نحو نظام سياسي عالمي جديد

عماد عريان –

لن يكون الحديث هنا عن النظام السياسي العالمي الجديد الذي فرضه من جانب واحد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب مستفيدا من إرهاصات انهيار المعسكر الاشتراكي ومؤشرات سقوط الثنائية القطبية في إدارة شؤون العالم مع انتصار المعسكر الرأسمالي الغربي في الحرب الباردة ثم هيمنة الولايات المتحدة على شؤون العالم مستفيدة في ذلك من قوتها العسكرية والاقتصادية والثقافية والعلمية الهائلة.
ولكن السطور التالية ربما تحمل مطالب أو مناشدات أوحتى تمنيات أكثر منها توقعات لبناء نظام سياسي جديد يستجيب لكثير من المتغيرات السياسية والاقتصادية العالمية بحيث يحقق الكثير من التوازن العالمي والعدالة الدولية ويحفظ السلم والأمن الدوليين بآليات أكثر فعالية من تلك القائمة في الوقت الراهن، وأغلب الظن أن النهايات التي ستكتب أو التي ستنتهي عليها صراعات العالم في الوقت الراهن ستلعب دورا حاسما في تحديد شكل النظام السياسي العالمي الجديد المنشود أو المتوقع وعلى رأسها بالقطع أزمات الشرق الأوسط وخاصة في سوريا والعراق وكذلك المواجهة مع إيران وأزمة شبه الجزيرة الكورية التي تمثل في حد ذاتها نماذج صارخة لفشل النظام الدولي الراهن في التعاطي مع القضايا الأمنية الكبرى، ومن رحم تلك الأزمات سيولد في الغالب النظام السياسي العالمي الجديد.
وقد يكون من المناسب أن نشير إلى أن «النظام العالمي الجديد» مصطلح استخدمه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب – كما سبق الذكر- في خطاب وجهه إلى الأمة الأمريكية بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج بعد أسبوع واحد من نشوب أزمة الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990، وفي معرض حديثه عن هذا القرار تحدث عن فكرة «عصر جديد»، و«حقبة للحرية»،و«زمن للسلام لكل الشعوب»، وبعد ذلك بأقل من شهر وتحديدا في11 سبتمبر 1990، أشار إلى إقامة «نظام عالمي جديد» يكون متحرراً من الإرهاب، فعالاً في البحث عن العدل، وأكثر أمناً في طلب السلام، عصر تستطيع فيه كل أمم العالم غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً أن تنعم بالرخاء وتعيش في تناغم، على حد قوله.
واعتبر دعاة النظام العالمي الجديد آنذاك أن ما يدعو إليه النظام هو شكل من أشكال تبسيط العلاقات وتجاوز العقد التاريخية والنفسية والنظر للعالم باعتباره وحدة متجانسة واحدة،وحسب رؤيتهم هو «نظام رشيد» يضم العالم بأسره، فلم يعد هناك انفصال أو انقطاع بين المصلحة الوطنية والمصالح الدولية وبين الداخل والخارج، وهو يحاول أن يضمن الاستقرار والعدل للجميع بما في ذلك المجتمعات الصغيرة ويضمن حقوق الإنسان للأفراد، ومن الطبيعي أن يكون أبرز المؤيدين لهذا الطرح في حينه الولايات المتحدة واليابان وأغلبية الدول الأوروبية على أساس أن هذا النظام بوسعه أن يحقق قدرا معقولا من النجاح بسبب وسائل الإعلام الغربية «العالمية على حد قولهم» والتي حولت العالم إلى قرية صغيرة، فتدفق المعلومات يجعل المعلومات متاحة للجميع، الأمر الذي يحقق قدرا من الانفتاح في العالم وقدرا كبيرا من ديمقراطية القرار، وقد أدّى انهيار المنظومة الاشتراكية والتلاقي بين المجتمعات الغربية الصناعية واختفاء الخلاف الأيديولوجي الأساسي في العالم الغربي إلى تقوية الإحساس بأن ثمة نظاماً عالمياً جديدا وإلى أنه لم تعد هناك خلافات أيديولوجية تستعصي على الحل، وفقا لرؤيتهم.
أما المعارضون الأساسيون لهذه الأفكار فكان في مقدمتهم الدول الإسلامية حيث اعتبروا أن النظام العالمي الجديد لا يمكن ان يتحقق إلا بالقضاء على الدين الإسلامي وعلى أي معتقد آخر يؤمنون به ليجعلوا من العالم فكرا واحدا ودينا واحدا أو بالمعنى الأوضح (عقيدة واحدة) ليسهل السيطرة عليهم، ومن الطبيعي أن يكون من بين المعارضين لهذه الأفكار- التي مثلت فيما بعد الأساس العملي لنظرية «العولمة» الأمريكية في حكم العالم- مجموعة من دول المعسكر الشيوعي السابقة والصين والنظم اليسارية الصاعدة في أمريكا اللاتينية.
