عندما تظهر الأيديولوجيا ويختفي المنطق العقلاني

عبد الله العليان –

لاحظت من خلال قراءاتي ومتابعاتي لبعض المفكرين والباحثين من خلال أبحاثهم ومؤلفاتهم الصراع الخفي بينهم، والغيرة تجاه بعضهم البعض، إلى جانب تقلباتهم الفكرية، وهذا ليس بسبب المراجعات المنطقية والذاتية أو ما يسمى بنقد الذات، ولكن من منطلق الرؤية الفكرية الإيديولوجية من باب الاختلاف الفكري، وهي سنة بشرية لا تستدعي التحامل والتصارع والتلاسن، والنقد غير العادل،إلى جانب أنهم أحيانا يتجاوزون حتى البديهيات التي لا يختلف عليها أحد، مثل الأحكام العادلة، والمنصفة الذي يتطلبه النقد النزيه الخالي من الأغراض والانحياز، تجاه القضايا التي لا يختلف عليها أحد.

ففي الندوة الفكرية الموسعة التي أقامها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت في سبتمبر 2011، بمناسبة مرور عام على وفاة المفكر العربي المغربي د.‏‏ محمد عابد الجابري، والتي جمعت في كتاب، حمل عنوان(العقلانية والنهضة في مشروع محمد عابد الجابري)، وشارك في هذه الندوة الكثير من الباحثين والمفكرين من الوطن العربي، بينهم الأكاديمي فهمي جدعان، الذي شارك في التعقيب على ورقة د.حسن حنفي: (في العقل العملي: السياسة والأخلاق)، وكان المعقب د.‏‏ جدعان غريبا ومتحاملا على الجابري، يقول في هذا التعقيب «إن الجابري يبدو كما لو أنه ينظر إلى العرب المحدثين بما هم امتداد بنيوي صلب لنواة أخلاقية صلبة متحدرة من التجربة التاريخية، ومسكونة بأخلاق الطاعة الفارسية. وقد بدا له أنه لا وجود حقيقيًا لقيم العدل والحرية. والقيمة المركزية التي وقف عندها هي قيمة «المروءة» التي تمد جذورها في أخلاق الجاهلية، أما الأخلاق الدينية فلم تحتل المكانة التي تستحقها في تحليلاته. وقد بدا أمرا غريبا جدا أن يتشبت الجابري إلى آخر لحظة بالمقولة الزاعمة أن العرب» لم يدفنوا بعد أباهم أردشير!» ، إنه بكل تأكيد لا يجهل ما أشار إليه د.حنفي ونعلمه جميعًا من حركات التحرر الوطني في وجه الاستعمار، والثورات التي يحفل بها التاريخ العربي القديم والحديث والمعاصر . ويحزننا كثيرًا أن المرحوم الجابري لم يشهد ما أسميه بالنهضة العربية الثالثة والثورات الفذة الراهنة في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسواها. وهي دليل قاطع أن أردشير لا يسكننا أبدًا، أو على الأقل أنه لم يعد يسكننا، مثلما أن مبدأ الطاعة لأولي الأمر من دون قيد أو شرط لم يعد محل قبول من أحد ، وكيف يمكن أن يكون الخروج عليه مخالفا للشريعة الإسلامية مع أن الصحابة أنفسهم قد دخلوا فيه من الباب الواسع؟» ص (177).

