مقاربات مختلفة .. لمحاربة الإرهاب

عماد عريان –

كان لافتا في جلسات مؤتمر الأمن الأخير في ميونيخ الألمانية بروز توجهات مختلفة في الحديث عن كيفية مواجهة الإرهاب على الصعيد العالمي، فقد عكست كلمات عديد من المتحدثين مقاربات جديدة لا تعتمد النهج الأمني والعسكري فقط، ولكن تحدثت عن حتمية تبني برامج تنموية وثقافية مختلفة لمحاربة الظاهرة ببرامج شاملة متكاملة، هذا النهج ليس جديدا في طرحه وتأكيد أهميته بالتأكيد حيث سبق الحديث عنه في أكثر من مناسبة ومن جانب مفكرين كثر على الصعيد العالمي، ولكن الطرح الرسمي لمثل هذه المقاربات في المنتديات والمؤتمرات العالمية الكبرى يعكس حسا متزايدا بأهمية الوسائل المجتمعية الأخرى بعيدا عن المقاربات الأمنية فحسب.
وفي هذا السياق جاءت أعمال المؤتمر الوزاري العربي حول «الإرهاب والتنمية الاجتماعية.. الأسباب والمعالجات» الذي نظمته وزارة التضامن الاجتماعي المصرية وجامعة الدول العربية على مدار يومين في مدينة شرم الشيخ بمشاركة أكثر من 150 وزيراً وممثلاً للوفود العربية والمنظمات العربية والدولية ذات العلاقة، وقد أصدر المؤتمر في ختام أعماله «الإعلان العربي حول دعم التحرك للقضاء على الإرهاب» ويتضمن عدة مجالات في مقدمتها اعتماد رؤية متعددة الأبعاد مع الإرهاب ومنظماته وتداعياته، وكان لافتا كذلك المقاربة المتكاملة التي طرحها المؤتمر لمحاربة الإرهاب، فقد أكد الإعلان ضرورة وضع خطة عربية شاملة لمكافحة الإرهاب مع الأخذ في الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والثقافية والتعليمية والدينية، ودعم جهود الدول العربية لتنفيذ خطة التنمية المستدامة 2030 وأهدافها وغاياتها بناء على الأولويات العربية مع التركيز على الفئات المهمشة والضعيفة، ودعم المرأة ومواصلة العمل على تمكينها، لحفظ النسيج الاجتماعي للأمة والتنشئة للأجيال على نبذ العنف والإرهاب وتعزيز جميع الجهود الرامية إلى النأي بالشباب العربي عن كل أشكال العنف والتطرف.
وقد وضع المؤتمر بذلك يده على العديد من العوامل التبادلية التي يمكن أن تكون سببا للإرهاب في حالة غيابها أو ضحية له في حالة تضخمه وتركه دون مقاومة ويأتي على راسها تعزيز الجهود الرامية إلى توفير الدعم لضحايا الإرهاب ومراعاة الاحتياجات الخاصة للنساء والأطفال بما يمنع الأبناء من الوقوع في براثن الإرهاب، فضلاً عن تحديث التدابير ومراجعة التشريعات للحيلولة دون استخدام قوانين اللجوء السياسي والهجرة مأوى للإرهابيين والتخطيط لشن عمليات إرهابية من أراضي تلك الدول، وتعزيز جهود الجامعة العربية لإنشاء شبكة تعاون قضائي عربي في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة تتضمن الخطط والسياسات، والآليات والتشريعات، ودور المجتمع الدولي، والخطاب الديني، والمشاركة المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني، والتعليم والثقافة، والإعلام التنموي، والمجال الأخير يتمثل في الشباب والمرأة، كما طالب الإعلان الختامي للمؤتمر بتشكيل فريق معني ومتخصص من الجامعة العربية يقدم رصدا وتقارير دورية حول التزامات الدول العربية بقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالإرهاب ترسل إلى اللجنة التنفيذية لمكافحة الإرهاب والتابعة لمجلس الأمن.
