أدب الرسائل في عمان – رسالة الشيخ عامر بن سليمان الريامي للشيخة عائشة بنت مسعود العامرية

سماء عيسى –

هذه رسالة استثنائية (بمعنى جدارة دراستها وأهمية توثيقها)، كتبها الشيخ عامر بن سليمان الريامي موجهة الى العالمة الشيخة عائشه بنت مسعود العامرية. حقق هذه الرسالة وكتب مقدمتها الشيخ سلطان بن مبارك الشيباني، وهو بعد طالب بمعهد العلوم الشرعية، ليلة الجمعة المباركة ١٩رمضان ١٤٢١هـ/‏‏١٥ديسمبر ٢٠٠٠م،وعدل لاحقا ببعض ما استجد لديه.
يقدم الباحث تتبعا وافيا لسيرة كاتبها، فنعرف أن الشيخ الريامي، من بلدة نزار بإزكي، انتقل منها إلى تنوف من أعمال نزوى، ويضيف الباحث معرفا بأن الشيخ الريامي كان من أعلام القرن الثالث عشر الهجري.
يقدم الباحث عرضا مختصرا لاهم احداث القرن بغية ربط حياته وإبداعه بتلك الأحداث؛ وانعكاس ذلك عليه.
اثر ذلك التتبع نعرف ان الشيخ عامر كان معاصرا لدولة السيد سعيد بن سلطان (١٢١٩-١٢٧٣هـ)، وهي فترة طويلة زمنيا، وكذلك زاخرة بالأحداث والحروب، سواء الداخلية، والتي أهمها خروج محمد بن ناصر الجبري (ت١٢٥٠هـ) واستيلاؤه على عدد من قرى عمان، أو الخارجية كقدوم الوهابية عام ١٢٢٢هـ.
من الناحية الفكرية حفل ذلك القرن بأعلام ومدارس شكلوا ذروة الإبداع الفكري والفقهي العُماني، دون شك كان لفيض عطائهم الأثر الأكبر في تشكيل ثقافته وصقلها وتنوعها.
يذهب الباحث الى تقسيم حياة الشيخ الريامي الى مراحل ثلاث هي:

1ـ (حياته بأزكي منذ ولادته بها حتى رحيله عنها، وسبب رحيله هو تعرضه للإهانة من الغزاة الوهابيين، حيث تم أسره ودخول بيته ومصادرة كتبه وإحراقها، ثم بعد خروجه من الأسر ترك أزكي راحلا الى تنوف، ومع رحيله هذا كتب رسالته هذه موضوع البحث الى الشيخة عائشة بنت مسعود الريامية. يحدد الشيباني حادث رحيله بأنه حدث بين سنتي ١٢٢٢و١٢٢٥هجرية.مستعينا أي الشيباني بكتاب الريامي الدرر المنتقى وقصيدة له في الميراث، إذ بكليهما الكتاب والقصيدة يتطرق الكاتب الى حادثة أسره وحرق كتبه ورحيله.
2 ـ (حياته بتنوف واستقراره بها حتى عام ١٢٤٤هجرية. وهي الفترة التي شهدت ذروة عطائه الفكري، إذ كتب بها اغلب مؤلفاته وآثاره .
3 ـ ) المرحلة الأخيرة من عمره والتي يعتريها الغموض. اذ ترجح دلائل عدة عودته الى موطنه بازكي، بينما ترد بعض المصادر توليه القضاء بمسقط في عهد السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي.
يتتبع الباحث شيوخه عبر استقصائه مصادر فقهية متنوعة في العصر الذي عاش به الشيخ الريامي، ويصل بعد ذلك الى مؤلفاته وآثاره، والتي من ضمنها هذه الرسالة،فيذكر رسالته في نسب بني ريام وتاريخهم، وكتاب في علم الحرف والفلك المستقيم، وكتاب في تاريخ عمان، وكتاب في علم الميراث تحت عنوان الدرر المنتقى وسلم الارتقا، ثم مجموعة اشعار متفرقة، وأخيرا بعض الجوالات والأقضية الفقهية.
