هوامش.. ومتون: عبادات، لا شهر مؤانسات!

عبدالرزّاق الربيعي –
razaq66@hotmail.com –

يبالغ البعض في إكرام الضيف، الذي يندرج في سياق عادات، وتقاليد أصيلة متوارثة، فيبدأ الاحتفاء بالزائر، قبل وصوله، وكلّما كان الضيف عزيزا، تكون الحفاوة أكبر، واستعدادات استقباله أوسع وتأتي بوقت أبكر، بما يليق بمكانته في النفوس تقديرا له، فكيف إذا كان هذا الضيف هو رمضان شهر الطاعة والغفران؟
فقبل حلوله، اعتاد الناس في كلّ مكان على تهيئة كل مايلزمهم في هذا الشهر، من مأكولات رمضانية، ومشروبات، يحتاج إليها الصائم عند تناول الإفطار، بما فيها التمور، والألبان، والحلويات، وتتهيّأ المساجد لاستقبال أعداد غفيرة من المصلين، أكثر مما اعتادت في الشهور الأخرى من السنة، فرمضان شهر الهداية «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان»، لذا يميل الكثيرون إلى الاستغفار، والإكثار من الطاعات في هذا الشهر، مثلما اعتادت التلفزيونات العربية، وشركات الإنتاج الفني أن تستعد للشهر بوجبة من الأعمال الدراميّة، والبرامج المنوّعة المدرجة تحت مسمى«الدورة البرامجية الرمضانية»، وكذلك المقاهي، فهي تستعد لاستقبال زبائنها بعد الإفطار، وتكثر الخيم الرمضانية، وفي عواصم عديدة تمتد جلسات السمر، و«الرمسات» كما يطلق عليها محليا، إلى ساعات متأخرة من الليل، وهناك من يحافظون على اتّباع طقوس خاصة بهم يمارسونها في البيوت التي تفتح أبوابها لاستقبال الزوار، وتقدّم لهم الحلوى، والقهوة و العصائر، خلال الزيارة، كلذ حسب رغبته، ويجد البعض في هذا الشهر فرصة سانحة لتمتين العلاقات الاجتماعية، والاستزادة من الأجر، والثواب، فيولمون الولائم، لذا يستعدون لها في هذا الشهر، وهناك ممن يسافرون كثيرا، حسب ما تمليه ظروف عملهم، فيعمدون في هذا الشهر إلى إيقاف أسفارهم، والتخفّف من مسؤولياتهم، والإقلال من أعمالهم، ومشاغلهم التي تضطرهم أن يكونوا بعيدين عن أسرهم خلال الشهور الأخرى، من أجل الاستمتاع بهذا الشهر، وقضائه مع الأهل، وهناك من يحبّ أن يقيم الليل، ويكثر من الصلاة، وقراءة القرآن، وهكذا ، لكل فرد طريقته في استقبال رمضان، وكل هذا اعتدنا عليه، ولكن هل يا ترى نحن على قناعة كاملة أننا نستقبل رمضان بشكل يعطي للشهر الفضيل قيمته الحقيقية، والرسالة الضمنية؟
وهنا يحضرني جواب عميق لأحد السلف الصالح ردّا على سؤال وجّه له هو: كيف كنتم تستقبلون شهر رمضان ؟ فكان الجواب هو «ما كان أحدنا يجرؤ أن يستقبل هلال رمضان، وفي قلبه مثقال ذرة حقد على أخيه المسلم».
فهل نظّفنا قلوبنا من كل الشوائب على إخواننا قبل حلول شهر رمضان ، لتجد المحبة مكانا لها حين تدخل؟ أم بقيت مثقلة بالضغائن، ومشاعر الكره ؟
هل محونا من قلوبنا الأحقاد،وأصلحنا ذات البين، وصفحنا عمن أساء إلينا، وسامحنا مع من أخطأ بحقنا ؟
لكي نجعل شهر رمضان علامة فارقة في حياتنا
فلو وجّهنا هذه الأسئلة لأنفسنا، كيف ستكون النتيجة؟
أظن أن الكثيرين انشغلوا بالاستعداد المادي لرمضان متناسين الاستعداد النفسي الذي هو يأتي بالمقام الأول كون شهر رمضان هو نفحة روحية قبل كل شيء .
شئنا أم أبينا، إنّ سلوك المرء في هذا الشهر هو امتداد لسلوكه في شهور السنة، ولن يتغيّر إلا بشكل بسيط يجاري به، صاحبه ،المناخ العام، وهناك من يفهم أن رمضان للترفيه ، والراحة ، بعد الإقلال من ساعات العمل، والإكثار من الولائم، والسهر في متابعة المسلسلات الرمضانية !! لا للعبادة، والتقرّب من الله! وبهذا فالشرور التي تغل في هذا الشهرتجد من ينوب عنها، وهو النفس الأمارة ، وأصدقاء السوء ، وكلّ ما يصرفنا عن جوهر الشهر.
ومادمنا ما زلنا في العتبات الأولى من الشهر الفضيل، علينا أن نستقبله بأرواح نقية، صافية، محبّة، ساعين لفتح صفحات جديدة نرصعها بكلمات المودّة الحقيقية، والأمل، وأن نكف عن ذكر مساوىء الآخرين، وتنظيف القلوب من الشحناء، والبغضاء، كما ورد في الحديث الشريف « يطّلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا مشرك، أو مشاحن « ، وكذلك نساعد المحتاج، ومثلما نسأل الله المغفرة في رمضان يجب أن نغفر لمن أساء لنا، ونسامحه، لكي تعمّ المحبة، ولو فعلنا هذا نكون قد استقبلنا الشهر الفضيل استقبالا يليق بروحانيّته، وقدسيّته، فهو يبقى شهر عبادات، لا كما يتهيّأ للبعض أنّه شهر إمتاع ومؤانسات .