أزمة الاقتصاد الخليجي.. بين المسكنات والإصلاح الجذري

مرتضى بن حسن بن علي –
appleorangeali@gmail.com –

إن معالجة الأزمة تتطلب معالجات متعددة ومتنوعة وهي ليست نتاج انخفاض الإيرادات فقط بل نتاج سياسات استمرت لعدة عقود وجاء الوقت الذي أصبحت ضرورة مراجعتها بعقليات مختلفة، أمرا لا مندوحة عنه.

يقال في الطب إن الاعتراف بالمرض يشكل المقدمة الأولى للشفاء و تشخيصه هو نصف الطريق لعلاجه، ونفس القول ينطبق على الأمراض « السياسية والاقتصادية والاجتماعية» . والحمد لله أن المسؤولين الخليجيين أصبحوا يقرون الآن وإن باستحياء ، بعد إنكار وعناد طويلين ، بوجود أزمة اقتصادية بعد ان اكتشفوا ان الاقتصاديات المعتمدة على التدفقات النقدية الآتية من تسييل أصل ناضب ،اقتصاديات ريعية ولم تُستثمر بشكل كاف لبناء هياكل إنتاجية وتعليمية وتدريبية واجتماعية مهمة للتنمية المستدامة، رغم انهم ومنذ بداية السبعينات كانوا ينادون بتنويع مصادر الدخل وتطوير الهياكل الاخرى المرتبطة بها.

ونعرف الآن أن وسائل الفحص الناجع ما لا أول له ولا آخر . فهناك التحاليل المختبرية كيميائية ومناعية وجينية ، وهناك الوسائل التصويرية بالأشعات تنفذ الى كل موقع في الجسم، وهناك الدراسات الفسيولوجية والكهربية تختبر كل جزئية، وهناك المناظير الداخلية تخترق اعماق الجسم، وهناك تحاليل ودراسة الأنسجة تفك طلاسم التركيب البشري ذاته حتى اصبح في مقدور الطب ان يرصد العلل المتربصة بأي إنسان قبل ان يولد. وقبوله لوسائل العلاج مهما بلغت مرارتها مهم لتحقيق الشفاء.

ولكل داء له دواء بذاته. ولا تفيد اكثر الأدوية فعالية اذا كانت غير مناسبة لطبيعة الداء او لم يتم تناولها في الوقت المناسب او كانت الجرعات غير مناسبة اذ ان المرض ربما انتقل من طور الى طور آخر اكثر تعقيدا ويحتاج الى أدوية مختلفة وبجرعات أقوى ومن أطباء أمهر. وتزخر وسائل الإعلام بتصريحات حكومية وغير حكومية وبكتابات لعدد من الكتاب والاقتصاديين تحاول تشخيص طبيعة الأزمة الاقتصادية وتُرجعها الى أسباب تَراها.
ثم تعددت الآراء عن وسائل العلاج وأدواته بتعدد الآراء وبتعدد تلك الشخصيات . وفِي اعتقادي ان بعض هذه الآراء صحيح جزئيا ولكنه لا يفسر تفسيرا كاملا أسباب الأزمة وبالتالي لا يتوصل الى علاج ناجع وإنما يؤدي على أحسن الفروض الى الأخذ بمسكنات محدودة المفعول وقصيرة الأجل في تأثيرها.

كانت أولى محاولات التشخيص تذهب الى ان هذه مجرد دورة نفطية من التي عرفناها سابقا ، تأتي وتذهب وترجع الأمور الى طبيعتها وترتفع أسعار النفط من تلقاء نفسها لعوامل ذاتية تنطوي عليها طبيعة الدورات النفطية ويكون الحل بتقديم مساعدة محدودة من السلطات المختصة بغية تقصير فترة الركود، ومن دون التفكير ان الاعتماد المفرط على النفط هو سبب الداء أصلا . وفعلا ظهرت مقترحات بإن علاج الموقف يتمثل في ان تقوم الحكومة بوقف الترقيات والتوقف عن التعيينات والمشاريع ورفع الدعم وتأخير مستحقات الشركات وزيادة الضرائب من دون أن تدرك أن تلك مجرد زيادة مؤقتة في إيرادات الخزينة وتدفقاتها المالية سحبا من مصادر وطنية أخرى وليس زيادة في إيرادات الدولة . كما اتجهت الى السحب من الاحتياطيات وأخذ بعض القروض الداخلية او الخارجية الخ.. وصحيح ان بعض هذه الإجراءات كان يساعد جزئيا على مواجهة الموقف ولو وقتيا ولكنه لا يمثل العلاج الكامل للازمة . فمؤشرات الاقتصاد وإيرادات الحكومة كانت تدلُ وما زالت ان هناك نوعا ما من الخلل الهيكلي في الاقتصاد القومي وليس مجرد دورة نفطية عابرة.