ولا مبالغة في التأكيد على أن المشاركين في المؤتمر نجحوا في صياغة ما يمكن اعتباره خارطة طريق متكاملة لمكافحة الإرهاب بمقاربات جديدة ومختلفة من خلال تجديد الخطاب الديني وتخليص المقررات الدراسية من كل الأفكار التي تؤدي إلى العنف أو تلوح به أو تحتفي به،وكذلك دعم ثقافة الحوار وثقافة المحافظة على الحياة ومواصلة العمل على ترسيخ مفهوم المواطنة الواعية، بحيث تصبح قضية القضاء على الإرهاب قضية شخصية لكل مواطن، أضف إلى ذلك تنسيق السياسات الإعلامية التنموية فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بالإرهاب والأمن القومي، وأيضا إبراز العلاقة بين تنامي الإرهاب وانكماش التنمية الاجتماعية وعدالتها في التوزيع، وليس أدل على ذلك من أن الوطن العربي يقف اليوم أمام تحديات كبرى تهدد كيانه وأمنه وهويته القومية، حيث يشكل الإرهاب والعنف والتطرف أكبر تهديد وإعاقة له.
وما يجعل لهذه المقاربات والمفاهيم أهمية ظاهرة هو ذلك الإجماع عليها والذي تبدى خلال جلسات المؤتمر وكذلك الإرادة السياسية القوية التي عكسها البيان الختامي إعلان شرم الشيخ بتأكيد العزم على القضاء على الإرهاب والتطرف بجميع أشكالهما وصورهما والتصدي لجميع التنظيمات الإرهابية من خلال تعزيز العمل العربي الجماعي وبتنسيق بين جميع قوى المجتمع، مع تحذيرات قوية من أنه مع تزايد العمليات الإرهابية ازدادت معدلات الفقر والبطالة وتفكك النسيج المجتمعي وانعكاس ذلك على التفاعل الاجتماعي والثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع، الأمر الذي يؤكد حتمية القضاء على التطرف والإرهاب والمضي قدماً في سياسات التنمية الاجتماعية وبرامجها ومواجهة الأفكار التكفيرية وما تشكله من تهديدات للكيانات الوطنية وسعيها إلى خلق الصراعات الطائفية والمذهبية وإشاعة الفوضى والإخلال بالأمن وانهيار الاقتصاد وإعاقة التنمية. وتحصين وتمكين الشباب العربي ليتمكن من مواجهة محاولات استقطابه والزج به في التنظيمات الإرهابية الغاشمة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيات الحديثة بمخططات تهدف إلى تجريده من هويته وانتمائه الوطني.
وفي رؤيتهم للظاهرة الخطيرة التي تضرب العالم بأكمله أجمع المشاركون على أن الإرهاب لا دين له ولا يرتبط بجنسية أو حضارة، وإن القضاء على الإرهاب مسؤولية جميع قوى المجتمع الحكومية وغير الحكومية، مشيرين إلى أهمية مواصلة الجهد لتعزيز الحوار والتسامح والتفاهم بين الثقافات والشعوب والأديان، وتعظيم الاستفادة من آليات الجامعة العربية ومنظماتها وتعاونها مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وأطر التعاون العربي الدولي، ولعل ما جاء في ورقة جامعة الدول العربية يمثل رصدا دقيقا للظاهرة وكيفية مواجهتها، وأبرز نقاطها:
أولاً: إن مفهوم «الإرهاب والتنمية الاجتماعية..الأسباب والمعالجات» يتناول في عناوينه وأبعاده أخطر التحديات التي تواجه مجتمعاتنا ونمط حياتنا وعقيدتنا السمحة ومستقبل أوطاننا؛ وهو الإرهاب المدمر ليس فقط للتنمية الاجتماعية، وإنما للحضارة الإنسانية وللحياة في جوانبها المختلفة.
