سحة فرض

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

لاحظت بسرعة بديهتها وفطرتها بأن يدي لم تمتد إلى صحون (الفوالة) التي صفت أمامي، مكتفية بحبة تمر وفنجاني قهوة، لمحتها تشير بإيماءة خفية لعاملة المنزل التي جاءت بالمزيد من الأطباق لتضيفها للسفرة التي كانت بالكاد تتسع لطبق إضافي، جاءت العاملة سريعا (بمكبة) معدنية وضعتها أمام المرأة التي فتحتها وناولتني إياها بنظرة تشع حنانا وحبا، كلي من هذه (فسح الفرض) لا يضر بمرضى السكري، هممت بأن أرد بأنني لست مصابة بأي مرض ولله الحمد، لكنني لم أشاء مجادلة العجوز التي أقلقها امتناعي عن تناول شيء من تلك الطيبات المصفوفة أمامي، وكنت أعرف بأنني سأدخل معركة خاسرة دفاعا عن النظام الغذائي الصحي الذي أتبعه، مستذكرة خلافاتي المستمرة مع جدتي لأبي يرحمها الله، التي كانت نحافتي اللاإرادية في مراهقتي تثير حفيظتها، ناذرة إياي بان العنوسة ستكون مصيري إن لم أتدارك نفسي، فجيل جدتي كان جيل الاحتفاء (بالمازرات) وكان الوزن الزائد علامة رفاهية وجمال في آن واحد.
لكن في زمن الرفاهية الذي نعيشه في هذه الفترة بسبب ارتفاع مستوى المعيشة في بلادنا، أصبحت السمنة أحد أكثر أمراض العصر انتشارا، زاد من تفاقمها تغيير نمط المهن والأعمال إلى مهن مكتبية لا تتطلب حركة إلا فيما ندر، ووسائل مواصلات مريحة ومتوفر ومتاحة للجميع تقريبا على اختلاف مستوياتهم المعيشية، الأمر الذي يجعل مراقبة الوزن ضرورة ملحة أكثر منها رفاهية.
دفعت مكبة (الفرض) جانبا وقربت مني (ملة الهريس) إذ شعرت بأنه إن كان ولا بد من إفساد نظامي، فليكن من أجل أمر يستحق، وبالنسبة لي كانت الهريسة هي سيدة تلك المائدة، فجميع الأطعمة التي وضعت أمامي أطباق تقليدية غنية بالسعرات الحرارة والدهون المشبعة والسكر المكرر، التي كانت مضيفتي نفسها تأكل منها بإفراط شديد لا يتناسب مع المرحلة العمرية ولا حالتها الصحية، لم يكن الوقت مواتيا ولا الظرف لإعطاء محاضرة حول ثقافة الغذاء لنسوة في ذلك السن.
رنت إلي بحنان، وابتسمت ابتسامة رضا وهي تقول لي: الرب واحد والعمر واحد، شاركت الحاضرات الحوار بنصائح حول العادات الغذائية السليمة التي يتوجب علي اتباعها، ناصحة إحداهن إياي تجنب (البسمتي) والتحول للعيش الأمريكي، فهو أخف، فيما كانت نصيحة الأخرى أن آكل ما أشاء قبل صلاة المغرب دون قلق على وزني فيما تضمنت نصيحة الأخرى الابتعاد عن طحين القمح والتحول لطحين (البر).
لم يكن الأمر يتحمل محاضرات من جانبي في هذا الموضوع، لكن لم أتمالك نفسي من الشعور بالقلق تجاه صحة النساء، شعرت فعلا بأن الكبار بحاجة ماسة إلى تثقيف صحي فيما يتعلق بالغذاء، فالنسبة الأكبر من أولئك النساء كن مصابات بسمنة مفرطة، تعيقهن عن الحركة، وجميعهن مصابات بأمراض مزمنة تتطلب حمية غذائية خاصة، فمريضة السكري ليست كمريضة النقرس، ومريضة القلب ليست كمريضة ارتفاع ضغط الدم، خاصة مع دخول الشهر الفضيل الذي أصبح شهر العادات الغذائية السيئة كما وكيفا للأسف الشديد.