خلط الأوراق في ليبيا.. وابتزاز أكثر من طرف!!

د. عبد الحميد الموافي –
بالنظر الى أهمية الهلال النفطي الليبي، بالنسبة لليبيا الدولة والشعب، بحكم الاعتماد الليبي على العائدات النفطية، فإن السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية تظل هدفا لأية قوة ليبية تسعى الى فرض سيطرتها بشكل أكبر على ليبيا ككل أو على معظم مساحتها على الأقل.  

على امتداد الأشهر الستة الأخيرة، خاصة بعد سيطرة الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر على موانئ الهلال النفطي الليبي في نوفمبر الماضي، واستئناف ضخ النفط منها مرة أخرى، وتزويد البنك المركزي الليبي بعائداتها، لاستخدامها لصالح كل الليبيين، وتقدم الاتصالات والجهود التي تبذلها القاهرة بوجه خاص، ودول جوار ليبيا، أي مصر والجزائر وتونس، بمشاركة كوبلر، المبعوث الدولي لليبيا وبمشاركة بعض الدول الإفريقية المجاورة لليبيا، وتنسيق مع الاتحاد الإفريقي، بدا وكأن الأوضاع في ليبيا تتجه بشكل أكبر نحو الحل السياسي، خاصة في ضوء اتفاق الصخيرات، الذي تم التوصل إليه في عام 2015، والذي تم على أساسه تشكيل المجلس الرئاسي في طرابلس برئاسة فايز السراج وتشكيل حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا، وبالتعاون مع مجلس النواب الليبي في طبرق، المعترف به دوليا أيضا، والذي لم يتمكن حتى الآن من منح الثقة لحكومة الوفاق في طرابلس، بسبب خلافات حول تشكيلها، وتحفظات بشأن بعض القوى الداعمة لها، ومنها ميليشيات إسلامية معروفة. ولعل ما زاد من إمكانية الانفراج على الساحة الليبية، انه تم التوصل الى اتفاق القاهرة في ديسمبر الماضي، وسعت القاهرة في ضوئه، الى تحقيق التقاء بين السراج وحفتر، كقاعدة ضرورية للانطلاق منها لاستجماع القوى الليبية للسير نحو الحل، وكان قد سبق ذلك التوافق الليبي حول مشروع الدستور الجديد لليبيا، والذي تم التوصل إليه في محادثات صلالة، التي استضافتها السلطنة عام 2016، وشارك فيها أعضاء اللجنة التأسيسية الخاصة بوضع مشروع الدستور الليبي.
غير ان الأوضاع في ليبيا الشقيقة، أخذت تسير في اتجاه مغاير، بعد تعثر عقد لقاء بين حفتر والسراج في القاهرة، الشهر الماضي، وهو لقاء كان يتم التعويل عليه، للسير خطوات أكثر فاعلية نحو الخروج من حالة الانسداد التي علقت فيها ليبيا على مدى الأشهر الماضية، وهى حالة لا تخدم ليبيا الدولة والمجتمع والشعب بالتأكيد، ولكنها تخدم أطرافا إقليمية ودولية لا يهمها سوى تحقيق مصالحها الذاتية على أي نحو، غير عابئة بما يمكن ان تتعرض له ليبيا، ولا ما يمكن ان يتحمله الشعب الليبي الشقيق من تضحيات وخسائر ومعاناة، خاصة وأن أطرافا ليبية ممثلة في ميليشيات متعددة الألوان والتوجهات، اخذت تقوم بأدوار داعمة لتلك القوى الاقليمية والدولية، وهو ما يجعل من ليبيا ساحة صراع وتنافس اقليمي ودولي عانت منه دول شقيقة، ولا تزال، وتدفع ثمنه غاليا. وليس مصادفة على أي نحو ان يعقب تعثر عقد اللقاء بين حفتر والسراج بالقاهرة، ان يحاول فايز السراج التحرك لكسب تأييد دولي من اكثر من جانب، وأن يتعرض لمحاولة اغتيال في طرابلس من جانب آخر، وان تشهد طرابلس اشتباكات مسلحة بين بعض الميليشيات المتنافسة، وأن يهدد حفتر بإمكان التحرك العسكري صوب طرابلس من جانب ثالث، ثم الهجوم على المثلث النفطي من جانب ميليشيات ما يسمى سرايا الدفاع عن بنغازي وميليشيات متطرفة أخرى، ونجاحها في السيطرة على ميناء سدرة ورأس لانوف النفطيين، وإعلان حكومة الوفاق في طرابلس ان الميناءين باتا في حماية حرس الحدود التابع لها، وذلك في الوقت الذي تحاول فيه قوات حفتر استعادة السيطرة على الميناءين، عبر حشد قوات واستخدام الغارات الجوية، وهى مواجهة قد يتسع نطاقها خلال الأيام والأسابيع القادمة.
