عبد الوهاب المسيري .. مسيرة فكرية رائدة (2) – رؤيته في مسألة الحداثة وما بعدها

عبد الله العليان  –

من ضمن القضايا الفكرية الحديثة التي ناقشها باستفاضة د/‏‏ عبد الوهاب المسيري،مسار الحضارة الغربية وتحولاتها الفكرية، أو ما سمي بعصر الأنوار، بعد إقصاء الكنيسة في الغرب عن هيمنتها الفكرية ووقوفها ضد العلم والتطور، وظهور الفلسفات الجديدة، ورؤى الحداثة وما بعد الحداثة، والعقلانية المادية، والعلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية، والحداثة وما بعدها، دون التشعب في التعريفات، رؤية للعالم والكون والحياة، وفق المفهوم الغربي الذي ارتبطت به بعد عصر الأنوار، والانقلاب على الكنيسة وتجريدها من صلاحياتها، وتدخلاتها في السياسة والعلم والفكر عموما، وحجرت على الإبداع والاختراعات، وكان للدكتور المسيري، رؤية عميقة لهذه الحضارة بكل إفرازاتها الفكرية والفلسفية، ومن الموضوعات التي اهتم لها المسيري، مسألة الحداثة وما بعد الحداثة، التي شغلت الكثير من النقاشات الفكرية في الغرب وفي العالم أجمع، وفي الكتاب المشترك، (الحداثة وما بعد الحداثة) ناقش المسيري هذه المسألة، مع الدكتور فتحي التركي، فيقول: «إن النموذج المهيمن على الحضارة الغربية هو النموذج المادي (ونحن نستخدم كلمة (مادي) هنا بالمعنى الفلسفي، أي الإيمان بأن المادة هي الأصل والمحرك الأساسي للكون. وهي رؤية فلسفية ليست لها علاقة بحب المال، فهناك من الماديين من هم أكثر زهداً من كثير من المؤمنين!). وقولنا إن النموذج المهيمن هو النموذج المادي لا يعني أنه النموذج الوحيد، فالمثقفون الغربيون يدورن في إطار نماذج معرفية أخرى تتحدى النموذج المهيمن، ولكنها مع هذا لا تتمتع بالمركزية نفسها أو الفعالية في المجتمع. وهيمنة النموذج المادي لا تعني أن الجميع في الغرب قد أصبح ملحداً، فقد ظلت الأغلبية الساحقة محتفظة بإيمانها الديني في حياتها الخاصة. ولكن مع هذا ظل النموذج المادي يتحكم في كل جوانب الحياة العامة، وفي كثير من جوانب الحياة الخاصة، وأولاً وأخيراً في الخريطة المعرفية التي يدرك الإنسان العادي العالم من خلالها. وقد مرَّ هذا النموذج المادي بمرحلتين: المرحلة العقلانية المادية الصُّلبة، والمرحلة اللاعقلانية المادية السائدة. والعقلانية المادية، كما قول المسيري، هي الإيمان بأن الواقع المادي (الموضوعي) يحوي داخله ما يكفي لتفسيره دون حاجة إلى وحي أو غيب، وأن هذا الواقع يشكل كُلاًّ متماسكاً مترابطةً أجزاؤه برباط السببية الصلبة، بل والمطلقة. وعقل الإنسان حينما يدرك الواقع فإنه لا يدركه كأجزاء متفرقة متناثرة، وإنما يدركه ككلّ متماسك، يتجاوز الأجزاء المتناثرة المتغايرة، ويدرك أن حركة الأجزاء ليست حركة عشوائية، وإنما هي تعبير عن هذا الكل الثابت المتجاوز، ولذا فهي حركة لها معنى وهدف، ولها معياريتها ومعقوليتها، فما يحدث حسب قانون مطّرد ثابت وليس بالمصادفة العمياء. ويرى د. عبد الوهاب المسيري، في طرحه عن الحداثة وما بعدها، أن لم تقف عند جانب فكريب واحد ، بل تعددت في مساراتها، وأصبحت منقسمة في الرؤية نفسها، بتوجهات مختلفة، عما كانت عليه،ولذلك فان هذه العقلانية، بحسب المسيري، «أثمرت الاستنارة المضيئة، فهذه التساؤلات أدت إلى ظهور (الاستنارة المظلمة). وهذا مصطلح نحته أحد مؤرخي الفلسفة الغربية، ليشير إلى بعض الجوانب المظلمة في الفلسفات المادية، التي تفكك الإنسان ولا تمنحه أية مركزية أو مكانة خاصة أو مزية على الكائنات الأخرى. ويرى هذا المؤرخ أن بعض مفكري عصر الاستنارة، وليس كلهم، قد أدركوا الطبيعة التفكيكية المظلمة للعقلانية المادية: إن الاستنارة المظلمة ليست أمرًا مضافًا للاستنارة المضيئة ولا مقحمًا عليها، وإنما هي متضمَّنةٌ تمامًا في المتتالية الاستنارية المضيئة، وأن منطق الاستنارة المضيئة يؤدي إلى الاستنارة المظلمة (تمامًا مثلما تؤدي المادية القديمة الصلبة إلى المادية الجديدة السائلة، والعقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية)».