ثانياً: إن المشاركة الواسعة على هذا المستوى الوزاري للعديد من الجهات المعنية بالدول العربية، وكذلك مشاركة المنظمات العربية ووكالات الأمم المتحدة ، تعكس مدى الاهتمام الكبير والإرادة الحازمة للعمل على تضافر الجهود المشتركة وتوظيف كافة الوسائل لدحر الإرهاب والانتصار عليه.
ثالثاً: إن أحد مظاهر استفحال خطورة الإرهاب ، وصوله إلى درجة تهديد مقومات الدولة الوطنية والعبث بالنسيج الاجتماعي والسلم الأهلي، ومصادرة أحلام الشباب،والزج به في عمليات التخريب وإحداث الاضطرابات.الأمر الذي يتطلب تعبئة المجتمع بكافة فئاته وقواه ومنصاته، بدءاً بخلية الأسرة أو المدرسة، وصولاً إلى الحكومة بأجهزتها المختلفة بحيث يصبح المواطن في حيّه وفي قريته ، هو العين الساهرة على أمن وطنه ومستقبل أجياله قبل اعتماده على الأجهزة الأمنية والعسكرية.
رابعاً: تحمل الحكومات الوطنية مسؤولية بناء دولة الحق والقانون وإزالة كل أنواع الغُبن والظلم، وتجفيف المستنقعات الفكرية والمادية التي يتغذى الإرهاب على طحالبها، وتنقية الحاضنات التي يعشعش في مناخها، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتسريع وتيرة التنمية الاجتماعية وفتح فرص العمل أمام الشباب وتكوينه علمياً ومهنياً وتحصينه ضد أيديولوجية الإرهاب وتنقية عقولهم من الخزعبلات الموروثة والتفسيرات المغلوطة لصحيح الدين الإسلامي الحنيف وقيمه العليا، وترشيد الخطاب الديني والوعظ الإرشادي، وتعبئة المنظومة الإعلامية بفنونها وتقنياتها من أجل محاربة الإرهاب فكرياً قبل مقارعته قضائياً وأمنياً، وجعل المواطنة هي المظلة التي يستظل بظلها جميع المواطنين سواسية.
خامساً: لقد تضخمت التنظيمات الإرهابية إلى درجة أصبحت تُشكل قوة متعددة الجنسيات عابرة للحدود وللقارات وقادرة على إحداث الضرر والتدمير لكل مصادر الحياة ومعالم التنوير والتقدم،مما يُحتم على المجتمع الدولي أن تكون المقارعة شاملة ومنسقة وحازمة،ومن خلال الإسراع في وضع الأزمات المشتعلة في العديد من المناطق وعلى رأسها المنطقة العربية على طريق الحل السياسي والتوافق الوطني، ومعالجة الصراعات المستحكمة،ومنها تمكين الشعب الفلسطيني من إنهاء الاحتلال وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية بعيداً عن المعايير المزدوجة والمواقف المتقلبة، وإنصاف الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لأبشع أنواع الانتهاكات والإرهاب المتعددة الأشكال من قِبَل سلطات الاحتلال الإسرائيلي وغلاة المستعمرين؛ في عجزٍ تامٍ لتحرك المجتمع الدولي لتصحيح هذه المظلمة التاريخية التي تُشكل مفتاح الأمن والسلام في الشرق الأوسط على اتساع رقعته.
ثم لم يفت المؤتمر في ختام أعماله الدعوة إلى حتمية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ووقف إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل ومواصلة الجهود للتوصل إلى اتفاقية دولية عامة شاملة للقضاء على الإرهاب، وهي بالفعل دعوة مهمة لاقتلاع أحد أخطر أسباب الإرهاب في الشرق الأوسط من جذوره لتحقيق السلام والاستقرار والعدالة في المنطقة، وكذلك تظهر كل المطالب التي انطلقت من المؤتمر العربي كمقاربات ناجعة في محاربة الإرهاب والتصدي لأسبابه وتداعياته، ولكنها تظل مجرد أفكار على الورق لن تؤتي ثمارها إلا بتحويلها إلى برامج عمل ميدانية بآليات تنفيذ عملية وجادة.