وفي هذا الإطار فانه يمكن الإشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب لعل من أهمها ما يلي:
*أولا: انه في ظل الأهمية الاستراتيجية الكبيرة لليبيا، بحكم موقعها الجغرافي ومواردها النفطية (6.1 مليون برميل نفطي يوميا قبل عام 2011) سواء لمصر التي لها حدود تتجاوز الألف كيلومتر بكثير مع ليبيا، والتي يرتبط أمنها القومي مع أمن ليبيا، بقدر ارتباطه مع أمن السودان، والدائرة العربية، أو للدول الأوروبية بحكم السواحل الليبية الطويلة على البحر المتوسط والتي لا يفصلها عن شواطئ جنوب أوروبا سوى نحو خمسمائة كيلومتر، وما حدث من تدفق موجات اللاجئين منها نحو أوروبا، فإنه لا يمكن فصل ما يجري في ليبيا عن الأحداث والتطورات الجارية من حولها، خاصة وأن أطرافا إقليمية ودولية عمدت الى توظيف الاضطراب في ليبيا للأضرار بأمن مصر، وفتح جبهة غربية لشغلها وإجهادها، وهي تخوض حربا واسعة ضد الإرهاب في سيناء منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وإذا كانت القاهرة قد بذلت جهدا كبيرا ومتواصلا، ومن خلال لجنة يترأسها الفريق محمود حجازي رئيس أركان القوات المسلحة المصرية، للعمل على حل الأزمة الليبية، وعبر الأطراف الليبية، وبتوافقها، وبدون تدخل أو انحياز لطرف ضد آخر، مع إعلان موقفها المحدد الداعم لاستعادة وحدة ليبيا، ودعم قواتها وجيشها الوطني، وتخليصها من سرطان الميليشيات المتطرفة، فهل مصادفة أن يتم السيطرة على ميناءي السدرة ورأس لانوف، بعد رفض حفتر الجلوس مع السراج ؟ وهل مصادفة ان يتم ذلك أيضا، بعد التطورات في سوريا وانكفاء المعارضة، وتقدم الجيش الوطني السوري؟ فهل ما حدث في ليبيا كان بمثابة رد على ما حدث في سوريا، وممارسة مزيد من الضغوط على القاهرة، التي تكاد تخرج من عنق الزجاجة، بعد محاولات الضغط الاقتصادي، وضرب العملة، وتصعيد العمليات الإرهابية في سيناء وعلى جبهات أخرى؟ خاصة أن القاهرة كانت ولا تزال تدعم الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، باعتباره القوة القادرة على تخليص ليبيا من سرطان الميليشيات التي تتمسح بالدين الإسلامي، ومحاولات أطراف محددة استغلال الأوضاع الليبية لترسيخ وجود إرهابي فيها، خاصة في جنوب وغرب ليبيا، المفتوحة على الشمال الإفريقي وصولا الى شاطئ الأطلسي من ناحية، وعلى وسط افريقيا وغربها من ناحية ثانية، والاستفادة من العمق الجغرافي الكبير للتواري عن الأنظار وعرقلة عمليات المتابعة والمطاردة لها.
* ثانيا: انه بالنظر الى أهمية الهلال النفطي الليبي، بالنسبة لليبيا الدولة والشعب، بحكم الاعتماد الليبي على العائدات النفطية، فإن السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية تظل هدفا لأية قوة ليبية تسعى الى فرض سيطرتها بشكل أكبر على ليبيا ككل أو على معظم مساحتها على الأقل. ومما له دلالة عميقة أن تعلن حكومة الوفاق الليبية في طرابلس ان قوات حرس الحدود التابعة لها تسيطر على الهلال النفطي، وذلك فور استعادته بواسطة ميليشيات سرايا الدفاع عن بنغازي.
