الدور الغربي في تقرير مستقبل «داعش »

د.أحمد سيد أحمد –

«هزيمة تنظيم داعش تثير تساؤلات جوهرية حول مستقبله واستمراره بعد الهزائم الكبيرة التي تعرض له وهل سينتهي تماما أم يأخذ أشكالا أخرى وكيف يمكن مواجهتها؟ «

شكل تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق وسوريا(داعش) تهديدا كبيرا للأمن والسلم الدوليين خلال السنوات الأخيرة خاصة بعد تصاعد نفوذه في العراق وسوريا عام 2014 عندما سيطر على نصف مساحة البلدين والعديد من المدن مثل الموصل والرقة وتكريت والفلوجة ومنبج وغيرهاوأعلن زعيمه أبو بكر البغدادي الخلافة الإسلامية المزعومة من على منبر جامع النورى الكبير بالموصل. ولم يقتصر وجود داعش في سوريا والعراق بل انتشر في أكثر من 12 بلدا بعد مبايعة العديد من التنظيمات المتشددة له وانتشار ظاهرة الذئاب المنفردة وهى العناصر المؤيدة للتنظيم وقامت بالعديد من العمليات الإرهابية في بعض الدول الأوروبية. غير أن العامين الأخيرين شهدا انحسارا واضحا للتنظيم بعد الهزائم الساحقة التي تعرض لها في سوريا والعراق وفقدانه لأغلب المدن والمناطق التي كان يسيطر عليها وأخرها مدينة الموصل العراقية.
هزيمة التنظيم تثير تساؤلات جوهرية حول مستقبله واستمراه بعد الهزائم الكبيرة التي تعرض له وهل سينتهى تماما أم يأخذ أشكلا أخرى وكيف يمكن مواجهتها؟ وما هي انعكاساته على الدول الغربية وما هو دور الغرب خاصة الولايات المتحدة وأوروبا في منع صعود التنظيم مرة أخرى والتعلم من دروس الماضي في التعامل مع هذا التنظيم؟
لقد ساهمت الدول الغربية بشكل مباشر وغير مباشر في دعم صعود التنظيم في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الماضية, كما أن سياستها المستقبلية سوف تساهم بشكل كبير في تقرير مصير التنظيم ووجوده خاصة في منطقة الشرق الأوسط من خلال:
أولا: تقاعست العديد من الدول الغربية عن مواجهة تنظيم داعش في مراحله الأولى قبل أن يستفحل ويتصاعد، حيث قللت كثير من الحكومات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية من خطر التنظيم, حتى أصبحت هدفا لهجماته الإرهابية, كما حدث في العديد من العواصم الأوروبية مثل لندن وبروكسل وبرلين وباريس, بعدها هبت تلك الدول وبدأت في العمل على مواجهته بشكل جاد، عندما أعلنت الولايات المتحدة في عام 2014 إنشاء التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب بمشاركة أكثر من ستين بلدا. لكن المواجهة الغربية لتنظيم داعش لم تؤت ثمارها خلال السنوات الماضية في استئصال التنظيم من جذوره، حيث اعتمدت الاستراتيجية الأمريكية على المواجهة العسكرية فقط لمحاربة عناصر التنظيم في كل من سوريا والعراق، بل أن طائرات التحالف الغربي لم تستهدف بشكل مباشر مقاتلي التنظيم وهو ما طرح شكوكا حول أهداف المواجهة الغربية ومدى جديتها فعلا في القضاء عليه، مما سمح بتمدده وانتشاره.
ثانيا: استخدمت بعض الدول الغربية تنظيم داعش كأداة لتحقيق مصالحها وأجنداتها في الصراع في كل من العراق وسوريا, بل تحالفت سرا مع بعض التنظيمات الإرهابية، وأمدت بعضها بأسلحة متطورة في إطار صراع الحرب الباردة الجديدة بين الدول الكبرى والإقليمية في الساحة السورية، واستغل داعش هذا الصراع بين القوى الكبرى لتعظيم مكاسبه وتحقيق العديد من الإنجازات على الأرض. لكن استفحال خطر التنظيم دفع الدول الكبرى والإقليمية مؤخرا إلى التحالف فيما بينها والاتفاق على هدف مشترك وهو القضاء على تنظيم داعش مما كان له أثرا كبيرا في إلحاق الهزائم بالتنظيم، كما حدث في معركة الموصل حينما شاركت قوات أمريكية وبريطانية وفرنسية بشكل مباشر لأول مرة في تحرير أحياء المدينة من سيطرة داعش، إضافة إلى توفير الغطاء الجوى للقوات العراقية، كما أرسلت الولايات المتحدة قوات عسكرية إلى مدينة منبج السورية لدعم قوات سوريا الديمقراطية لتحرير مدينة الرقة, ومن ثم فإن تغير إستراتيجية الولايات المتحدة من التردد والتخبط التي سادت إبان إدارة أوباما، إلى استراتيجية المواجهة الحازمة في عهد إدارة ترامب شكل نقلة نوعية في إطار مواجهة التنظيم.
