينهم عدد من ذوي الإعاقة، وكان التواصل معهم يتمّ من خلال متطوّعة، إلا أنّ الفنّانة علياء البلوشي، العائدة للوقوف على الخشبة بعد غياب، بذلت مجهودا واضحا في تجسيده، وظهرت في جميع المشاهد تقريبا ممسكة بخيوط العمليّة الدراميّة، ولا ننسى أنّ الورشة دامت أسبوعين، وهي مدّة غير كافية للخروج بعمل متكامل من جميع النواحي الفنية، خصوصا أنّه قدّم على قاعة الفنون التشكيليّة، وقد جرى تجهيزها بالكراسي، والصوتيّات، وأجهزة الإضاءة، قبل تقديمه بساعات، ومع ذلك، فقد شاهدنا عرضا أظهر الجهد المبذول من قبل القائمين على الورشة، والمحاضرين، وكشف عن الحماس الذي يملأ نفوس المشاركين الذين أمضوا ساعات طويلة في التدريبات من أجل تقديم عرض صامت، لم يستند على نص محدّد، بل مجموعة من الأفكار التي ظهرت خلال الورشة، والتدريبات، والمناقشات،وكان الإخراج جماعيا بإشراف الفنان عاهد عبابنة الذي سبق أن أقام ورشة مع الفرقة نفسها حملت عنوان «حركة الجسد»، فجاءت الورشة الجديدة لتكمل ما بدأه مع الشباب في العام الماضي، بدعم من اللجنة الوطنية للشباب، وإدارة النادي الثقافي، هذا الدعم هو المحرّك الأساسي للطاقات التي كشف عنها العرض.