عندما تحترق الأصابع … نعود للدرس نفسه !!

د. عبد الحميد الموافي  –

ان التجربة والدرس اثبتا مرة اخرى انه لا مناص من ذلك في النهاية وان سفينة النفط لا يوجهها قبطان واحد ، وأنها في رحلتها في البحار الهائجة تتأثر بعوامل كثيرة ، بما في ذلك الشائعات أو الأرقام المصنوعة حول الإنتاج والتصدير والالتزام وغيرها .
بالرغم من ان النفط في منطقة الخليج بوجه خاص، والشرق الأوسط بوجه عام ، دخل منذ وقت مبكر، كعنصر من عناصر الصراع والتنافس بين القوى الاستعمارية ، التي اهتمت بالشرق الأوسط وحاولت السيطرة عليه ، إلا انه ظل لعقود عديدة أمرا يخص الدول الاستعمارية ، التي كانت تقوم بالتنقيب والاستخراج والنقل إليها أو الى الأسواق العالمية ، وكانت الدول العربية وغيرها من الدول التي تم استكشاف النفط فيها ، راضية بما تمنحها إياها الدول الاستعمارية من عائدات لحكامها بالطبع ، فهذه ثروة لا نعرف عنها شيئا، وهم الذين اكتشفوها ويستغلوها ، ومع انطلاق واتساع حركة التحرير الوطنية في الشرق الأوسط ، وتفتح العيون الوطنية على هذه الثروة ، بدأ الاهتمام بها من جانب الدول المنتجة ، بدرجات محدودة وخجولة ، خاصة وان درس الإطاحة بحكومة مصدق في إيران في بداية خمسينات القرن الماضي ، كان ماثلا أمام الكثيرين . ومع ان الدول المنتجة والمصدرة للنفط قامت بإنشاء منظمة أوبك عام 1960 ، إلا ان الأمر ظل تحت السيطرة ، إذ كانت أسعار النفط في الأسواق العالمية لا تذكر، وحتى حرب أكتوبر عام 1973 ، كانت الأسعار اقل من ثلاثة دولارات للبرميل ، كما كان حجم الإنتاج محدودا نسبيا ، بحكم التقنية في ذلك الوقت ، ولذا فإن إقدام بعض الدول العربية المنتجة للنفط – وتزعمتها السعودية تحت حكم الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز – على حظر، أو بمعنى أدق تخفيض الإنتاج بالنسبة للولايات المتحدة وهولندا والدول الغربية الداعمة لإسرائيل ، كان له صدى كبير، ليس فقط بالنسبة لأسواق النفط ، حيث ارتفعت الأسعار تدريجيا وبشكل متواصل لتتجاوز عشرة دولارات للبرميل ، ولكن أيضا بالنسبة للبعد السياسي ، وإقدام الدول العربية المنتجة للنفط على استخدام النفط كسلاح سياسي، لأول وآخر مرة بالطبع ، ضد بعض الدول الغربية . وبذلك بدأت المعادلة القديمة تتغير عمليا ، وبدأت الدول العربية المنتجة للنفط تهتم اكثر بمواردها النفطية وتحاول السيطرة التدريجية عليها، وتغيير عقود الاستكشاف والإنتاج ، أو بعض بنودها على الأقل ، تحظى باهتمام متزايد، برغم ثقل السيطرة الغربية التقنية والعملية على هذه الصناعة ، وإدراك الدول العربية للحدود التي يمكن لها ان تعمل في نطاقها بالطبع ، خاصة وأنها وحكوماتها في حاجة متزايدة للعائدات النفطية .
