استعادة الدور التاريخي في النشاط التجاري

عبدالله العليان –
الموقع الجغرافي يكون في أحايين كثيرة الرأسمال الحقيقي، إذا ما تم استثماره بجدارة، ولهذا فإن العمانيين حققوا هذا المكسب رغم التحديات الكبيرة، سياسية واقتصادية وجغرافية منذ قرون طويلة. والحقيقة الناصعة أن عمان من ناحية الموقع تعتبر من المواقع المهمة اقتصاديا واستراتيجيا، وبحكم بوابته المهمة عالميا، كممر مهم مشرف على مداخلها البحرية والموقع الاستراتيجي بين الشرق والغرب. وما تعبر من خلاله من تحركات بشرية واقتصادية وحضارية.
من هذه المنطلقات فإن عمان الجغرافيا تتمتع بموقع متميز ومهم ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل على المستوى العالمي أيضا،حيث إن عمان بحكم هذا الموقع المهم على مدخل الخليج، قامت بدور مميز منذ زمن طويل، خاصة في مجال النشاط الاقتصادي والتجاري بين آسيا وإفريقيا. وكانت الحركة التجارية للعمانيين، علامة فارقة في المحيط الهندي وبحر العرب، وكانت هناك مراكز معروفة لهذا النشاط التجاري البحري تمتد إلى قارات عديدة، ولا شك أن هذا الموقع المهم لعُمان هو الذي حقق لها هذه المكاسب التجارية آنذاك وهذه الأهمية الاستراتيجية لموقع عمان جغرافيًا على الخارطة العالمية، جعلتها بحق منذ العصور القديمة نقطة انطلاق تجارية للكثير من دول العالم. فأصبحت أيضا بذلك، كما تحدث عنها الكثير من الباحثين والرحالة، محطة للحضارات والشعوب القديمة والحديثة، التي استوطنت في هذه المنطقة، ولا تزال الآثار شاهدة لهذه الحضارات، ومع تقدم وتطور دور الملاحة البحرية كنشاط لنقل البضائع، والتبادل التجاري، تراجع طريق الحرير التقليدي الذي كان له دور إيجابي في الملاحة البحرية قبل عدة قرون، واليوم فإن السلطنة سوف تستعيد هذا المكسب بصورة جديدة، من خلال النشاط اللوجستي، بعد أن أسست الكثير من الموانئ البحرية والجوية، لتكون الانطلاقة جديدة وحديثة، مع التحولات التي تشهدها دول العالم في مجال التبادل الاقتصادي والتجاري، خاصة أن السلطنة قريبة من أهم الممرات المائية في العالم من الناحية الاقتصادية، فإن هذه الممرات التجارية والاقتصادية، تمثل بلا شك، مجالا مهما للنشاط اللوجستني، وفرصًا متزايدة للتبادل مع دول العالم، وانتعاشًا للاقتصاد العالمي كون السلطنة كموقع التقاء بين المراكز التجارية الدولية بين الشرق والغرب. فهذه المنافذ والمراكز ستكون منطلقًا للنشاط اللوجستي، الذي يهدف إلى تنويع اقتصادياتنا، مع تقليل الاعتماد على النفط كسلعة ناضبة، مع الاستفادة من هذا القطاع النفطي في تنمية البنية الأساسية لتفعيل قطاع الخدمات اللوجستية، إلى جانب تطوير القطاعات الأخرى، ذات الأهمية، كقطاع الطيران والطرق والسكك الحديدية والشحن والتخزين وغيرها من القطاعات الأخرى المساعدة للتنمية المستدامة في السلطنة، ومنها بالطبع قطاع السياحة. ومن هذه المنطلقات المهمة للقطاع اللوجستي، تحدث بعض المسؤولين التنفيذيين عن الأهمية الكبيرة لهذا القطاع، ودوره في الحركة الاقتصادية