«مبادرة الحزام والطريق» وقيادة الولايات المتحدة

هيو هوايت / ستريتس تايمز- سنغافورة –
ترجمة- قاسم مكي –

سينعقد هذا الشهر أكبر اجتماع قمة دولية لهذا العام في بيجينج لمناقشة المشروع الأكثر طموحا في العالم. إنه «مبادرة الحزام والطريق» الصينية التي تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الدولي في القرن الحادي والعشرين بدمج اقتصادات أوروبا وآسيا وإفريقيا من خلال شبكة غير مسبوقة في متانتها من البني الأساسية للنقل والاتصالات. تبلغ تكلفة مشروع المبادرة، بحسب بعض التقديرات، تريليون دولار.

وهذا ما سيجعله أحد أكبر إن لم يكن أكبر برامج التنمية الاقتصادية في التاريخ. فهو يفوق كثيرا خطة مارشال الأمريكية التي أعادت بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
لا عجب إذن أن قادة كثيرين سيسافرون إلى بيجينج للحصول على حصة من المشروع. لقد أعلن وزير خارجية الصين مؤخرا عن تمثيل 110 بلاد وسيشمل ذلك حضور ما لا يقل عن 28 زعيما وطنيا في هذا المؤتمر منهم رؤساء روسيا وتركيا وكازاخستان وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا وباكستان والفلبين من آسيا بجانب قادة آخرين عديدين من أوروبا وإفريقيا.
لذلك سيكون المؤتمر بالغ الأهمية. هنالك دول لن تبعث بزعمائها منها الولايات المتحدة واليابان والهند ومعظم البلدان الأوروبية وأستراليا وسنغافورة. لكنها ستمثل في القمة بمستويات أدنى كثيرا. وليس صدفة أن هذه البلدان متحالفة مع أمريكا وغير مرتاحة من صعود الصين (أو من المفهوم أنها كذلك).
لذلك من الواضح أن هنالك الكثير الذي يتعلق بالمؤتمر بخلاف الاقتصاد البحت. ففي نظر أناس عديدين لا توجد حقا علاقة بين مبادرة الحزام والطريق (أو حزام واحد طريق واحد، كما تعرف) وبين الاقتصاد. ذلك أن المبادرة برمتها تتعلق بتوسيع نفوذ الصين الإستراتيجي والسياسي على حساب أمريكا. ربما أن ذلك نصف الحقيقة. ولكن علينا ألا نتجاهل المنطق الاقتصادي القوي الذي يشكل دعامة للحسابات الجيوسياسية.
في الحقيقة توجد عدة ضرورات اقتصادية وراء مبادرة الحزام والطريق الصينية منها الحاجة إلى تعزيز التنمية في المناطق النائية والمتخلفة داخل الصين نفسها والأمل في إيجاد منافذ للقدرات الإنتاجية الصينية البالغة الضخامة في صناعات أساسية مثل صناعة الفولاذ.
ولكن الدافع الرئيسي أكبر بكثير وأشد طموحا من ذلك. فالصين تريد تمتين وضعها في مركز شبكات الإمداد والتصنيع الدولية التي ستشكل مفتاح الاقتصاد الدولي في العقود القادمة. تدرك بيجينج أن صناعات الأجور المتدنية التي ظلت تغذي نمو الصين حتى الآن ستهاجر، مع نضج اقتصادها وارتفاع مستويات الدخل فيه، إلى بلدان أقل نموا تنخفض بها تكاليف الأيدي العاملة. لا يريد المخططون الاقتصاديون في الصين محاربة هذا الاتجاه ولكنهم يرغبون في تحويله إلى مصلحة الصين بتشييد موقع حصين لها في مركز شبكة سلسلة الإمدادات التي ستنشأ عن المبادرة. بهذه الطريقة يمكن للصين انتزاع حصة الأسد من الفرص الاقتصادية الأكثر تطورا والتي تحقق أجورا أعلى.