بعض الأسباب التي أوصلت إلى هذا الوضع أصبحت معروفة وواضحة : اختلال في ميزانية الدولة المتمثل في الإعداد الهائلة من الموظفين وما يترتب على ذلك من ضخامة الإنفاق على بند الرواتب والأجور والمشاريع الإنشائية في فترة قصيرة ،يقابلها ضعف بالاستثمار في المشاريع الإنتاجية المدرة للدخل والموفرة لفرص العمل ودور الحكومة المتضخم ببيروقراطيتها وهيئاتها الاقتصادية والخدمية وفي كيفية تخصيص مواردها بين مؤسساتها المختلفة وأوجه إنفاقها والاعتمادية المفرطة على الريع وما أفرزتها من تدفقات نقدية من دون جهد، بدلا من اتباع نظم تعليمية وتدريبية واجتماعية عصرية لإنهاض المجتمع وتحديث دولاب الإنتاج، وعدم الاهتمام بتنويع مصادر الدخل واتباع سياسات عامة تفتقد الى الكفاءة أحيانا او اتباع معايير موضوعية للأداء والمحاسبة والثواب وعدم والشفافية والمراقبة، وتحديث هيكلية الاقتصاد لتقليل العمالة الوافدة المكثفة وصغر حجم الاستثمار الأجنبي وتركز معظمه في قطاع الطاقة والصعوبات في جذبه بالمقارنة مع عدد كبير من الدول بسبب وجود معوقات منها ضعف التشريع وعدم وجود قوة بشرية مؤهلة والتشريعات المتعلقة بأنظمة العمل والأجور والمعوقات البيروقراطية السائدة والى تزايد موجة العداء لرجال الأعمال ولكل ما هو اجنبي، الذي يؤثر تأثيرا بالغا على الاستثمار المحلي والأجنبي على السواء. وفي الحقيقة ان هذه العناصر تتحمل مسؤولية كبيرة عن الأزمة الاقتصادية.

والمعادلات والصياغات الاقتصادية والمالية التي طبقت خلال العقود الماضية أصبحت مهجورة ، عتيقة ومكلفة الى حد كبير وأفرزت مجتمعات غير نشطة من الناحية الاقتصادية وغير قادرة على المنافسة في ساحة دولية متغيرة . وقد جاء الوقت لكي ندرك ان استمرار الرفاهية بالوسائل السابقة غير ممكنة وآن الأوان لتجديد دولاب الإنتاج وتحديثه. وان لا نظهر المشكلة على أساس انها مشكلة مالية نقدية مؤقتة ، أي مشكلة توفر الأموال والثروات ، لا مشكلة تنشيط المجتمع اقتصاديا وعلميا واجتماعيا.

والخطوة الأولى للإصلاح هو التشخيص السليم للأزمة الشاملة بأبعادها الإدارية والتعليمية والاجتماعية والتدريبية والمواجهة الواقعية والعقلانية للجذور الحقيقية لها. والقرارات لا بد ان تأتي نتيجة دراسات تفصيلية معمقة لأوضاعنا وقدراتنا العملية . والتعامل مع مسألة الإصلاح الاقتصادي الشامل لن يتأتى أو يكتب له النجاح إلا من خلال تحولات وتبدلات قيمية وثقافية وعلمية مختلفة، تساهم فيها كل الأطراف الحكومية والمجتمعية.

ان معالجة الأزمة تتطلب معالجات متعددة ومتنوعة وهي ليست نتاج انخفاض الإيرادات فقط بل نتاج سياسات استمرت لعدة عقود وجاء الوقت الذي أصبحت ضرورة مراجعتها بعقليات مختلفة، أمرا لا مندوحة عنه. والأوطان من حقها وواجبها أن تراجع تجاربها، والمراجعة الأمينة حساب يجمع ويطرح ، وهو في النهاية يضيف منجزات وخبرات يصبح تراكمها أرصدة تُوفر طمأنينة للأوطان تحتاجها في يومها وغدها وعكس ذلك فإنها تتجمد ثم تتخلف .ولدينا عبر الخليج رصيد جيد من الكفاءات والخبرات لا بد من الاستعانة به لأنه قادر أن يتحمل مسؤولية نقلة حضارية قادرة أن تواكب العصر.