ثالثا: شكلت الدول الغربية خاصة فرنسا وبلجيكا وبريطانيا مصدرا كبيرا للمقاتلين الأجانب الذي انضموا لصفوف داعش والقتال إلى جانبه في سوريا والعراق، وتشير التقارير إلى أن أعداد المقاتلين الأوروبيين والأمريكيين في صفوف التنظيم تزيد على خمسة آلاف مقاتل ساهموا بشكل كبير في صعود التنظيم نتيجة للإمكانيات والمهارات الكبيرة التي يتمتعون بها خاصة في إعداد القنابل وتنفيذ الهجمات الإرهابية. ويمكن القول أن أحد العوامل التي دفعت هؤلاء الشباب الأوروبيين، وغالبيتهم من أصول عربية وإسلامية، للانضمام لداعش هو حالة التهميش والفقر التي عانوا منها في بلدانهم الأوروبية وفشل الحكومات الغربية في تبني سياسات إدماج لهؤلاء في مجتمعاتهم, وهو ما زاد من ظاهرة الذئاب المنفردة في هذه الدول، حيث يقوم العديد من الأفراد المتعاطفين أو المؤيدين لداعش بالقيام بعمليات انتحارية وتفجيرات أو وقوع عمليات قتل ودهس للأفراد العاديين بالشاحنات، تأثرا بفكر داعش حتى دون الارتباط التنظيمي به. ومن ثم فإن دور الدول الغربية مهم في مرحلة ما بعد داعش في العراق وسوريا من خلال تجفيف مصادر تجنيد داعش للشباب الأوروبي عبر تبني سياسات تنموية لهؤلاء الشباب وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.
رابعا: قد يتحول داعش من تنظيم يسيطر على مساحات كبيرة على الأرض في العراق وسوريا ولديه مؤسسات واضحة, إلى خلايا عنقودية متفرقة أو ذئاب منفردة تقوم بأعمال إرهابية في العديد من البلدان الغربية خاصة في حالة عودة المقاتلين الأجانب الغربيين إلى بلدانهم, وهنا سوف تكون الساحة الأوروبية هدفا للعمليات الانتقامية من جانب التنظيم ردا على مشاركة الحكومات الغربية في القضاء عليه في سوريا والعراق, ومن ثم تبرز أهمية التعاون الأمني والاستخباراتي بين الدول الغربية لجمع المعلومات حول العناصر المتطرفة وعمل سجلات أمنية لتتبعها, كذلك السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها أحد أبرز وسائل الاتصال والتجنيد بين عناصر التنظيم والتخطيط للعمليات الإرهابية، وهو تحد كبير أمام الحكومات الغربية في ظل القوانين المشددة الخاصة بالمحاكمات بدون أدلة، حيث لا تمتلك تلك الحكومات أدلة على ارتكاب هؤلاء الأفراد لعمليات إرهابية.
خامسا: إن مستقبل داعش بعد هزائم الكبيرة في الموصل والرقة يتوقف بشكل كبير على دور الدول الغربية في التعامل مع مرحلة ما بعد التنظيم ومنع ظهوره مستقبلا من خلال معالجة الأسباب التي أدت لصعوده وانتشاره في المنطقة وامتداد عملياته الإرهابية إلى الساحة الغربية من خلال أن تقوم بدور إيجابي في معالجة أزمات المنطقة والتوصل إلى حلول سياسية توافقية تساهم في استعادة الدولة الوطنية في العراق وسوريا وليبيا وبالمساعدة في بناء مؤسساتها الأمنية حتى تكون قادرة على بسط الأمن والسيطرة، كذلك المساعدة في إعادة إعمار الدول التي شهدت دمارا كبيرا نتيجة لمعاركها مع التنظيم خاصة سوريا والعراق, إضافة إلى أهمية التعاون الأمني بين الدول الغربية والدول العربية في تبادل المعلومات والتنسيق الاستخباراتي فيما بينهما لمنع هروب عناصر التنظيم من سوريا والعراق عبر الحدود سواء إلى الدول العربية أو إلى الدول الأوروبية، والاعتماد على المواجهة الشاملة للقضاء على تنظيم داعش ومنع ظهوره مرة أخرى بصيغ وأشكالا مختلفة كما حدث مع تنظيم القاعدة، وهي ترتكز على المواجهة العسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية من خلال مواجهة الفكر المتطرف واتخاذ موقف واضح ومحدد تجاه الإرهاب والتنظيمات الإرهابية وتخلي الدول الغربية عن الازدواجية في التعامل مع قضية الإرهاب والتنظيمات الإرهابية التي ساهمت في صعود التنظيم.
وفي ظل التوافق العربي الإسلامي الغربي على مواجهة الإرهاب والذي جسدته القمة الإسلامية الأمريكية في الرياض في شهر مايو الماضي، فإن التوجه العالمي الآن يصب في مسار المواجهة الحازمة للإرهاب والتنظيمات الإرهابية، وهو ما يساهم في تراجع تنظيم داعش في المستقبل وانحساره بشكل كبير بعد الضربات والهزائم الكبيرة التي تلقاها خلال الفترة الأخيرة خاصة في الموصل والرقة، غير أن لعبة المصالح وحسابات السياسة والتوازنات الدولية من جانب الدول الغربية قد تدفع في اتجاه ظهور داعش مرة أخرى وإن بأشكال مختلفة تستخدم كأدوات لتنفيذ مخططات وأجندات تلك الدول لكنها تنقلب عليها وينقلب السحر على الساحر عندما تستهدف تلك التنظيمات هذه الدول وهو ما جسدته تجربتي القاعدة وداعش.