والتبادل التجاري، وعبّر الشيخ سالم بن سليم الجنيبي عضو مجلس الإدارة رئيس لجنة النقل والقطاع اللوجستي بغرفة تجارة وصناعة عمان، عن هذا الجانب المهم، بقوله «إن السلطنة تسعى إلى تبني وتنفيذ استراتيجيات تهدف إلى تنويع اقتصادها وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية، حيث بدأ اهتمام كبير من قبل الحكومة للاستفادة من الموقع الجغرافي المتميز للسلطنة في تحويل البلاد إلى مركز مهم للوجستيات وتسهيل حركة نقل البضائع والشحن التجاري بين مختلف الدول. ويتزامن الاهتمام بالقطاع الحكومي مع ميزة مهمة للغاية أصبحت السلطنة تمتلكها، وهي شبكة البنية الأساسية من الموانئ الاستراتيجية والطرق المتطورة التي اكتمل بعضها وبعضها الآخر قيد العمل حاليا». ولا شك أن الدراسات التي أعلن عنها، تؤسس لحركة تجارية مهمة في كل القطاعات الواعدة، في مجال تعزيز قدرات السلطنة في كل الجوانب المتعلقة للوصول إلى جعل عمان محطة لدول العالم، والتي من بينها بناء القدرات والكفاءات الوطنية وتعزيز التعليم والتسويق والأنظمة المصاحبة للقطاع اللوجستي، وتقوم الاستراتيجية، كما طرحت على ربط قطاعات النقل الموجودة حاليا بالمناطق اللوجستية الحيوية بالسلطنة بحيث تكون لدى السلطنة منظومة لوجستية متكاملة من الموانئ والمطارات وشبكة الطرق وربطها مع المناطق اللوجستية في الدقم والمحطة اللوجستية المخطط إنشاؤها في الدقم والمحطات اللوجستية الأخرى التي ستنشئ بناء على التوصيات التي ستخرج من إعداد الاستراتيجية، كما تعنى الاستراتيجية الوطنية للخدمات اللوجستية بالسلطنة (2040) بتنسيق جميع ما يتعلق بعملية الشحن والنقل والتخزين والتوصيل بفاعلية عالية وبمستوى عالمي، بشكل متناغم ومتناسق بين الموانئ والمطارات والقطارات والمناطق اللوجستية والصناعية بالسلطنة.
إن تاريخ السلطنة يقول: إنها كانت حلقة وصل أساسية بين الشرق والغرب وحاضرها يؤهلها لتعود لهذا الدور وأن تكون المحطة الرئيسية لربط الدول المطلة على المحيط الهندي وأن تكون هي البوابة لدول مجلس التعاون الخليجي حيث تأتي البضائع عن طريق موانئ السلطنة من الدول العربية ومن دول العالم الأخرى ومن ثم يتم توزيعها إلى دول مجلس التعاون».
وأشار معالي الدكتور وزير النقل والاتصالات في بعض أحاديثه، إلى الأهمية الكبيرة لهذا القطاع اللوجستي في بلادنا والدور المهم الذي ستلعبه هذه الخطة الطموحة في تعزيز هذا القطاع الواعد في بلادنا وقال «إن الاستراتيجية اللوجيستية حددت خمسة أهداف رئيسية تمثلت في زيادة مساهمة القطاع اللوجيستي في نمو الناتج المحلي، ورفع حصة السوق العماني من السلع التي تتدفّق إلى المنطقة، وتوسيع حجم فرص العمل التي سيوجدها القطاع اللوجيستي، وتحسين ترتيب عُمان في تصنيف المؤشرات اللوجستية والصناعية العالمية، وأخيراً رفع سمعة عُمان عالميا فيما يتعلق بالخدمات اللوجستية». وهذا ما نأمله أن يسهم في حركة التنمية في كل مجالاتها الاقتصادية والسياحية وتقديم ما يعزز التمنية ويحقق الرخاء والتقدم.