«شيطان التفاصيل».. في اتفاق حفتر والسراج!

عماد عريان –

ما كادت أحرف البيان الذي أذيع في العاصمة الإماراتية أبو ظبي قبل أيام قليلة بشأن الاتفاق بين القطبين الليبيين خليفة حفتر وفايز السراج يجف حبرها حتى انطلقت جملة من التوقعات المتشائمة حول إمكان تنفيذ الاتفاق بين الرجلين على أرض الواقع بسبب التفاصيل والآليات التي اعتبرها البعض تزيد المشهد الليبي تعقيدا، ولكنها من حيث المبدأ تكرس مقولة «إن الشيطان يكمن في التفاصيل»، وحقيقة الأمر أن مثل هذه التوقعات المتشائمة- بدرجات متفاوتة- قد تنطوي على شيء من المنطق والواقعية السياسية، ولكنها ليست كل الحقيقة التي يمكن على أساسها تكوين وجهة نظر متكاملة حول الاتفاق الجديد.
فما تم إنجازه في اجتماع أبوظبي من حيث المبدأ هو في حد ذاته إنجاز كبير يستحق الإشادة والمتابعة والبناء عليه، وقد يبدو في عيون الكثيرين مجرد بداية لمرحلة صعبة مقبلة من التفاوض والتنفيذ الميداني،
إلا أن الاتفاق بين المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي وفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي- المنبثق عن اتفاق الصخيرات- هو أيضا تتويج لمراحل صعبة جدا من التفاوض متعدد المراحل والأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، وقد سبق التنويه في حينه بالجهود التي بذلتها مصر وأطراف عربية أخرى، خاصة دول الجوار لتسوية الأزمة الليبية، أو على أقل تقدير للحيلولة دون تفاقمها إلى حد المواجهات المسلحة المكشوفة، بما يستوجب الدعم العربي الجماعي الذي يسهل من وضع التصورات العربية موضع التنفيذ على أرض الواقع لإنقاذ الدولة العربية الشقيقة.
وكانت محادثات القاهرة بين الأطراف الليبية المعنية قبل أشهر قليلة قد انتهت بالإعلان عما يمكن تسميته بخريطة الطريق السياسية للخروج من المأزق الراهن في ليبيا، تزامنا مع حلول الذكرى السادسة لثورة الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي، وتهدف هذه الخريطة إلى إقرار عملية سياسية تنتهي مطلع العام المقبل بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية استنادا إلى كثير من بنود اتفاق الصخيرات الموقع في المغرب في ديسمبر 2015.
وأغلب الظن أن الاتفاق بين السراج وحفتر قد تضمن العديد من بنود اتفاق القاهرة خاصة فيما يتعلق بتفاصيل العملية السياسية المنتظرة، فبنوده لا تتعارض مع «الصخيرات»، كما ينص على توحيد الجيش الليبي وعمله تحت السلطة المتمثلة في المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، وكذلك محاربة الإرهاب بجميع أشكاله على كامل التراب الليبي، وتعديل التشكيلة الوزارية بما يضمن تمثيل كافة الأطراف، والتأكيد على وحدة ليبيا ورفض أي تدخل خارجي في شئونها، والمصالحة الوطنية وعودة المهجرين، وتشكيل فرق عمل مشتركة وفتح قنوات حوار جديدة للتنسيق والمتابعة، أضف إلى ذلك التعجيل بالاستفتاء على الدستور والدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة في موعد أقصاه مارس 2018.
وفي السياق ذاته أكد البيان الرسمي الصادر عن السراج عقب اللقاء الموسع على ضرورة وضع استراتيجية متكاملة لتطوير وبناء الجيش الليبي وتوحيد مؤسسات الدولة في إطار الشرعية والقانون والحفاظ على مبادئ ثورة السابع عشر من فبراير، وأوضح أن الطرفين أكدا على توحيد الجهود والإمكانيات لمحاربة المجموعات الإرهابية وفقا لما ورد في الاتفاق السياسي الليبي وعلى اتخاذ كافة التدابير التي تضمن التداول السلمي للسلطة وضرورة معالجة انتشار التشكيلات المسلحة وتنظيم حمل السلاح واحترام سيادة القانون والقضاء، والتهدئة في الجنوب الليبي، وتشكيل فرق عمل مشتركة وفتح قنوات تواصل مستمر.
هذه التفاصيل تعني بالفعل أننا أمام خطة عمل متكاملة وجادة لإنهاء الأزمة السياسية والأمنية في الدولة الليبية، وما يبعث على الارتياح أنها تحظى بدعم ومباركة الأطراف السياسية الأكثر تأثيرا على الصعيد الداخلي، حتى وإن اعتبر بعض السياسيين في الداخل أن مشكلة الدولة الليبية لا تنحصر في «لقاء السراج وحفتر» في تبرير رفضهم لنتائج قمة أبوظبي، بزعم رفضهم المطلق لأي دور للمشير حفتر واختلافهم على آليات تعديل الصخيرات، والأوضاع في الجنوب ومسألة الميليشيات المسلحة، إلا أنها تمثل انتصارا لنهج الحوار والتفاوض والخيار السياسي الذي لا بديل عنه لتسوية مجمل الأزمات العربية، ويدعم ذلك ما قاله نواب البرلمان المؤيدون للاتفاق السياسي في بيان مشترك إن من شأن لقاء أبوظبي تقريب وجهات النظر بين الفرقاء، معربين عن أملهم في أن تسفر مثل هذه اللقاءات عن مخرجات واضحة وصريحة، مطالبين هيئة صياغة الدستور بالعمل على إنجاز مهمتها وإحالة مسودة الدستور إلى البرلمان لكي يطرح للاستفتاء العام أملاً في إنهاء المرحلة الانتقالية والتأسيس لمرحلة جديدة .
وفي الغالب يحظى هذا الاتفاق بكثير من التأييد من أطراف عربية عديدة تكفل له النجاح ما لم تعبث «شياطين الظلام» الإقليمية والدولية لنسف الموقف برمته بتفاصيل أو جزئيات يمكن تجاوزها بمزيد من التفاوض، ويبقى المهم في هذه التحركات أنها تضع حجر أساس قويا للعمل بكل جدية لإنهاء الانقسام القائم بين الشرق والغرب بعدما أصبحت البلاد على شفا مواجهات مسلحة خطيرة غير مرغوب فيه داخليا وإقليميا. إلا أنه يظل خطرا قائما ما لم تتواصل المحادثات والاتصالات بين مختلف الأطراف بنفس الروح المسؤولة التي تعلي شأن الحوار لوضع الاتفاق موضع التنفيذ، وبدون أدنى شك يعد هذا الخيار- خيار الحوار والتفاوض- النهج الأمثل لتجاوز كل الصعاب مهما طال الزمن لأن البديل الآخر المتمثل في الخيار العسكري كما سبق الذكر له تبعات خطيرة خاصة إذا لم يكن موجها ومدروسا بشكل دقيق ليجيء في صورة العمليات الجراحية الدقيقة التي تستأصل الداء دون أن تصيب باقي الجسد بالتهابات خطيرة.
ويظل هذا الخيار مفضلا نظرا لأن هناك إرادة حقيقية واضحة بين مختلف الأطراف للتفاوض والتوصل إلى تسوية سياسية خاصة، وتجلت هذه الروح الإيجابية في أبوظبي ومن قبل في القاهرة وتونس والجزائر، وصلالة بسلطنة عمان، خاصة وأن المشكلات القائمة أو ما تبقى من قضايا خلافية لا يرقى على الإطلاق إلى مستوى التعقيدات الموجودة في مناطق نزاع أخرى من أمتنا العربية، حيث تتزايد المشكلات الطائفية أو المذهبية أو العرقية التي تحول دون التوصل لتسويات سريعة للازمات الجارية. ولهذا الحديث أهميته لحفز العزيمة لدى مختلف الأطراف السياسية الليبية بمواصلة التفاوض مهما كانت الصعاب والبعد تماما عن التهديد بأطراف خارجية للحصول منها على دعم عسكري وسياسي لتقوية موقفها في مواجهة الخصوم، في الوقت الراهن الذي تتواصل فيه الجهود العربية لنزع فتيل التوتر.
وليست مبالغة إذن التأكيد على أن الخيار العربي التفاوضي يعد الأفضل في مواجهة الخيار الغربي الذي يبدو أنه يفضل الحل العسكري بزعم مواجهة الكثير من التحديات الأمنية على رأسها «داعش» وضرب عصابات تهريب اللاجئين والهجرة غير الشرعية التي باتت تمثل خطرا جسيما على الدول الأوروبية خاصة في ضوء الهجمات الإرهابية في ألمانيا وبلجيكا ومن قبل في فرنسا، وهو توجه خاطئ لأن المشاكل القائمة في ليبيا جذورها سياسية أكثر منها أمنية ومن ثم يجب عدم الدفع باتجاه الحلول العسكرية.
تلك الحقائق تجعل من الضروري أن تتحرك جامعة الدول العربية، باتجاه النهج السلمي ودعم الأطراف العربية المعنية لتسوية المشاكل الليبية، ودعم الدولة الليبية نفسها بكل ما تحتاج من خبراء ومختصين في مجالات عدة، مرتكزة على جملة من العوامل في مقدمتها انحيازها لخيار التسوية السياسة لهذا الصراع واللجوء إلى الحوار ورفض التدخل الأجنبي والمحافظة على الهوية الوطنية للدولة والحيلولة دون تفكيكها وتقسيمها ودفع البلاد إلى المزيد من الاستقطاب على أسس عرقية وقبلية ودينية، والمؤكد أن للجامعة العربية دورا فاعلا ومؤثرا بعدما نجحت في بلورة توجهات رئيسية يمكن أن تشكل عنصرا مساعدا للجهود الدولية بدفع مختلف الأطراف لتبني الأسس التي من شأنها إنهاء الأوضاع المتوتر,ليس هذا فحسب، فأمام الجامعة الآن، دور عربي واضح وخاصة من جانب دول الجوار التي تبدي حرصا مخلصا على تقديم كل الدعم والإسناد السياسي للحوار الوطني الليبي وتدعو الأطراف الليبية للتحلي بالمرونة وإعلاء مصلحة ليبيا العليا وقد أثمر بالفعل في الوصول إلى قمة أبوظبي.
ولا شك في أن تأييد الجامعة للتحركات العربية ولخريطة الطريق التي برزت في القاهرة وتبلورت بشكل واضح ونهائي في أبوظبي، قبل أيام كأساس للتسوية، يوفر أرضية جيدة، أو بالأحرى غطاء إقليميا وعربيا مناسبا للتسوية المنشودة التي نفضلها «عربية»، لما لذلك من تأثير على قضايا عربية أخرى، ولعل المبادرة الإيجابية التي يمكن للجامعة العربية طرحها في الوقت الراهن، ترتكز على الإسراع في تقريب مواقف الأطراف الليبية، وتحويل المكتوب على الورق إلى حقائق ميدانية، وعدم انتظار تعيين مبعوث دولي جديد للأزمة الليبية خلفا لكوبلر، فقد أثبت العرب قدرة على فرض تصورات وتسويات سياسية، وعليهم أن يكرسوا ذلك دون تراجع أو استسلام، أو انتظار مخططات مفروضة من الخارج مفعمة بـ«شياطين التفاصيل» التي تهدم ولا تبني.