ويعني ذلك ببساطة أن حكومة طرابلس كانت على علم، وربما تنسيق مع ميليشيات سرايا الدفاع عن بنغازي للسيطرة على الهلال النفطي. ومن شأن استخدام الميليشيات، وبعضها من خارج ليبيا- من تشاد- في مثل هذه العملية، من شأنه ان يدعم ويقوي دور تلك الميليشيات في الشؤون الليبية، ويجعل منها طرفا يصعب تجاوزه، خاصة وأنها- أي تلك الميليشيات- متغيرة المواقف والانتماءات برغم ما ترفعه من شعارات دينية. هذا فضلا عن ان الاستعانة بها في الصراع بين بنغازي وطرابلس، يزيد من صعوبة التخلص منها بعد ذلك، ومن ثم يجعل الوضع الليبي عرضة للاضطراب لفترة أطول. يضاف الى ذلك ان إعلان حكومة الوفاق في طرابلس ان حرس الحدود التابع لها هو الذي يحمي ميناءي السدرة ورأس لانوف، يعني بوضوح ان حكومة طرابلس تريد استثمار الاعتراف الدولي بها في المعركة مع حفتر، وذلك برغم أنها استخدمت الميليشيات، ولا تزال تستخدمها في هذه العملية، وهو ما يزيد من خطورة المواجهة المسلحة حول الهلال النفطي، ويفتح المجال واسعا أمام الأطراف الإقليمية والدولية للتدخل، ورفع شعار العمل على وقف القتال لإبقاء سيطرة حكومة طرابلس على موارد النفط الليبية، وحرمان حفتر من ورقة مهمة كانت تدعم مواقفه، سواء على الصعيد السياسي او على صعيد محاولة اعادة بناء قوات الجيش الوطني الليبي وتسليحه بشكل افضل. ومتابعة تصريحات ومواقف مختلف الأطراف الإقليمية والدولية بشأن التطورات الأخيرة في ليبيا، يكشف بوضوح عن حسابات ودوافع الأطراف المختلفة، حيث تأتي المصالح الضيقة، والشخصية أحيانا قبل مصالح ليبيا الدولة والشعب، والحاضر والمستقبل بالطبع.
*ثالثا: إنه إذا كانت القاهرة قد حرصت بشكل كبير على التوصل الى توافق بينها وبين الجزائر وتونس بوجه خاص، ومع دول جوار ليبيا بوجه عام، حول سبل حل الأزمة الليبية، حلا سياسيا، وبما يستعيد ويحافظ على وحدة ليبيا وتماسكها ووجود جيشها الوطني وتخليصها من الميليشيات المتطرفة، فإن هناك أطرافا إقليمية ودولية تتحرك في الاتجاه المعاكس، وبدوافع مختلفة ومتداخلة، في محاولة لعرقلة جهود القاهرة، ولجعل ليبيا جرحا مفتوحا، وثغرة امنية لاستنزاف جهود مصر لأطول فترة ممكنة، وهو ما تعيه القاهرة جيدا وتتحسب له بقدر الامكان، ولكن ظروفها الراهنة قد لا تسعفها لتحقيق ما تتمناه للأشقاء الليبيين من امن واستقرار وحفاظ على وحدة ليبيا، وهو ما تمنته وتتمناه لسوريا ولليمن والعراق ولكل الدول الشقيقة.
ومع ان ليبيا ستشهد على الأرجح مواجهات دامية خلال الفترة القادمة، حول الهلال النفطي وخارجه، فانه من المهم والضروري لليبيا ولمصر وللأمن القومي لهما ولاستقرار المنطقة ككل ان تسعى القاهرة والجزائر وتونس ودول جوار ليبيا الإفريقية من اجل تطويق ما حدث، وعدم السماح بأن تكون الميليشيات اداة يستخدمها هذا الطرف او ذاك لتحقيق او فرض رؤيته وحساباته الخاصة، لأن الحل في ليبيا ينبغي ان يرتكز على التوافق بين القوى الليبية السياسية والقبلية، مع العمل على تخليصها من الميليشيات، وهو ما لن يتم إلا بالتوافق والتعاون بين بنغازي وطرابلس وفزان (منطقة جنوب ليبيا) وبأسرع وقت ممكن.
اما فتح ليبيا أمام كل الاطراف، فانه لا يؤدي الا الى اطالة الصراع الداخلي وتهديده لكل دول الجوار وللأمن الاقليمي والدولي ايضا، خاصة وان تحركات متزايدة تتم الآن من العراق وسوريا، حيث تتعرض داعش لضغوط كبيرة للتوجه الى ليبيا لتحويلها الى مقر جديد لداعش والقاعدة ومختلف الجماعات والتنظيمات الإرهابية، خاصة وانه تتوفر لها مميزات كثيرة ومغرية تتطلع إليها تلك الجماعات الإرهابية، التي بدأت في بناء مواطئ قدم لها هناك. فهل نتمكن من مواجهة ذلك كله؟