وهذا القول تجاه أخلاق الطاعة،أو الثقافة الفارسية، كما نقل عنه د.‏‏ جدعان، لم يقل به الجابري وحده، بل تحدث عنها الكثيرون من الباحثين، ومنهم د.‏‏ كمال عبد اللطيف في كتابه (في تشريح الاستبداد..قراءة في نظام الآداب السلطانية)، وكتاب ( د. رضوان السيد في كتابه (الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الأيديولوجيا في المجال السياسي العربي)، وهذان الكاتبان من المشاركين أيضا في هذه الندوة الفكرية! ، بل إن د.جدعان نفسه تحدث عن أخلاق الطاعة في كتابه (رياح العصر.. قضايا مركزية وحوارات كاشفة)، وكرر هذا الفصل مرة أخرى (في الطاعة والاختلاف)، في كتابه (تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات). والحق أن الجابري، الذي تحدث عن الأخلاق الفارسية في الثقافة العربية الإسلامية، في كتابه (العقل الأخلاقي العربي)، الجزء الأخير من مشروع نقد العقل العربي، لم يشمل هذه الأخلاق لكل الثقافة العربية، بل أنه ميّز في هذا الأمر، وقال ما نصه» ليس من المؤكد أن جميع ما راج وكرّس في هذه الأخلاق،والقيم في الثقافة العربية قد نقل كله من الموروث الفارسي كما كان عند أهله». ص (628)، وهذا يعني لم يعمم قضية الأخلاق الفارسية على كل قيم الثقافة العربية،مع أن هذا القول من د.‏‏ فهمي جدعان المتحّمس لثورات الربيع العربي 2011، فانه في كتابه (مرافعة للمستقبلات العربية الممكنة)، قال في الربيع العربي، ما قاله مالك في الخمر، بل وصفه بان مؤامرة غربية، فيقول في هذا الكتاب «هل نعزو (الحدث): إلى (تفجر ذاتي، نقي ضروري، أو حتمي)؟ أم إلى تدخلات خارجية، وإلى ما يلحق بما ينعت بـ(المؤامرة)؟
هل قلت: المؤامرة؟ من المؤكد أن بعض ما سقته في هذا القول يشي بذلك، ولا شك أن فريقا من أدعياء الثقافة والسياسة والإعلام سيسألون: كيف لواحد مثلي أن يشارك (العامة) في الكلام على (نظرية المؤامرة)؟! لكن هؤلاء جميعا ـ وهم في حقيقة الأمر ممن يتجملون بالغرب الاستعماري ويبرئونه من كل عيب وذنب، ويكررون أن كل الخلل فينا وأن كل شيء آتٍ من عندنا ـ أقول: هؤلاء لا يدركون أن مصطلح (المؤامرة) هو اللفظ الشعبي الاحتجاجي على سياسات التدخل الخارجية ـ إقليميا ودوليا ـ من أجل تحقيق غايات سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو (هيمنية). بتعبير آخر:المؤامرة هي الوجه (الشعبوي) لما يسمى في النظرية السياسية (الاستراتيجيات السياسية في العلاقات الدولية). هذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها إلا فاقد الفهم والمعرفة.إذا أدركنا أن الأمر هو كذلك فإننا لا نملك إلا أن نقول إن حراكَا صهيونيا كبرنار هنري ليفي ـ المرتبط بسلطات بلده وبأغراضها الاستراتيجية في الشمال الإفريقي العربي ـ لا يمكن أن يكون، وفقًا للاستخدام الشعبي، إلا وجها من ((المؤامرة))» ص (502).
وهذا بلا شك نسف ما قاله عن الظروف الموضوعية التي أدت إلى هذا الربيع، في حديث مع الزميل عاصم الشيدي، الذي أجراه معه في عمّان بالمملكة الأردنية في 2014، عن الربيع العربي وأسبابه فقال: «جاء نتيجة الأوضاع المشخصة «الميدانية» المادية التي عاشت وتعيش فيها هذه الشعوب منذ عصور الانحطاط، ولكن على وجه التحديد منذ أواسط القرن العشرين، الأوضاع الاقتصادية والاستبداد والفساد، هذه الرذائل الثلاث هي وراء الربيع العربي وانسداد الآفاق. كل هذه الشعوب شعوب محرومة ومستعبدة ولا تملك من أمرها شيئا، وتعيش فقرًا غير عادي في مقابل عالم يدخل فيما هو أكثر من الرفاهية في العالم الغربي، ثم هناك وعي منذ العولمة. العولمة بدأت عمليًا في السبعينات، والعالم انفتح، وأصبحنا نرى كل شيء. الفقير يرى وكل السياسيين يرون. طبيعي أن الوعي يتغير مع كل هذه التقنيات الحديثة المرتبطة بالمعلوماتية وأصبحنا نطلع على كل ما يحدث في العالم ويعطينا درسا ويجعلنا نقارن بين أنفسنا والآخرين. ما يسمى بالربيع العربي هو نتيجة طبيعية تماما للأوضاع المشخصة التاريخية التي تتبلور وتختزل في الفساد والاستبداد والفقر». والحقيقة أنني أستغرب من باحث وقدير مثله، أن ينحو هذا المنحى الغريب في تناقضاته الفكرية، وينقلب على أفكاره، وهو من الباحثين الذين أقدرهم كثيرًا لبحوثهم الجادة وخاصة كتابيه (أسس التقدم عند مفكري الإسلام) و كتاب (المحنة بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام)، وكل مؤلفاته لا تفوتني أبدا آخرها كتاب (مرافعة للمستقبلات العربية الممكنة)، الذي صدر 2016، وهذا الأمر لا شك يصدم الذين يقدرون بعض الباحثين والمفكرين، في التبدل في الأفكار، بسبب الرؤى التي تختلف مع الكاتب، أو تناقض مع اتجاهاته الأيديولوجية، ويفترض من مثل هؤلاء أن تكون لهم الرؤية الحصيفة العادلة في الإحكام عند الاتفاق أو الاختلاف في القضايا الفكرية، وليس مثل العموم، الذين لا يملكون الفكر النير الذي يجعلهم أكثر دقة في الفرز والانتقاء، وهذا ما وقع فيه المفكر د. فهي جدعان، مع أنه في كتاباته من المنافحين عن التعددية السياسية، ومن الديمقراطية والليبرالية، ومع الحرية التي تجعل مستقبل الأمة أكثر إشراقا وتقدما.
ومع د. فهمي جدعان،الذي تحدث عن المؤامرات الغربية على العرب والمسلمين، ويصر: نعم (أنا أومن بالمؤامرة) كما نقلنا آنفا ذلك من كتابه ( مرافعة للمستقبلات العربية الممكنة)، فإنه في كتابه (رياح العصر)، قال كلامًا مغايرًا لهذا القول، وهو أن الغرب يدافع عن نفسه تجاه الخطر من خارجه فيقول: «ليست المسألة مسألة صدام حضاري على وجه التحقيق، وإنما هي مسألة عوارض تاريخية ذات مخاطر وجودية وصدام وغايات، تبعث على الخوف وتتطلب الردع. تكمن مصلحة الغرب في حماية وجوده وضمان مصالحه والحفاظ على هيمنته الكونية قبالة أي مصدر من مصادر الخطر الكامنة أو الصريحة» ص (43).. هذا القول الصريح أيضا من فهمي جدعان في أنه يبرر للغرب ليس الدفاع عن نفسه فقط ـ حسب ما قال ـ بل و«الحفاظ على هيمنته الكونية»!! وليس لي تعليق بعد ذلك.