وضع المرأة العمانية في النظام التعليمي

د. صلاح أبونار –

يمثل التطور اللافت في أوضاع النساء العمانيات، أحد أبرز جوانب مسيرة النهضة الصاعدة التي انطلقت منذ بواكير حكم، صاحب الجلالة السلطان قابوس، ويتمثل هذا التطور في عدة جوانب: التعليم، والمشاركة في قوة العمل الحديثة، والمساهمة في الناتج القومي بمعزل عن المساهمة التقليدية المرتبطة بالأسرة المعيشية، والمشاركة في مؤسسات الدولة، وعضوية المؤسسات النيابية والاستشارية الحديثة، وتطور الوضع الحقوقي الضمني والمقنن، والمشاركة في المجال العام.
إلا أن التعليم يعتبر أهم تلك الجوانب، فالتعليم في مجتمع انتقالي آخذ بأسباب ومناهج الحداثة، يمثل مدخل الانضمام لقوة العمل الحديثة، والرافعة الأساسية للحراك الاجتماعي، والمؤهل الأساسي للعمل في مؤسسات الدولة، والمنبع الرئيسي لتكوين طبقة وسطى حديثة بدورها الاجتماعي الحيوي، والضمانة الذاتية والاجتماعية للقدرة علي ممارسة الحقوق الاجتماعية، والقوة الممكنة للمرأة في مجالها الأسري.
هناك مؤشرات عديدة لقياس وضع المرأة في المجال التعليمي. منها المؤشر الكمي لتطور أعداد النساء في المؤسسات التعليمية، ومنها المؤشر الخاص بالمساواة بين الذكور والإناث في الحق في التعليم والعمل داخل المؤسسات والترقي الصاعد فيها، ومستوى التميز العلمي للإناث بالمقارنة بالذكور، وقدرة الإناث على مواصلة التعليم بعد الزواج.
وفي كل تلك المؤشرات تسجل النساء العمانيات مركزا متقدما، مع تفاوت طبيعي من مجال لآخر. وعلى سبيل المثال وصلت نسبة الإناث في التعليم الجامعي عام 2009 إلى 49.5%، وكانت 46.6% عام 1990، وهي نسبة أعلى كثيرا من نسبة مشاركتهن في قوة العمل، وكانت 26% في عام 2010.
لدينا في هذا الصدد دراستان ميدانيتان، أنجزهما باحثون ينتمون إلى هيئة تدريس جامعة السلطان قابوس، سعيا لقياس وعي الدارسين العمانيين مع التركيز على الإناث، لبعض جوانب وضع الإناث في المؤسسات التعليمية.
اتجهت الأولى لقياس وعي الطالبات والطلبة الجامعيين، لمدى المساواة بين الجنسين في المجال التعليمي.
وسعت الثانية لقياس وعي الدارسات العمانيات، بالمقارنة بوعي والديهم، لحقهن في السفر المنفرد للخارج لمتابعة دراساتهن الجامعية.
سنناقش في هذه المقالة الدراسة الأولى، على أن نعرض للثانية في مقالة تالية.
نشرت الدراسة الأولى بالإنجليزية بعنوان «النساء في المجتمع العماني:التعليم والمشاركة»، في المجلة الدولية للتنمية المستدامة لوكالة اونتاريو للتنمية الدولية عام 2012. وكتبها تركية العميري وعلي حسين امزات، العاملان بقسم أسس التربية والإدارة: كلية التربية جامعة السلطان قابوس.
تكونت عينة الدراسة من 429 طالبا: 307 طالبات و122 طالبا، منهم 120 أقل من سن العشرين و309 فوق العشرين. وجاء أفراد العينة من جامعات السلطان قابوس ونزوى وظفار، من ثمانية تخصصات وتمتد أصولهم إلى اثنتي عشرة منطقة عمانية.
اتجهت الدراسة في خطوتها الأولى لقياس وعي المبحوثين، لمدى حرية الفتاة العمانية في اختيار مسارها الجامعي، وجاءت النتيجة إيجابية تماما كما هو متوقع، فقد قال 91.6 % إنها تمتلك كامل حريتها في اختيار الجامعة أو الكلية التي تريدها، ونفي 8.4% ذلك. وقال 92.1% إنها تمتلك كامل حريتها في اختيار التخصص الذي تريده، ونفي 7.9% ذلك.
كيف يمكننا تفسير نسبة الاعتراض رغم هامشيتها؟ من خلال تأثير العوامل الاجتماعية، أي التقاليد والثقافة المتعلقة بمكانة المرأة ودوها الاجتماعي. وبتعريفها هذا يمكنها اعتراض، اختيار الفتاة لتخصص ما وتغييره، بل يمكنها مصادرة حقها في الدراسة ذاته. ولكن النظرة المتعمقة تفرض ملاحظة أمر هام، وهو أنه لا يمكن أن يقتصر تأثير تلك العوامل علي اعتراض حرية الاختيار، بل لها أيضا تأثيرها المؤيد لحرية الاختيار. فممارسة حرية الاختيار ليست مجرد انعكاس لحق قانوني مقنن ومحمي مؤسسيا، بل أيضا امتداد لثقافة اجتماعية مناصرة وحامية لهذا الحق القانوني.