وحقيقة الأمر انه لا يمكن التعامل مع هذه الأفكار أحادية الجانب التي تم فرضها من قبل واشنطن في ظروف سياسية معينة يمر بها العالم على أنها أسس لنظام سياسي عالمي جديد كونها مجرد مجموعة من القيم الكونية المراد ترويجها لإزالة الحدود بين الدول حتى وإن تطلب ذلك إسقاط السيادة المحلية للدول، وأكبر دليل على ذلك هو الحروب العديدة التي اندلعت في ظل التوجهات الجديدة، وعجز المؤسسات الدولية وعلى رأسها بالقطع الأمم المتحدة عن تسوية الصراعات العديدة في العالم، علاوة على إصرار الولايات المتحدة على الانفراد بإدارة شؤون العالم حتى ولو كان ذلك على حساب تجاوز قرارات مجلس الأمن وتجاهل قواعد ومبادئ القانون الدولي في بعض الأوقات على غرار ما حدث في الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وأخيرا الضربات الصاروخية الأمريكية للأراضي السورية بدون أي تفويض من أي جهة دولية.
لقد رأى زبيجنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق قبل سنوات قليلة أن العالم يواجه تحديا مشتركا أبرز ملامحه تعرض السلام العالمي للتهديد، ليس بسبب التعصب الأيديولوجي وإنما بسبب تشابك غير مستقر متأصل في ظاهرة الصحوة السياسية العالمية غير المستقرة، وكذلك انطلاقا من حقيقة أنه في عصرنا هذا يمكن تعزيز الاستقرار العالمي فقط عن طريق التعاون واسع النطاق، وليس من خلال الهيمنة الإمبريالية، ويرى أن العالم في القرن الحادي والعشرين أصبح كله الآن مستيقظاً سياسياً للمرة الأولى في تاريخ البشرية، وتبدو شعوب العالم وكأنها لا تهدأ، انها أكثر ترابطاً، وساخطة جراء الحرمان الاجتماعي النسبي وترفض بشكل متزايد سيادة التعبئة السياسية السلطوية، ويترتب على ذلك استنتاج أن المشاركة الديمقراطية تشكل على المدى البعيد أفضل ضمان للتقدم الاجتماعي والاستقرار السياسي على حد سواء، ويؤكد أن الصعوبات الكامنة في صياغة استجابات عالمية مشتركة للأزمات السياسية والاقتصادية تهدد بظهور فوضى دولية لن تستطيع ألمانيا وحدها ولا روسيا وحدها ولا تركيا وحدها ولا الصين وحدها ولا حتى الولايات المتحدة وحدها أن تقدم لها استجابة فعالة، وفي واقع الأمر فإن الاضطرابات العالمية المحتملة المتزامنة مع ظهور تهديدات جديدة لرفاهية الجميع وحتى لبقاء الإنسان نفسه لا يمكن معالجتها بفعالية إلا في إطار قدر أكبر من التعاون والذي يكون قائماً على أساس قيم ديمقراطية مشتركة أوسع نطاقاً.
هذه الحقائق تترسخ يوما بعد يوم على أرضية الميدان العالمي حيث بات الفشل الأمريكي في قيادة العالم بشكل منفرد أمر جلي، وبالقطع هناك حاجة الآن لنظام سياسي عالمي جديد يعترف بتلك الحقائق وعلى راسها وجود قوى كبرى أخرى اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وبشريا وتجاريا بمقدورها أن تغير الكثير من الحقائق ومجريات الأحداث على الصعيد العالمي مثل الصين وروسيا والهند وبالتأكيد الكتلة الأوروبية ، و ثم يجب أن تكون لها صوت مسموع وقرارات نافذة على الصعيد العالمي، وحتى القوى الصغيرة الأقل حجما والأضعف تأثيرا وتتمركز بشكل أساسي في افريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية تحتاج إلى رؤية دولية مختلفة تماما في التعامل معها، ومعالجة مشكلاتها بكل جدية لأن القوى الكبرى تحتاج إلى أسواقها ومواردها الضخمة مما يجعل من العدالة الدولية أن يتم تطوير وتنمية هذه الدول تنمية شاملة بمساعدات فعالة من القوى الكبرى.
ليس هذا فحسب ولكن من المحتم إقرار القوى الكبرى بفشل النظام السياسي العالمي الذي ولد من رحم الحرب العالمية الثانية وتم تعديله في أعقاب انهيار المعسكر الشيوعي ، وعجز هذا النظام عن حماية السلم والأمن الدوليين بإرادة سياسية حقيقية وآليات فعالة لمعالجة الأزمات الدولية الكبرى ونزع فتيلها في مراحل مبكرة،ولا شك في أن مثل هذا الاعتراف سيترتب عليه البحث عن آليات جديدة ومؤسسات سياسية دولية مختلفة سواء بتطوير تلك الموجودة بالفعل تطويرا هيكليا شاملا أو إنشاء أخرى جديدة وبديلة لها وفقا لقواعد متطورة تلبي احتياجات المنظومة السياسية الدولية بشكل أكثر عملية وفاعلية ، وأغلب الظن أن الحاجة إلى مثل هذا النظام باتت أمرا ضروريا وحيويا للحيلولة دون اندفاع العالم نحو أتون من الجحيم لتشعب صراعاته المتعددة وظهور مؤشرات خطيرة على إمكانية تفجر صراعات أخرى تهدد بقاء البشرية ذاتها.