ومنذ سبعينات القرن الماضي ، وحتى الآن ، لم يعد النفط مجرد سلعة تحكمها الاعتبارات الاقتصادية المتمثلة في عوامل السوق ، كالعرض والطلب والتأمين والنقل وغيرها ، ولكنه اصبح سلعة استراتيجية بالمعنى الكامل لذلك، سياسيا وعسكريا واقتصاديا أيضا ، خاصة وان النفط يظل يمثل مصدر الطاقة الأساسي للدول الغربية وغيرها ، ومصدر تشغيل الآلة الاقتصادية والعسكرية على امتداد العالم . ويكفي الاطلاع على وثائق، تسرب بعضها، حول المدى الذي يمكن ان تصل إليه الولايات المتحدة والدول الغربية ، من اجل تأمين إمداداتها النفطية القادمة من دول الخليج مثلا ، صحيح ان الدول العربية المنتجة للنفط أعلنت و( بالفم المليان ) ان النفط لن يكون سلاحا – في مواجهة الغرب الصديق بالطبع – ولكن الصحيح أيضا ان الدول الغربية بدأت على الفور في وضع سياسات وبرامج فردية وجماعية لمواجهة أية أزمة نفطية أو محاولة اخرى من العرب لاستخدام النفط كسلاح ، ثم ظهرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ، التي تضم الدول الغربية المستهلكة للنفط ، كما ان تصريحات هنري كيسنجر داهية السياسة الأمريكية في السبعينات معروفة على نطاق واسع ، بل انه ظهر اتجاه ، وحتى مواقف ومحاولات لبيع الدول الخليجية المياه ، مقابل النفط ، وتصريحات رئيس وزراء تركيا السابق تورجوت اوزال ، بشأن ان برميل المياه – الذي أرادت تركيا بيعه لدول الخليج العربية – أغلى من برميل النفط معروفة أيضا . وهذه المواقف وغيرها كثير تشير بوضوح الى ان النفط وأسعاره وسياسات وشروط التنقيب والإنتاج ، وتقسيم العوائد بين الشركات المنتجة والدول العاملة في أراضيها ، ليس قضية اقتصادية ، وانه لا يخضع فقط لعوامل السوق ، حتى لو اقسم المنتجون على المصحف ، وليس مصادفة أبدا ان يظهر اتجاه ، تقوده الصين ، خاصة مع الدول الإفريقية ، وهو اتجاه المشاركة في ملكية بعض آبار النفط ، وهو اتجاه يزداد اتساعا ، إذ تسعى الهند الى السير على هذا الطريق ، قدر الإمكان ، والهدف هو تأمين عمليات الإنتاج تحت كل الظروف ، والحد من تأثير الدول المنتجة للنفط على عمليات الإنتاج ، وذلك بمبرر تأمين الواردات تحت كل الظروف باعتبار ذلك مسألة امن قومي لتلك القوى الصاعدة ، وهو ذاته بالنسبة للقوى الغربية . واذا كانت هذه الاطلالة السريعة ضرورية ، كإطار لتناول ما تعانيه أسواق النفط من انخفاض حاد في الأسعار منذ منتصف عام 2014 ، أي منذ ما يقرب من ثلاث سنوات ، فانه يمكن الإشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب ، لعل من أهمها ما يلي :
*أولا : انه من المهم والضروري الإشارة الى حقيقة ان الدول الغربية ، استطاعت من خلال منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان تصل الى خطط وبرامج تعاون فيما بينها تقوم على اقتسام وتوزيع الموارد النفطية المتوفرة لديها ، والتي تحصل عليها من الأسواق، بشكل يؤمن احتياجاتها لشهر على الأقل في حالة الأزمات ، ولجأت بالفعل وبزعامة واشنطن الى بناء مخزونات استراتيجية من النفط ، بشكل فردي وجماعي للحد من احتياجاتها لبعض الوقت ، إذا حدثت أزمة اخرى أو حظر عربي للنفط ، لن يحدث ، بل ان الدول المستهلكة أخذت تلجأ الى استخدام مخزونها النفطي للتأثير في السوق أحيانا لدفع الأسعار الى الهبوط ، ومن جانب آخر فانه من المعروف ان الدول المنتجة والمصدرة للنفط الأعضاء في منظمة أوبك ، لا تمثل بحجم إنتاجها اليومي من النفط سوى نحو ثلث طاقة أو حجم إنتاج النفط ، حوالي 30 مليون برميل يوميا من نحو 90 مليون برميل على مستوى العالم، ويعني ذلك ان أوبك ليست المنتج المؤثر وحده في سوق النفط العالمية ، فهناك أمريكا وروسيا والدنمارك وبريطانيا والدول اللاتينية والإفريقية المنتجة للنفط وهي ليست أعضاء في أوبك ، وعلى ذلك لا تستطيع أوبك وحدها التوجيه الكامل لأسواق النفط في العالم ، أو التحكم في الأسعار ، وان كانت تظل قوة مؤثرة بالتأكيد . وليس ادل على ذلك من ان انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية قبل نحو ثلاث سنوات واستمر برغم إضراره الكبير بدول أوبك وغيرها من الدول المنتجة للنفط . ومن هنا تحديدا فإن إنعاش الأسعار مرة اخرى لا يتوقف فقط على قرارات أوبك ، ولكنه يتوقف أيضا على مواقف الدول المنتجة للنفط من خارجها، وهذا هو جوهر الدرس الذي تكرر مرات عدة منذ أواخر الثمانينات ، ومنتصف التسعينات ، ثم مرة اخرى منذ منتصف عام 2014 .
