عبد الوهاب المسيري .. مسيرة فكرية رائدة «1»

عبد الله العليان –

تعرفت على المفكر والأديب د/‏‏‏ عبد الوهاب المسيري، من خلال ندواته ومحاضراته في القاهرة في فترة دراستي الجامعية في بداية الثمانينات، حيث برز كمفكر، باعتباره مفكراً موسوعياً، مهتما بالفكر الغربي،وتحولاته الحديثة،وكنت أتابعه باهتمام من خلال بعض الدراسات والمؤلفات التي ظهرت في ذلك، بعد عودته من الخارج، حيث قضى فترة طويلة كأستاذ محاضر للأدب الإنجليزي، في العديد من الدول العربية، ود/‏‏‏ عبد الوهاب المسيري، من الذين خبروا الفكر الغربي خبرة واسعة، بحكم دراساته العليا هناك، ثم إقامته الطويلة في الغرب، وتعّرف على كل التيارات الفكرية المختلفة،خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، وكما جاء في سيرته الذاتية في موقعه، وُلد المسيري في محافظة دمنهور 1938 وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي (مرحلة التكوين أو البذور). التحق عام 1955 بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية وعُين معيدًا فيها عند تخرجه، وسافر إلى الولايات المتحدة عام 1963 حيث حصل على درجة الماجستير عام 1964 (من جامعة كولومبيا) ثم على درجة الدكتوراه عام 1969 من جامعة رَتْجَرز Rutgers (مرحلة الجذور). وعند عودته إلى مصر قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود (1983 – 1988) كما عمل أستاذا زائرًا في أكاديمية ناصر العسكرية، وجامعة ماليزيا الإسلامية، وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام (1970- 1975)، ومستشارًا ثقافيًا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975 – 1979)، ومن أهم أعمال الدكتور المسيري موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد (ثمانية مجلدات)، وكتاب رحلتي الفكرية: سيرة غير ذاتية غير موضوعية- في البذور والجذور والثمار. وللدكتور المسيري مؤلفات أخرى في موضوعات شتى من أهمها: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (جزأين)، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد (سبعة أجزاء). كما أن له مؤلفات أخرى في الحضارة الغربية والحضارة الأمريكية مثل الفردوس الأرضي، والفلسفة المادية وتفكيك الإنسان،و الحداثة وما بعد الحداثة والعلمانية تحت المجهر (مشاركات مع آخرين، ودراسات معرفية في الحداثة الغربية، والدكتور المسيري له أيضاً دراسات لغوية وأدبية من أهمها: اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، ودراسات في الشعر، وفي الأدب والفكر، كما صدر له ديوان شعر بعنوان أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية وقد نشر الدكتور المسيري عدة قصص وديوان شعر للأطفال، وغيرها الكثير من الأبحاث والدراسات العديدة. وقد رحل الدكتور عبد الوهاب المسيري- رحمه الله- عن عالمنا في الثالث من يوليو عام 2008 بعد صراع طويل مع المرض.