يقدم الباحث تتبعا عميقا لنسب وحياة المرسل إليها الرسالة، فهي الشيخة العالمة عائشة بنت مسعود بن سليمان بن سرحة بن حرمل بن حمد بن سرحان بن عمر بن سرحان بن محمد بن ناصر بن أبي عامر العامرية المضرية النزارية السموالية. ثم يستنتج بعد عرض لآراء مختلفة أن موطنها الأصلي هو بلدة القريتين بإزكي- الذي هو موطن أجدادها- ثم انتقلت منه بعد ذلك لسبب من الأسباب الى سمائل فاستقرت بها ونسبت إليها.
بحث الباحث كثيرا في الكتب المعاصرة عن كتب ومؤلفات لها؛ إلا أنه لم يعثر إلا على ما يدل أنها نسخت لنفسها كتاب المهذب وهو في علم الميراث للشيخ محمد بن عامر المعولي، وذلك عبر ما ذكره الشيخ سيف بن حمود البطاشي في مؤلفه إتحاف الأعيان. من ذلك التتبع نذهب معه بأن الشيخة عائشة لم تكن مولعة بالتأليف، رغم سعة علمها واطلاعها الذي يثبته لنا الشيخ الريامي في رسالته اليها. ويتتبع الباحث الأعلام البارزين من آبائها واجدادها منذ الدولة اليعربية حتى جدها المباشر، لنعرف أنها من نسل فقهاء وأدباء وعلماء.
ثمة مقدمة للرسالة تفصح عن الحالة المعنوية المتدنية والحالة النفسية السيّئة،التي ألمت بالشيخ عامر، إثر تعرضه من الوهابيين بالأسر واقتحام المنزل وحرق الكتب، في الوقت الذي تخلى فيه جماعته وجيرانه وصحبه عنه، وتركوه وحيدا يواجه مصيره أمام الجيش الوهابي، هل لذلك كتب الرسالة لعائشة بنت مسعود، أي ليشتكيهم اليها، وما يبدو واضحا انه على معرفة جيدة بها، واثقا منها، مفضلا كتابة الرسالة لها عن كتابتها إلى أي من من يعرفهم من القضاة أو الفقهاء. لذلك يتذكر الشيخ في بداية رسالته اضطرار الرسول الكريم الهجرة من مكة الى المدينة لأسباب يراها مشابهة لأسباب هجرته عن وطنه أزكي الى تنوف.
منذ بداية قراءتنا للرسالة، نلحظ ان مؤلفها أراد أن يضعنا أمام نص إبداعي لغوي، وليس فقط للتعبير عن ما في مشاعره من تقدير ومحبة للمرسل اليها الرسالة التي يصفها بأوصاف ترفعها الى مستوى روحي وانساني رفيع ومتميز، يضع توجيه نص إبداعي كهذا موجه اليها دون غيرها امر طبيعي وفي محله المتميز.
بعد ذلك يوجه الكاتب نقدا قاسيا لمجتمعه، وهو نقد اجتماعي حاد، يصعب أو حتى يستحيل تصديقه عن مجتمع إسلامي محافظ، لربما ردة الفعل القاسية التي أصيب بها الكاتب جراء ما حدث له من الوهابيين وتخلي الناس عنه وعن الدفاع عن وطنهم هو ما أدى به الى كتابة ذلك: «تشاغلوا بشرب الخمور عن اجتماع الجمهور؛ وبضرب الزمور عن مواعظ الزبور، وبدق الطبول عن أحاديث الرسول، وبرقص الدفوف، وصفق الكفوف، وهز الكتوف، ومخالفة الخفوف، ولا يبالون باليوم المخوف، وكأس الحتوف. يتباهون بالغنا، ويفتخرون بارتكاب الزنا، ويتعاملون بالربا، ويتجاهلون بما حرمه النبأ، يركنون الى الابتداع، ويخادعون في الأطماع، يأكلون أموال اليتامى، والأرامل وآلاما، ويغتنمون مال الأوقاف، كأنه حل بسورة الأحقاف!!، ويستحلون كتمان الزكوات عن الأداء، كان فرض وجوبها سدى»!!
الا أن ذلك يفيد حقا، معرفة أسباب هزيمة العمانيين أمام الغزو الوهابي… فالشعوب لا تهزم إلا إذا كان العيب في داخلها، وحتى لو هزمت، فلا يعقل أن تستسلم فاتحة أبواب مدنها ومنازلها للغزاة، دون أدنى مقاومة تذكر، حتى بعد هزيمتها. حقا لا بد ثمة انحرافات وتخاذلات حدثت، لكن تشخيص الحالة كما قدمها الشيخ الريامي فيه الكثير من المبالغة المنطلقة من ردة فعل على حدث ذاتي، مقدما بذلك مبرر تركه أزكي نهائيا وتوجهه للعيش في تنوف.