*ثانيا : انه برغم كل ما قيل ويقال موسميا بالطبع ، بشأن ضرورات الحد من الاعتماد على العائدات النفطية ، بالنسبة للدول المنتجة والمصدرة للنفط ، خاصة تلك التي تعتمد كثيرا على تلك العائدات، إلا ان عجلة الأحداث ، وإلحاح برامج التنمية ، والحاجة الى انجاز مشروعات تفيد المواطنين بأسرع ما يمكن في بعضها على الأقل ، جعل العائدات النفطية عنصرا بالغ الأهمية في موازنات وبرامج التنمية للدول المنتجة والمصدرة للنفط ، سواء كانت أعضاء في أوبك أو غير أعضاء بها . ومن جانب آخر فانه نظرا لأن الدول المستهلكة للنفط في العالم يسعدها انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية ، فمصائب قوم عند قوم فوائد ، لأن انخفاض الأسعار يخفض فواتير استيراد النفط بالنسبة للدول المستهلكة ، فإنه ظهرت محاولات التعاون أو التنسيق، بشكل ما بين الدول المنتجة والمصدرة للنفط وبين الدول المستهلكة له ، حول ما يسمى في أدبيات النفط بالسعر العادل، أو المعقول أو المتوازن للنفط ، والمقصود به السعر القادر على تحقيق مصالح المنتجين والمستهلكين المتعارضة ، فلا السعر شديد الارتفاع مناسب للمستهلكين ، ولا السعر شديد الانخفاض مناسب للمنتجين ، خاصة وان أسعار النفط في الأسواق العالمية تؤثر بشكل كبير على عمليات الاستثمار في هذا المجال ، وعلى عمليات البحث لتطوير مصادر الطاقة البديلة والنظيفة ، وهو ما أدى مثلا الى ظهور النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة ، بل وتحوله الى عنصر ذي تأثير ما في أسعار النفط العالمية . ولذا فان السعر العادل والمتوازن هو سعر متوسط يخدم المستهلكين ولا يضر المنتجين ، ويقدر هذا السعر الآن بما يتراوح بين 55 الى 65 دولارا للبرميل هذا العام 2017 ، وهو سعر غير ثابت بالطبع ولكنه يتأثر بعوامل عديدة من جانب الدول المنتجة والمستهلكة والأوضاع الإقليمية والتوقعات والمضاربة في أسعار النفط والصراعات الدولية . ومن هنا فإنه من المهم والضروري العمل ، بمختلف الوسائل لتحقيق اكبر درجة ممكنة من التعاون والتنسيق بين دول أوبك والمنتجين من خارجها وبين الدول المستهلكة أيضا ، خدمة للمصالح المشتركة بالطبع .
*ثالثا : انه ليس صحيحا ، وليس سهلا أيضا ، ان بعض دول أوبك هي التي دفعت نحو انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية ، وبنسبة تجاوزت 60 % تقريبا عما كانت عليه في منتصف عام 2014 . بالطبع هناك تحركات وعوامل من جانب بعض الدول المنتجة للنفط والمؤثرة أيضا ، دفعت – الى جانب عوامل اخرى بالتأكيد – الى انخفاض الأسعار ، الذي تضررت وتتضرر منه كل الدول المنتجة والمعتمدة على العائدات النفطية . وبعد مرور اكثر من عامين، تقلصت القدرة على تحمل استمرار الانخفاض في الأسعار ، ومع بدء احتراق الأصابع بسبب استمرار وازدياد حجم العجز في الموازنات لتلك الدول ، بدأت العودة الى البحث عن التوافق بين الدول المنتجة للنفط ، داخل أوبك أولا ، ثم بينها وبين المنتجين من خارجها ثانيا ، ومع الدول المستهلكة للنفط ثالثا، في محاولة للتوصل الى ما يخدم المصالح المشتركة فيما بينها جميعها .
وبالتأكيد لم تكن هناك حاجة حقيقية لمرور كل تلك الأشهر ، ولا للعناد المتبادل أحيانا ، ولكن هذه هي أفاعيل السياسة أحيانا . ولأن انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية لعبت وتلعب فيه الولايات المتحدة والدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية دورا مؤثرا ومستمرا أيضا، فان العودة من جانب دول أوبك الى جوهر الدرس التقليدي في هذا المجال ، وهو ضرورة توافقها هي أولا داخل أوبك ، كان ضرورة . وكان قرار ديسمبر الماضي بالاتفاق على تخفيض حجم الإنتاج داخل أوبك بنحو 2.1 مليون برميل ومن الدول المنتجة للنفط من خارج أوبك بنحو 600 ألف برميل يوميا ، قرارا ضروريا ومفيدا لدول أوبك وغيرها ، خاصة مع التزام تلك الدول به ، وهو ما أدى الى تحسن ملموس في الأسعار منذ بداية هذا العام . والمؤكد ان الحفاظ على هذا التحسن ودفع الأسعار نحو السعر العادل للدول المنتجة والمستهلكة ، يحتاج الى مزيد من الالتزام بتخفيض حجم الإنتاج – حسبما تم الاتفاق عليه في فيينا في ديسمبر الماضي – ويحتاج في الوقت ذاته الى التنسيق بشكل اكبر مع الدول المستهلكة ، خدمة للمصالح المشتركة ، خاصة وان التجربة والدرس اثبتا مرة اخرى انه لا مناص من ذلك في النهاية وان سفينة النفط لا يوجهها قبطان واحد ، وأنها في رحلتها في البحار الهائجة تتأثر بعوامل كثيرة ، بما في ذلك الشائعات أو الأرقام المصنوعة حول الإنتاج والتصدير والالتزام وغيرها . فهل وعينا الدرس أم نحتاج الى ان تحترق الأصابع ، أصابع الجميع ، مرة اخرى. ؟