الوحدة الوطنية.. أُمُّ القضايا في عالم اليوم

د. عبد العاطى محمد –

كلما كانت الوحدة الوطنية قوية كلما اطمأنت السلطة السياسية التي حظيت على رضاها بأنها قادرة على القيام بمهام الدولة سلما وحربا والعكس صحيح. ولذلك فإن أسهل الطرق لضرب الاستقرار أو هدم دولة وطنية ما هو ضرب وحدتها الوطنية بإشعال الخلافات بين أبنائها لأسباب طائفية أو مذهبية أو سياسية.
تتقدم الدول بوحدتها الوطنية وتتراجع كلما اهتزت أو تفككت. تلك إحدى عظات التاريخ منذ أن عرفت الإنسانية الدولة القومية كتعبير عن شعب وأرض وسيادة. وبرغم بساطة هذه العظة وسهولة إدراكها لمن توافر له الوعي الحقيقي لا المزيف، إلا أنها مسألة بالغة الصعوبة والتعقيد من حيث تفعيلها على أرض الواقع نظرا لارتباطها بعدد من المتطلبات التي يتعين توافرها وبحجم التدخلات الخارجية التي تهدد الأمن والاستقرار. ولذلك فإن معيار النجاح أو الفشل في تحقيقها كرافعة للتقدم يتوقف على مدى ما يتحصل لتجربة وطنية ما من قدرة على توفير المتطلبات ودرء المخاطر الخارجية.
في اجتماعهم بالرياض حرص وزراء الداخلية والدفاع والخارجية الخليجيين على التأكيد بوجه خاص على أهمية الوحدة الوطنية لدى شعوب ودول مجلس التعاون الخليجي. ومع أن هذه القضية تعد من الثوابت التي ميزت مسيرة المجلس منذ قيامه عام 1981 فيما يعتبر شأنا معتادا لا يحتاج إلى تسليط الضوء عليه مجددا، إلا أنها هذه المرة تجاوزت نطاق الاهتمام المعتاد وأصبحت في نطاق ما يعد من القضايا المصيرية، أي تتعلق بالبقاء ودرء الفناء. وربما كان هناك عامل مهم استدعى الاهتمام الخاص بهذه القضية مقارنة بما كان في سابق الزمان،عامل يتعلق بزيادة حدة التهديدات الخارجية وتوسيع مجالاتها، كتزايد نشاط الجماعات الإرهابية ووجود مناطق ساخنة محيطة تعيش حالة الحرب وأكثر، أو بسبب التغير الذي حدث في طبيعة الحرب بعد أن أصبحت حربا على العقول قبل أن تكون ميادين عسكرية للقتال بالأسلحة المعتادة، وهو ما أصبح يعرف بالجيل الرابع للحروب.
وواقع الأمر أن كل هذه المخاطر لم تعد موجهة لدولة أو منطقة بعينها، وإنما هي هم عام أصاب الجميع بمن فيه الدول الكبرى ذاتها التي عاشت زمنا طويلا محصنة من هذا الخطر أو ذاك. ولذلك كان الأمير محمد بن نايف ولى العهد السعودي محقا إلى حد كبير عندما قال أمام الاجتماع «استطعنا (يقصد دول مجلس التعاون الخليجي) أن نحافظ على ما تتمتع به دولنا وشعوبنا من استقرار وما تنعم به من تطور وازدهار، ولكن التحدي الأكبر لأي دولة في عالمنا المعاصر هو المحافظة على وحدتها الوطنية بعيدا عن أي مؤثرات أو تهديدات داخلية أو خارجية.. وحدة وطنية يدرك كل فرد في ظلها واجباته تجاه وطنه وأمته ويعمل من أجل أمن واستقرار مجتمعه.. وحدة تعلو فيها ولاءات الوطن على ما دونها من ولاءات شخصية طائفية أو مذهبية». هنا تشير هذه الكلمات الدقيقة إلى أكثر من بعد لاستدعاء الاهتمام الخاص بالتركيز على محورية دور الوحدة الوطنية في مسيرة شعوب ودول الخليج العربية. فإذا كانت