يكتب في آخر هذا المقطع: مساجدهم اتخذوها معاطن للركاب، وحوانيت للشراب، تاجرهم خائن ونقيهم مائن، مواصلا حتى يدعو الله باليسر والعون: اللهم يسر لنا تيسيرا، وافتح لنا ما كان عسيرا، واجعل لنا من لَّدُنك وليا واجعل لنا من لَّدُنك سلطانا نصيرا.
في المقابل يضع الشيخ الريامي تنوف بغية مقره القادم، مقابلا نبيلا وإنسانيا راقيا مثلما يصفها في رسالته: البقعة الغنا، وعناية المنى، منبع الجود والاكرام، تنوف بني ريام، والنَّاس بتنوف مختلفين كليا عنهم في موطنه أزكي، يصفهم:مجيرين من اجتار، ومرشدين لمن احتار، رحيبين الوخار، المحامين للبحار، عز كل ذليل، وكنز كل محيل، ما فيهم الا كف فضلات اللسان، أو عكف على الاحسان. معيدا ثانية التأكيد على وصول تجربته بازكي الى طرق مغلقة، لا بد له من الرحيل عنها: ما لمح طرفي ولا استنشق انفي الا عدوا شامتا، أو محبا صامتا، أو حسودا هذارا، أو مكاشرا غدارا!!
لا بد أن تجربة أليمة مرت بالشيخ الريامي في أزكي، عبر عنها في رسالته إلى الشيخة عائشة، بهذه الحدة في التعبير، الذي ينم في الوقت نفسه عن قدرات لغوية عاليه، حملت مضمون معاناته إلى درجات عالية من الإفصاح الفكري عن ما لم تطرحه الرسالة علنا، كالتعصب القبلي، والمشاكل التاريخية بين نزار واليمن، التي دون شك لعبت دورا أساسيا في سهولة عبث الوهابيين بأزكي.
أمام كل ذلك يفصح الشيخ الريامي، إنه كان يحاول لقاء الشيخه عائشة، وذلك للحديث معها حول ما آلت اليه الأمور، واتخاذه قرار الرحيل عن أزكي: «ولما عز اللقا وصعب المرتقى؛ لم يفتر الخاطر ويقر الناضر الا بتعريفكم وتشريفكم، حيث أنتم بقية المودين»…

يعبر عن فرحه وحزنه في آن، مع اتخاذ قراره بالرحيل، وهو المقطع الأشد صعوبة على الفهم في الرسالة بأكملها، لأنه يخاطب الشيخة عائشة قائلا: «لما ظفر صغيركم بالقاصد، وكنت له عين الراصد» ويصف حالته النفسية إثر اتخاذ القرار شعرا نثريا بليغا: «هبت ريح جنوب القلوب بتذكار الديار، فتلاقح غمام الغرام باهتمام الاختبار، فسنا ايماض اعراق إبراق الأشواق بانبعاق اصعاق انفتاح الهمة بالسلام….الخ».
الجزء الأخير من الرسالة، ينحو فيه الشيخ منحى صوفيا، يذهب بعيدا عن ذم أزكي واهلها، ومديح تنوف وأهلها، خاصة في المقطع الذي يتحدث فيه عن الموت: «فالحياة الى زوال، فالسفر ينادي، والقتير حادي، والأيام الرواحل، والشهور المراحل، والأعوام المسافة، والطرق غير مأمونة المخافة. فالعاقل من تأهب للرحلة…الخ».
أهمية الرسالة تاريخيا، تكمن في العلاقات الثقافية التي كانت تجمع العلماء مع العالمات في التاريخ العُماني، وتبين لنا مدى التقدير المتبادل الذي يكنه العلماء للمرأة، أي تجاوز النظر إليها ككائن تابع للرجل، لا قيمة لها خارج سيطرته وقيادته.
بالطبع ليست هذه العلاقة بين الشيخ الريامي والشيخة العامرية استثناء ما، اذ طالما قدمت المرأة العمانية دورا متميزا، أدبيا وثقافيا وسياسيا، وكان لها الدور الإيجابي في تشكيل ظاهرة الأمومة المتميزة، كتجربة تواصل عطاؤها الإبداعي عبر التاريخ.