الأمر الذي يعني أننا هنا أمام ثقافة دينامية، في حالة تحديث صاعد وآخذ في الانتشار، ولكنها لا تزال تحتفظ داخلها كأي ثقافة أخرى بعناصر تقليدية، لكن توجهها الرئيسي ينزع صوب الحداثة والحق والمساواة.
سيلي ذلك -ثانيا- الانتقال من قياس وعي حرية الاختيار في أساسها العام، إلى قياس وعيها في حيز بعض مجالاتها الخاصة.
في مواجهة سؤال إذا ما كانت المرأة تحظى بالتشجيع، لمتابعة دراستها الجامعية بعد الزواج، أجاب 73.6% بالإيجاب ورفض 26.4%.
وفي مواجهة سؤال آخر هل نسمح للفتيات بمتابعة دراستهن خارج البلاد، أجاب 71.5% بالإيجاب ورفض 28.5%.
وهذا التراجع في معدل قدرة المرأة علي مواصلة حريتها في التعليم الجامعي في حاجة لتفسير. يرتبط هذا التراجع بخصوصية المحددات الاجتماعية للمجال الخاص.
إذا نظرنا مثلا إلى نسبة عدم تشجيع المرأة علي مواصلة دراستها بعد الزواج، يمكننا تفسير ذلك عبر رؤية الثقافة التقليدية للمرأة كراعية للأسرة، وهي ثقافة تضعف من قدرتها العملية علي مواصلة حقها في التعليم، لكنها في حد ذاتها لا تناقض هذا الحق من حيث المبدأ.
ونحن نجد في إجابات الأسئلة التي وجهت إلى ذكور العينة فقط، ما يؤيد هذا التفسير.
قال 59% منهم فقط، إنهم يؤيدون عمل زوجاتهم بعد الزواج، ورفض ذلك41%. ويمكننا أن نوجد صلة منطقية، بين تأييد العمل الزوجة وتأييد مواصلة الدراسة بعد الزواج، في إجابتهم على سؤال آخر.
فلقد أعرب 68.9%، عن دعمهم لسعي المرأة نحو تحقيق أحلامها. ولكن مقابل هذا الموقف الإيجابي قال63.5%، أن مكان المرأة هو البيت ورفض ذلك 36.5%. وفي معرض تفسير هذا الرأي الثاني قالت الدراسة، إن دافعه ضمان اضطلاع المرأة بمسؤولية رعاية أسرتها، وانه يعكس الخوف من عجز المرأة العاملة، عن الموازنة بين متطلبات العمل ورعاية الأسرة. وجاءت النقلة الثالثة للدراسة، باتجاهها لقياس وعي المبحوثين بحق المرأة، في تولي المناصب القيادية داخل المؤسسات التعليمية.
يفتح الانتقال إلى هذا المستوى الباب، أمام تأثير الثقافة التقليدية بتحيزها التقليدي للذكور، كما هو شأن كل ثقافات العالم بدرجات متفاوتة.
أقر 71.9% أن عدد أعضاء هيئة تدريس الجامعات من الإناث، أعلى من عدد الأعضاء الذكور.
ولكن رغم هذا الإقرار بالتفوق العددي النسائي، المرتبط حتما بالكفاءة الأكاديمية، أقر 86.7% من المبحوثين أن أغلب رؤساء الجامعات والكليات من الرجال.
وفي معرض تفسير هذا التناقض قال 73% منهم، أن طلاب الجامعات وهيئاتها الإدارية والأكاديمية يفضلون العمداء الذكور.
جاءت الخطوة الرابعة والأخيرة للدراسة، بانتقالها لقياس وعي وضع المرأة في السياق الاجتماعي العام، مع التركيز علي قضية المشاركة الاجتماعية. وهنا يمكننا تحليل وعي المبحوثين عبر ثلاثة عناصر أساسية.
يتعلق الأول بالقناعات الذاتية للمبحوثين، واتسمت تلك القناعات بطابع إيجابي مهيمن.
رأى 61.4% أن النساء يساهمن في التطور السياسي للبلاد وأقر 78.1% أن النساء يمكنهن أن يصبحوا قادة داخل القطاعات الحكومية، بكفاءة تناطح كفاءة الرجال ورأى 90.1% أن النساء يؤْمِنَّ بأهمية مشاركتهن في المجتمع. وأقر 87.9% أن المرأة يمكنها مواصلة مسيرتها المهنية بعد الزواج.
ويتصل العنصر الثاني برؤيتهم لموقف المجتمع من المرأة. ورأى 70.6% وجود مساواة اجتماعية في الحقوق بين الرجال والنساء.
و80.9% أن العائلات تشجع فتياتهن علي المشاركة في التنمية الاجتماعية، و90.1% أن الحكومة تشجعهن على ذلك، و68.9 % أن الرجال يشجعونهن على ذلك.
ثم يأتي العنصر الثالث ليطرح رؤيتهن لعنصر أساسي سلبي لوضع المرأة في السياق الاجتماعي العام.
رفض 53% فكرة وجود تحيز ضد النساء في التوظيف داخل القطاعات الحكومية، لكن في المقابل رأى 59.7% وجود تحيز في توليهم للوظائف العليا. وبالتوازي مع ذلك أقر 56% بوجود تحيز ضد النساء، في توظيفهم داخل القطاع الخاص.