الوحدة الوطنية مطلوبة لإشعال بوتقة التقدم في أوقات الأمن والاستقرار والسلام وللحفاظ على المنجزات، فإنها مطلوبة بشكل أكثر إلحاحا في أوقات المحن والهموم والكوارث، وما أكثرها جميعها في الوقت الراهن حيث بنظرة سريعة على واقع المنطقة يمكن الاستدلال على مشاهدها سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو ليبيا. ولا شك أن كل هذه المناطق الساخنة قد أصبحت مصادر تهديد ليس لدول الخليج العربية وحسب وإنما لباقي الدول العربية، بل والعالم أجمع. ولأن المخاطر طالت الجميع بشكل أو بآخر فقد أصبح الاهتمام بالوحدة الوطنية شأنا عاما عالميا باعتبارها مصدر القوة الحقيقي في مواجهة هذه المخاطر. واللافت في هذه الكلمات الصائبة أيضا أنها تشير ليس فقط إلى أن مصادر التهديد تأتي من الخارج، وإنما من الداخل أيضا حيث تكون مجالات حروب الجيل الرابع من الحروب التي تهدف أساسا إلى هدم الدولة من الداخل بعناصر وقوى من بيئتها الداخلية.
ليس هناك من تعريف محدد للمقصود بالوحدة الوطنية. صحيح أن الناس اعتادوا على أنها تعبير يشمل حب الوطن والغيرة عليه والتماسك الاجتماعي مرورا بكل مشاعر الافتخار بالتاريخ ومنجزات
الحاضر والهوية الوطنية، إلا أن ذلك لا يقدم لنا معنى سياسيا نستطيع من خلاله قياس ما إذا كانت هناك وحدة وطنية بالفعل أم لا وما درجة قوتها وما الذي يعترضها من عقبات . ولذلك يمكن اللجوء إلى مقترب المؤشرات للوصول إلى المقصود بهذا المفهوم.
وأول هذه المؤشرات يتعلق بالتكامل القومي ويقصد به وحدة الأرض ووحدة الشعب مهما كانت العوائق الجغرافية أو التباينات في البناء الاجتماعي, وبتحقق الأمرين يمكن الحديث عن دولة قومية راسخة. فالدولة القومية هي مصطلح يشير إلى هيمنة سلطة سياسية محددة على منطقة جغرافية تتخذها مجموعات من الأفراد موطنا لها بالنظر إلى أن هناك روابط تجمعهم قد تكون تاريخية أو لغوية أو عرقية وقد تراضوا العيش المشترك على مدى زمني طويل. ولا يعنى ذلك رفض التنوع بل العكس وهو الاندماج من خلال التنوع. ذلك لأن التنوع هو سنة الله في خلقه، فضلا عن كونه حقيقة اجتماعية قائمة على أرض الواقع .فقط يحتاج الناس هنا إلى التراضي والتوافق على مبادئ معينة تسمح للجميع بالازدهار والاستقرار والأمن. أجنبيا لدينا أكثر نماذج التنوع في إطار الاندماج نجاحا ممثلا في الولايات المتحدة، وعربيا ممثلا في لبنان. ولا شك أنه كلما تلاشت التنوعات الحادة أو كانت قليلة أو ضعيفة, زادت قوة التعبير عن الوحدة الوطنية.
وثاني المؤشرات يتعلق بالانتماء أو الشعور بالتوحد مع هوية تشمل الجميع هى الوطن. ويعد الانتماء أعلى صور التعبير عن الولاء لأنه ولاء إلى كيان يضم الجميع كفل لهم سبل الحياة الكريمة والأمن والاستقرار. فالمعروف أن الولاءات تتعدد بين أشكال مختلفة اجتماعية وثقافية وسياسية ولكنها تظل فردية أو جزئية، بينما الولاء للوطن هو أعلى صور الولاء أو هو الانتماء الحقيقي. هذا الانتماء يعلو فوق كل الولاءات الأخرى طائفية كانت أم مذهبية.. الخ.