في كتابه (رحلتي الفكرية.. في البذور والجذور والثمر)، وهو عبارة عن سيرة له- كما قال عنها- غير ذاتية وغير موضوعية- تحدث عن حياته في الطفولة، كما عاشها، ويقول في هذا الكتاب« ولدت في دمنهور، عاصمة البحيرة، وهي مدينة صغيرة في دلتا مصر تقع بالقرب من الإسكندرية. وحينما نشأت فيها طفلاً، كانت تتميز (من منظور رحلتي الفكرية) بوجود عبق التاريخ فيها، برغم أنه لا توجد فيها آثار فرعونية أو قبطية أو إسلامية، وقد عرفت، عبر العصور (على عكس المدن التي يتوقف فيها التاريخ وتدفنها الرمال ). إبان نشأتنا في دمنهور كانوا يخبروننا أن اسمها «دم نهور»، لأن الدماء، كما قالوا لنا حينذاك، سالت فيها أنهارا، في أثناء إحدى المعارك الحربية في الماضي، ثم عرفنا فيما بعد أن هذه التسمية فلكلورية، وأن دمنهور هي «دمن حورس»، أي «مدينة الآلهة حورس». فكأن الوجدان الشعبي يريد أن ينسب المدينة إلى ماضيه العربي الإسلامي الحي، بدلاً من ماضيه الفرعوني المتحفي . عرفنا أن «دمنهور» من أقدم مدن العالم، وأنها كانت عاصمة الوجه البحري قبل توحيد القطرين (يقال إنها هي ودمشق المدينتان الوحيدتان اللتان استمرت فيهما الحياة بدون انقطاع مع احتفاظهما باسميها اللذين عُرفا بهما في الماضي). كان يُقال لنا إن مسجد التوبة، الذي يقع بالقرب من المحطة ومن شارع خيري، أسسه عمرو بن العاص، وأن معركة كبيرة وقعت بين نابليون والمماليك قرب دمنهور (في شبراخيت على ما أذكر) ص(21).
ويروي د/‏‏‏ المسيري، في كتابه (رحلتي الفكرية)، قصة مشواره الدراسي في مدينته التي وُلد فيها خاصة بعد إنهائه المرحلة فيقول:«تخرجت في مدرسة دمنهور الثانوية عام 1955، وحملت عصا الترحال، شأني شأن كثير من الدماهرة، إلى الإسكندرية. ذهبت إلى هناك أحمل إدراكي المركب وثقتي بنفسي، وفجأة وجدت نفسي في قلب مدينة مصرية اسماً، غربية فعلاً. كنت أقطن في الإبراهيمية التي كانت جالية يونانية كبيرة تعيش فيها، حتى بائع الخضر كان ينادي على بضاعته باللغة اليونانية. وفي بعض المطاعم لم يكن بُد من الحديث باليونانية والفرنسية.وبمقدرة الدمنهوري غير العادية على البقاء، قررت التحرك بسرعة لأكتشف الآليات الجديدة المطلوبة لتحقيق البقاء،وأهمها إجادة اللغة الإنجليزية، فحبست نفسي في غرفة لمدة شهر كامل لا أسمع إلا الإذاعات المتحدثة بالإنجليزية ولا أقرأ سوى الجرائد والمجلات الإنجليزية. وعُدت بعد الفصل الأول وقد تملكت ناصية اللغة بشكل أدهش أساتذتي. وفي فصل الصيف، أحضرت أطناناً من الكتب العربية التي تتناول تاريخ الغرب والفكر الغربي والفن الغربي والفلسفة الغربية» ص(130).
وفي جو الإسكندرية، تلك المدينة المنفتحة على الأفكار والفلسفات،قرأ المسيري، الكثير من الأفكار عن بعض التيارات التي تعج في تلك الفترة بين الشباب العربي، خاصة الفلسفات الماركسية والوجودية والاشتراكية والرأسمالية،وتأثر المسيري بالفكر الماركسي، وانضم إلى إحدى المنظمات اليسارية المصرية (حدتو)، فيقول «وبما أنني كنت ثائراً ضد الظلم الاجتماعي، كان من الحتمي تقريباً أن أتوجه للماركسية. وقد أعطاني صديقي سعيد البسيوني بعض الكتب عن هذا الموضوع، كما أن أصدقائي الأجانب كان عندهم الكثير من الأدبيات الماركسية. ثم فتحت المكتبات السوفييتية التي كانت تبيع الكتب السوفييتية (والماركسية) بأسعار رخيصة، فاشترينا الكثير منها، وبدأت أقرأ فيها بنهم.