وهذا بلا شك تبلورت عن أفكار عدة في رؤيتها للإنسان وطبيعته، هل هي مادية خالصة، أم غير ذلك من حيث مركزية الإنسان في هذه الرؤية المنبثقة من بعض الفلاسفة الماديين، وقد بيَّن هؤلاء المفكرون، كما يرى عبد الوهاب المسيري، «أنه إذا كانت أصول الإنسان طبيعية مادية- كما يرى العقلانيون الماديون من دعاة الاستنارة المضيئة- وأنه تسري عليه القوانين المادية التي تسري على كل الظواهر الطبيعية (أي إنه ليست له أصول ربانية متعالية متجاوزة)- فلا يمكن إذن الحديث عن مركزية الإنسان في الكون، أو عن المرجعية الإنسانية، أو عن مقدرة الإنسان على تجاوز ذاته الطبيعية/‏‏ المادية، أو عن أن الإنسان خيِّر بطبيعته واجتماعي بفطرته، أو عن أن الذات الإنسانية مبدعة حرة مستقلة، أو عن أن ثمة حقيقة موضوعية مستقرة يمكن إدراكها… الخ. فمثل هذا الحديث في نظر هؤلاء المفكرين هو مجرد ادعاء زائف من جانب الإنسان، ووهم من أوهام الفكر الإنساني الهيوماني الغربي ليس له ما يسنده في الواقع». لكن هذه الرؤى التي برزت من فلاسفة عصر الأنوار، لاقت أيضاً نقداً شديداً من بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين أنفسهم، واعتبرت أنها جنحت إلى الوهم في تصوراتها حول مركزية الإنسان، ودوره العقلي والفكري في الحياة الإنسانية، وانطلاقا من هذا،كما يقول د/‏‏ عبد الوهاب المسيري، «أعلن نيتشه أن الإيمان السائد بأن العقل الإنساني قادر على التوصل إلى علم يستطيع أن يزوده بمعرفة يقينية وأنساق أخلاقية (أي أن بوسع العلم والعقل أن يَحُلاَّ محل الدين) هو وهم ليس إلا، وأن المركزية التي تخلعها الفلسفة الهيومانية على الإنسان مركزية زائفة. فهو كائن طبيعي ليست له أهمية خاصة. بل وأعلن نيتشه أن الطبيعة ذاتها لا قداسة لها، فهي مجموعة من القوى المتصارعة، والحديث عن أي مطلقية- من ثَمَّّ- هو عبث، فكل الأمور مادية، وكل الأمور المادية متساوية، وكل الأمور المتساوية نسبية». من هذه المنطلقات الفكرية التي طرحها نيتشه حول رؤية الحداثة وما بعد الحداثة، تنكر الكثير من الأفكار التي جعلت الإنسان في مستويات مركزية تقترب من مكانة الخالق عز وجل، ولهذا رآها نيتشه نوع من الوهم في هذا التصور، ولذا كما يرى عبد الوهاب، «جعل نيتشه، همه أن يحرر الإنسان من أية أوهام متبقية عن الثبات والتجاوز والكلية، ويطهره من أية قيم وثوابت وكليات وثنائيات وغايات (أخلاقية أو معرفية) تتجاوز المادي والمباشر. إن نيتشه حاول تحطيم كل ما كان الفلسفة يسمونه في الماضي (أي قبل نيتشه) مقدّساً وخيَّراً وحقاً وجميلاً ومطلقاً وكلياً، وذلك حتى القضاء تماماً لا على اليقين المعرفي والأساس الديني للأخلاق وحسب، وإنما يتم القضاء أيضاً على أي يقين معرفي، بل وعلى مفهوم أو فكرة الأخلاق ذاتها، وعلى أية مركزية لأي شيء، إلهاً كان أم إنساناً، بل وعلى فكرة الوجود الثابت ذاتها وفكرة الكل الذي يتجاوز الأشياء. أي إن العالم يذلك يصبح نسقاً سائلاً بلا يقين أو معنى أو غاية أو كينونة أو هوية، والإنسان يصبح بلا ذات ولا حدود ولا استقلال ولا مركزية». ولاشك إن الحداثة الغربية، بحسب المسيري، انفصلت القيمة بعد تفوقها في التكنولوجيا، فهي في بحثه (الحداثة ورائحة البارود)، أصبحت» مجرد استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا، بل هي استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة، أو كما يقولون بالإنجليزية- فاليوفري ‏Value-fre، وهذا البعد هو بعد مهم لمنظومة الحداثة الغربية، ففي عالم متجرد من القيمة تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم تصبح كل الأمور نسبية، وحين يحدث ذلك فإنه يصعب الحكم علي أي شيء، ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر وبين العدل والظلم، بل وبين الجوهري والنسبي، وأخيراً بين الإنسان والطبيعة أو الإنسان والمادة‏.‏ وهنا يطرح السؤال نفسه كيف يمكن أن تحسم النزاعات والصراعات، وكيف يمكن أن نسوي الخلافات، وهي كلها من صميم الوجود الإنساني؟ في غياب قيم مطلقة، يمكن الاحتكام لها، يصبح الإنسان الفرد العرقية مرجعية ذاتها، وتصبح ما تراه في صالحها هو الأساس وما ليس في صالحها هو الطالح‏.‏ وقد أدي هذا إلي ظهور القوة والإرادة الفردية كآلية واحدة لحسم الصراعات وحل الخلافات»‏. والإشكالية أنها أصبحت تنظر نظرة التعالي، من حيث مكانتها وقوتها، ومن أجل ذلك اجتحت العالم واحتلت واستعمرت شعوباً كثيرة من أجل الهيمنة والسيطرة والنهب، فهذه «هي الحداثة التي تبناها العالم الغربي، كما يقول المسيري، والتي جعلته ينظر إلي نفسه باعتبار أنه هو‏(‏وليس الإنسان أو الإنسانية‏)‏ مركز العالم، وأن ينظر للعالم باعتباره مادة استعماليه يوظفها لصالحه باعتباره الأكثر تقدما وقوة، ولذا فإن منظومة الحداثة الغربية هي في واقع الأمر منظومة إمبريالية داروينية‏.‏
هذا هو التعريف الحقيقي للحداثة كما تحققت تاريخيا،وليس كما عرفت معجميا، وهذا هو التعريف الذي يمكننا من قراءة كثير من الظواهر الحديثة‏. كانت الظاهرة الغربية الحديثة تؤكد أنها حضارة إنسانية‏‏ (هيومانية‏)‏ جعلت من الإنسان مركز الكون، وكانت المجتمعات الغربية مجتمعات لا تزال متماسكة من الناحية الاجتماعية والأسرية، ولم تكن كثيرا من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا ونقرأ عنها في صحفهم ومجلاتهم، والتي أصبحت نمطا ثابتا وظاهرة محددة، كانت مجرد حوادث متفرقة الظواهر دالة، ومن ثم كان من السهل تهميشها‏.‏
ولكن تدريجيا تكشف الوجه الدارويني حين أرسلت الحداثة الغربية لنا جيوشها الاستعمارية لتهلك الأخضر واليابس، وتحول بلادنا إلي مادة استعماليه كمصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة، وسوق مفتوحة بشكل دائم للسلع الغربية، ويبدو أن المفكرين الإصلاحيين الأول لم يربطوا بين الحداثة الغربية والإمبريالية الغربية، فقد ذهبوا إلي العواصم الغربية ولم يروا سوي النور والاستنارة، في الوقت الذي كانت المدافع الغربية تدك بلادنا دكا، ولذا فهؤلاء الذين بقوا في بلادهم رأوا ألسنة النيران المندلعة، وسمعوا قعقعة القنابل، وشموا رائحة البارود»‏.‏ ولا شك أن المسيري، عاش تجربة الفكر والحداثة الغربية واقعياً، وليس من خلا كتابات ومقولات من هنا وهناك، صحيح أنه لا غبط للغرب تقدمه العلمي والتكنولوجي، لكنه ينظر نظرة عادلة، لما انبثق فكرياً من هذه الاستنارة تجاه الآخر المختلف.. لكن ما هي نظرته للعلمانية الغربية، ورؤيته الفكرية؟ وللحديث بقية: