النفط الحائر بين جنون الهبوط .. والسعر المأمول

د . عز الدين حسنين –

استقرار أسعار النفط لن يحدث إلا في حالة خفض الإنتاج ووضع سقف له، وسقف مستهدف للسعر خلال الفترة القادمة لا يقل عن ٧٥ دولارًا للبرميل يتماشى مع تنامي النشاط الاقتصادي الصيني والياباني المحركين الأساسيين للاقتصاد العالمي

لا شك أن المثلث السلعي الذي يقود العالم منذ عقود طويلة مضت وحتى الآن هو النفط والذهب والدولار، فكل ضلع من أضلاع المثلث الأخطر في العالم له تأثير على الاقتصاد العالمي وخاصة سوق النفط وتأثيراته سواء الإيجابية أو السلبية على اقتصادات دول العالم، فأي تحريك لسعر برميل النفط صعودًا وهبوطًا يسبب العديد من النتائج على الاقتصاد العالمي، ويلعب الدولار دورًا محوريًا في صناعة النفط، فعندما يرتفع سعر صرف الدولار مقابل العملات الرئيسية ينخفض الطلب على النفط بسبب ارتفاع تكلفته أمام الدول المستهلكة له من دول العالم وخصوصًا الدول الصناعية التي تعتمد على النفط كمادة أولية أساسية في الصناعة.
وبسبب ارتفاع الدولار يحدث انخفاض لجميع العملات الرئيسية أمام الدولار مما يسبب تضخمًا هائلاً لدى الدول المستوردة للنفط مما يتسبب في ارتفاع تكاليف إنتاجها، وبالتالي تنخفض تنافسية منتجاتها التصديرية حول العالم بخلاف ارتفاع تكاليف المعيشة في تلك الدول مما يضطرها إلى خفض طلبها على النفط عالميًا والمستفيد الوحيد في حال ارتفاع الدولار هو الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أكبر مستهلك للنفط في العالم لأغراض عسكرية واقتصادية وجيوسياسية، فالولايات المتحدة تستفيد من ارتفاع الدولار في زيادة استيرادها للنفط من دول الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه الولايات المتحدة لديها مخزونات كبيرة من النفط وتنتج وتساهم في الصادرات النفطية في العالم، فهي مستفيدة من شراء النفط بأسعار منخفضة بسبب ارتفاع سعر الدولار ومستفيدة بعائدات صادراتها للنفط الأمريكي بسعر دولار مرتفع، والمتضرر الأساسي سيكون الدول المصدرة للنفط التي تتأثر عائداتها الدولارية بفعل التضخم الناجم عن انخفاض عملتها المحلية أمام الدولار.
‎مرت أسعار النفط بعدد من المحطات التاريخية التي أدت إلى تذبذبها عبر تاريخ النفط الذي يمتد لأكثر من ١٥٠ عامًا فقد تراوحت أسعار النفط الخام خلال الفترة من عام 1948 حتى عام ١٩٧٠ ما بين ٢.٥ إلى ٣ دولارات بعد ذلك تضاعف هذا السعر مع نهاية عام 1974 أربع مرات متجاوزًا 12 دولارًا للبرميل بعد أن حظرت الدول العربية تصدير النفط الخام إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية ردًا على دعمها لإسرائيل خلال حربها مع العرب ‎ثم استقرت أسعار النفط العالمية خلال عام 1974 حتى عام 1978 ما بين ١٢ دولارًا للبرميل و13 دولارًا للبرميل.
تطورت بعد ذلك أسعار النفط بعد الأحداث المتسارعة بمنطقة الشرق الأوسط فقد أسفرت الصراعات الإقليمية بالشرق الأوسط خاصة الحروب التي حدثت بين إيران والعراق عام 1980 إلى زيادة أسعار النفط إلى الضعف تقريبًا ووصول سعر برميل النفط إلى ١٤ دولارًا ثم وصل عام ١٩٨١ إلى ٣٥ دولارًا تقريبا ثم حدث انخفاض لأسعار النفط خلال الفترة من ١٩٨٣ إلى ١٩٨٥ مما اضطر دول الأوبك إلى وضع حصص إنتاج منخفضه حتي تستقر الأسعار إلا أن المحاولات باءت بالفشل لعدم التزام الدول الأعضاء بحصص الإنتاج بزيادة إنتاجها عن المستوى الذي تم الاتفاق عليه إلى تسبب ذلك إلى هبوط أسعار النفط عام ١٩٨٦ إلى مستوى تاريخي لأقل من ١٠ دولارات، إلا أن الأسعار ظلت تتأرجح ما بين الارتفاع والانخفاض وفق ظروف العرض والطلب العالمي حتي وصلت إلى أعلى سعر في تاريخ النفط في عام ٢٠٠٨ ووصوله إلى مستوى تاريخي، وهو ١٤٧ دولارًا للبرميل بسبب مشاكل مناخية حول العالم والإنفاق العسكري على حروب ومناورات عسكرية حول العالم مما ضاعف من الطلب على النفط بخلاف النمو العالمي وتنامي اقتصاديات دول شرق آسيا، وعلى رأسها الصين وانخفاض سعر الدولار مقابل العملات الرئيسية.
ومن المعروف أن الاحتياطيات العالمية من النفط تصل إلى نحو تريليون وربع تريليون برميل وتحتوي منطقة الشرق الأوسط على نسبة 61.5% من النفط الخام أي حوالي 737 مليار برميل تليها أوروبا بنسبة 12% أي 144 مليار برميل ثم القارة الإفريقية بنسبة ٩.٥ % أي 118 مليار برميل ثم أمريكا الوسطى والجنوبية بنسبة 8.6% أي حوالي 104 مليارات برميل بعدها تأتي أمريكا الشمالية بنسبة 5% أي بمقدار 60 مليار برميل ثم آسيا الباسفيك بنسبة 3.4% بما يصل إلى 41 مليار برميل، وتعتبر السعودية من أكبر الدول النفطية المصدرة للبترول في العالم ومتصدرة دول الأوبك بصادرات يومية في حدود ١٠ ملايين برميل يوميًا، وحاليا تجري مباحثات عديدة بين دول الأوبك من أجل الحفاظ على أسعار مستقرة للنفط خصوصًا بعد تدني الأسعار ووصول سعر برميل النفط إلى ٥٠ دولارًا تقريبا وسيستمر السعر متأرجحا ما بين ٤٠ دولارًا تقريبا و٦٠ دولارًا مما تسبب هذا الانخفاض في مشاكل مالية عديدة لدول الأوبك وخاصة دول الخليج مثل السعودية والكويت وغيرهما وبدأت تعاني ميزانياتهم خللا ماليا وعجزًا ماليًا كبيرًا دعا عدد من الدول النفطية لأول مرة في تاريخها المالي إلى الاستدانة واتباع سياسات مالية تقشفية من أجل الحفاظ على مستويات الإنفاق العام الضخم إلى مستويات مستقرة.
الدول المصدرة للنفط عالميًا، ومنها روسيا أيضًا بدأت تعاني من هذه المشاكل المالية الآن ومع ذلك ترى دول الأوبك، وعلى رأسها السعودية الاستمرار في الإنتاج وعدم المساس بالحصة التصديرية لها في الأسواق العالمية ولعل من أسباب إصرار السعودية على الاستمرار في الإنتاج بنفس الحصص وتحت هذا السعر المتدني هو الآتي:-

– الحفاظ على أسواقها في الخارج وخاصة في أوروبا وآسيا حتى لا تدخل دول أخرى منافسة مكانها وخاصة أمريكا التي لديها مخزونات هائلة من النفط وتنتج النفط الصخري المنافس لها حاليًا.
– ضرب الشركات الأجنبية التي تنتج الزيت الصخري والتي تعتمد على الاقتراض من البنوك العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج لهذا النوع من النفط والتي تصل إلى نحو ٦٠ دولارًا للبرميل مما يكبدها خسائر جسيمة.
– محاولات ضرب إيران وروسيا التي تقف في معسكر واحد ضد مواقف السعودية في سوريا واليمن.
– ضرب موارد داعش التي تسيطر نسبيًا على عدد من مواقع نفط دول مصدرة للنفط مثل: ليبيا والعراق.
– السعر المتدني لبرميل النفط عالميًا سيزيد من مديونية أمريكا لصالح الصين واليابان؛ لأن الطلب على النفط السعودي سيزداد من قبل الصين واليابان بتكلفه أقل مما يزيد من تنافسية صادراتها السلعية للعالم وتكوين فوائض دولارية يتم استثمارها في أدوات الدين الأمريكية فتزداد مديونية أمريكا باستمرار.
– السعودية ما زالت تستطيع بيع برميل النفط وإن وصل إلى ٢٠ دولارًا بسبب التقنيات الحديثة التي تستخدمها المملكة في الإنتاج والمخزونات الهائلة من النفط لدى المملكة.
– ضرب آليات استخراج الزيت من السلع الغذائية أو ما يطلق عليه الوقود الحيوي فتكلفة إنتاجه تتجاوز ٥٠ دولارًا.
هذه بعض الأسباب التي تجعل السعودية وبعض دول الأوبك من الاستمرار في الإنتاج تحت وطأة السعر المتدني لبرميل النفط حاليًا، لكن في المقابل يجب ألا تستمر هذه الحرب الباردة على سعر متدن للنفط؛ لأنه على المدى الطويل لن يكون في صالح الدول المصدرة للنفط التي ربما إن استمرت ستحدث آثارا مالية صعبة على الدول المنتجة والمصدرة للنفط على الآجل المتوسط والطويل.
لذلك يجب على دول الأوبك الاتفاق سريعًا على خفض سقف الإنتاج الحالي والاتفاق على سعر عادل لبرميل النفط لوقف نزيف الحصيلة الدولارية وانخفاض إيراداتها مقارنة بإنفاقها العام وتقليص عجز الموازنة المتزايد منذ اكثر من خمس سنوات مضت، ولا شك أن خفض سقف الإنتاج لدول الأوبك مع تنامي النشاط الاقتصادي العالمي وخاصة في دول شرق آسيا والصين واليابان سيساهم في رفع سعر البترول بخلاف الطلب المتزايد على النفط في ظل التوترات الجيوسياسية حاليًا في الشرق الأوسط والحرب على الإرهاب والتي تحتاج إلى النفط باستمرار لكي تستمر الحرب على الإرهاب بخلاف الحرب الدائرة حاليًا في سوريا واليمن وليبيا والتوترات السياسية حول العالم بسبب ذلك، وهو ما سيزيد من الطلب على النفط.