وكان اهتمامي بالماركسية فكرياً في بداية الأمر،إلى أن التقى بي أحد أعضاء حدتو وجنّدني عضواً في الحزب عام 1955.وفوجئت بتصعيدي في الحزب نظراً لمعرفتي باللغة الإنجليزية والمصادر الأولية للفكر الماركسي.وقد قمت بترجمة كتاب ماوتس تونج عن التناقض عام 1957 (لعلها كانت أولى الترجمات إلى العربية).ومن الطريف أنني بموضوعية كاملة كنت أبيَّن لهم في الحزب أنه يجب ألا أصعَّد بسبب خلفيتي البورجوازية ولابد من اختباري والتأكد من ((نقائي الأيديولوجي)). ومع هذا، استمروا في تصعيدي ووجدتني مسؤولاً عن خلية، وعضواً في لجنة منطقة الرمل (على ما أذكر). وكنا قد سمعنا أن الأستاذ محمود أمين العالم هو السكرتير العام للحزب الشيوعي الموحَّد (الذي بقي موحداً عدة أشهر وانفرط عقده مرة أخرى لعدة أحزاب صغيرة متصارعة متناحرة كما هو الحال مع الحركة الشيوعية عبر تاريخها)» ص(139، 138). ووقع المسيري في إشكالية هذا الانضمام، إلى هذه المنظمة اليسارية الماركسية،التي كانت تعادي النظام الناصري وتهاجمه وهي جزء من الحزب الشيوعي المصري، قبل صدور القرارات الاشتراكية التي أصدرها الرئيس جمال عبد الناصر في أوائل الستينات من القرن الماضي، وحل الحزب الشيوعي المصري نفسه، ودخل أعضاؤه في الاتحاد الاشتراكي، العربي الحزب الوحيد في الجمهورية،ويقول عبد الوهاب المسيري «وقُبض عليّ في الحضرة في أثناء توزيع المنشورات التي أصدرها الحزب يوم اندلاع ثورة العراق ترحيباً بها،ونجح والدي من خلال نفوذه أن يخرجني من السجن بعد فترة قصيرة للغاية، وكتبت إلى الحزب وأخبرتهم أن التحركات شبه العلنية لابد أن تتوقف تماماً، وتوقعت حدوث صدام بين حكومة الرئيس عبد الناصر، وأنه لا بد من التزام السرية.وكنت قد بدأت ألحظ ـ كما يشير المسيري- أن السلوك الشخصي للرفاق كان متناقضاً مع أي نوع من أنواع المثاليات الدينية والإنسانية، وأن الكمية النرجسية عند بعضهم كانت ضخمة للغاية.وأنا لا أمانع في وجود قدر من النرجسية عند البشر، فهذا أمر أساسي لهم، وخصوصاً بالنسبة للثائر، فالنرجسية،كما يقول د/‏‏‏ المسيري، آلية نفسية يدافع من خلالها عن نفسه ضد مجتمع يود ابتلاعه.لكن النرجسية التي لاحظتها في كثير من الرفاق- الماركسيين)- كانت بالفعل متطرفة، والحريات الخلقية التي كانوا يسمحون لأنفسهم بها ليست كاملة، أي أنهم شخصيات نيتشوية دارونية، لا علاقة لها بالماركسية ولا أي منظومة أخلاقية، بل كثيراً ما كنت أشعر أن بعضهم كان ماركسياً بحكم وضعه الطبقي وحسب وأنه لو سنحت له الفرصة أمامه للفرار من طبقته والانضمام للطبقات المستغلة الظالمة لفعل دون تردد وطلّق الماركسية طلاقاً بائناً،لكل هذا قدّمت استقالتي،وطلبت أن أعدّ من أصدقاء الحزب لا من أعضائه»ص(141،140). وابتعد المسيري عن الفكر الماركسي، واقترب من الفكر العربي الإسلامي المستقل،لأن الفلسفة المادية في نهاية الأمر، كما قال في بعض أحاديثه،تنكر الحيز الإنساني المستقل،عن الحيز المادي،فالمدخل الطبيعي في تصوري بحسب المسيري للإيمان في عصر المادية والعلمانية،من خلال الرؤية التركيبية لهذا العالم. وقد جاء في الذكر الحكيم (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) [فصلت/‏‏‏ 53].