تتخذ مبادرة الحزام والطريق موضعا مركزيا في هذه الرؤية وبالتالي في مساعي تحقيق طموح الصين في أن تتحول إلى بلد متوسط الدخل. وهي تتشابك وتتعزز تبادليا مع الطموح المناظر للصين في تولي قيادة جهود تطوير التقنيات المفتاحية ورسم الاتجاهات الدولية بما في ذلك العناصر المهمة للبنية الأساسية مثل خطوط السكة الحديد الفائقة السرعة وشبكات البيانات في العقود القادمة.
بالطبع كل هذا حتى الآن مجرد رؤية جريئة. سيحتاج تحويل المبادرة لواقع إلى اصطفاف استثنائي للموارد والمهارات الفنية والالتزام السياسي والتعاون الدولي. ولا يمكن التسليم بتوافر أي منها.
لذلك يلزم أن يكون هنالك قدر معقول من الارتياب في هذا الصدد. ورغما عن ذلك سنجانب الحكمة إذا اعتبرنا مبادرة الحزام والطريق حلما غير قابل للتحقيق. فهي مسنودة بنفوذ وسمعة الرئيس شي جين بينج. وتتموضع في مركز رؤيته للصين وطموحه في ترقية مكانة الصين في العالم في أثناء فترة قيادته لها. إنه عازم على إنجاح المبادرة. وفي الصين اليوم، يعني هذا العزم الشيء الكثير. بصراحة، تعتقد بلدان عديدة حول العالم بوجوب التعامل الجاد مع المبادرة.
وهذا هو السبب في ذهاب هذا العدد الكبير من القادة إلى بيجينج هذا الشهر. لقد بدأت هذه المبادرة سلفا في تغيير المشهد الجيو اقتصادي والجيو سياسي.
ويمكننا أن نرى نتائجها الجيو اقتصادية المتوقعة بمقارنة ما تقوله لنا المبادرة عن رؤية الصين لمستقبلها الاقتصادي مع سياسات إدارة ترامب وما تقوله لنا عن الرؤية الاقتصادية لأمريكا. ففيما يستعد الرئيس شي للترحيب بالعالم في بيجينج للترويج لخطة تصدير الوظائف المنخفضة الدخل في قطاعات مثل صناعة الفولاذ إلى بلدان أخرى وتحويل العمال الصينيين إلى وظائف مرتفعة الدخل، يدشن الرئيس ترامب خطة لمنع استيراد الفولاذ بهدف إحياء صناعة الفولاذ الأمريكية. فهو يريد إعادة تشغيل عمال الولايات المتحدة في الوظائف التي تريد الصين إخراج العمال الصينيين منها.
لا يمكن أن يكون التباين (بين وضعي البلدين) أشد وضوحا من هذه المفارقة. فأمريكا تريد تقليص دورها في الاقتصاد العالمي والتشبث بالصناعات القديمة في حين تأمل الصين في تعظيم دورها العالمي ونقل اقتصادها إلى صناعات جديدة.
ونحن لسنا في حاجة إلى تخمين أي الرؤيتين ستكون لها الغلبة. يعيدنا هذا مرة أخرى إلى المعادلة الجيوسياسية والاستراتيجية. فمن الواضح أن القادة الذين يختارون عدم الذهاب إلى بيجينج هذا الشهر لهم الحق في الخشية من أن تكون لمبادرة الحزام والطريق أهمية جيوسياسية ضخمة.
فحتى إذا حققت جزءا بسيطا فقط من طموحاتها، ستكون أداة قوية للنفوذ الصيني في آسيا وما وراءها. وستمضي بعيدا نحو تمتين مطالبها فيما يخص قيادة العالم على حساب أمريكا. ولكن هؤلاء القادة مخطئون إذا تخيلوا أن في إمكانهم منع حدوث ذلك فقط بعدم الذهاب إلى بيجينج.
عليهم تقديم البديل. وإذا كانت أمريكا عازمة حقا وكذلك حليفاتها على مقاومة تحدي الصين للنظام العالمي الليبرالي القديم بقيادة الولايات المتحدة فعليهم التصدي لرؤية بيجينج القوية لاقتصاد عالمي مستقبلي يتمركز حول الصين. ولكي يفعلوا ذلك فإنهم بحاجة إلى رؤية اقتصادية عالمية خاصة بهم تتصف بنفس القدر من القوة والطموح.
•الكاتب أستاذ الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الوطنية الأسترالية في كانبيرا.