وثالث المؤشرات يتعلق بالشرعية أو السيادة ، حيث بها يكتمل عقد الدولة القومية أو الوطنية. فالهيمنة من جانب سلطة سياسية ما على جماعات من الأفراد يعيشون على أرض واحدة لا تتحقق إلا إذا قبلت هذه الجماعات بهذه السلطة أي أعطتها المبرر لأن تستخدم كل صور القوة لفرض تعليماتها وسياساتها دون اعتراض أو تمرد ممن قبلوا بها. وكلما كانت الوحدة الوطنية قوية كلما اطمأنت السلطة السياسية التي حظت على رضاها بأنها قادرة على القيام بمهام الدولة سلما وحربا والعكس صحيح. ولذلك فإن أسهل الطرق لضرب الاستقرار أو هدم دولة وطنية ما هو ضرب وحدتها الوطنية بإشعال الخلافات بين أبنائها لأسباب طائفية أو مذهبية أو سياسية.
هذا الدور المحوري للوحدة الوطنية في حياة الشعوب والدول لا يتحقق تلقائيا، بل يحتاج إلى متطلبات لا غنى عنها. فمن الصحيح أن هناك واجبات يتعين على المواطن أن يقوم بها كلها يمكن أن تندرج في إطار ما يعرف بالمواطن الصالح، ولكن هناك شق آخر للموضوع حتى يمكن القول بتوافر الوحدة الوطنية، وهو المتعلق بالحقوق. والمتابع لأدبيات «الوطنية» يجد ربطا وثيقا بينها وبين الحقوق حتى يحلو للبعض التأكيد على أن كل منهما قرين الآخر. فالوطن هو الكيان الذي يجد فيه المرء المسكن والملبس والطعام والأمن والقانون والتعبير عن الرأي والمشاركة السياسية، وإن لم يجد شيئا من ذلك أو نقصا في أي منها فإنه لا يشعر بالانتماء الوطني ، ويذهب إلى البحث عن بديل. ومن جهة أخرى إن شعر المواطن بالاضطهاد أو التمييز بينه وبين غيره ، فإنه إما أن يتخلى عن وطنيته أو يشعر بوطنية منقوصة. وكثير من المشاكل الناجمة عن صور من الاضطهاد والتمييز تكون فرصة مواتية للغاية لمن يريدون التدخل في الشئون الداخلية لدولة ما ، لإضعافها وهدم استقرارها. والذكاء السياسي هو توفير الحقوق المشار إليها وغلق الثغرات التي ينفذ من خلالها العامل الخارجي الباحث عن الإضرار بالشعب والدولة معا. أما بخصوص تأثير التدخل الخارجي الصريح فإنه أضحى حقيقة لا يمكن إنكارها في هذا الزمان بحكم شدة التنافس والصراعات على المصالح وتوافر أدوات عديدة جديدة على الفكر الإنساني تسهل التأثير المعادي على الداخل الوطني، ودون التقليل من خطورة ذلك، فإن المناعة الوطنية هي حائط الصد لأي تهديدات خارجية. وتتحقق هذه المناعة من خلال تعميق الوعي الوطني بالمكاشفة والصراحة والمصداقية في الوفاء بالوعود، والعمل على توفير متطلبات الوفاء بالحقوق الأساسية، وبانتهاج طريق الحوار والتوافق في مواجهة الأزمات الداخلية. فالوحدة الوطنية لا تتحقق بالمناشدات والبيانات أو التعبئة والحشد المعنوي بقدر ما تتحقق بتوفير متطلباتها، وتبقى هي الخيار الممكن والأفضل أيضا في مواجهة التهديدات الخارجية. ولم بعد ذلك مقتصرا على منطقتنا العربية وحدها، بل ينطبق على كل المناطق الساخنة وما أكثرها في عالم اليوم.