الموقف الدولي ..هل يوقف نسف مبدأ حل الدولتين؟

د. فالح حسن الحمراني –
كاتب من العراق يقيم في موسكو –
Sanin777@hotmail.com –
لم تكن روسيا الاتحادية الوحيدة التي رصدت التداعيات الخطيرة لقرار الكنيست الاسرائيلي في السادس من فبراير2017 القاضي بمصادرة أراض فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة بأثر رجعي، بل أدانته دول كانت تصرف النظر عن انتهاكات تل أبيب الصارخة للقانون الدولي والاتفاقات الثنائية والجماعية.

وحذرت من أبعاده على وجود إسرائيل نفسها تيارات اليسار الاسرائيلي من مختلف المنطلقات الفكرية والسياسية. وربما سيكون الموقف الدولي عقبة امام تنفيذ القرار الذي يهدر حقوق الفلسطينيين.
ان هناك اجماعا دوليا مدعوما من بعض التيارات الاسرائيلية اليسارية، يحذر من عواقب تطبيق قرار شرعنة المستوطنات العشوائية، وادراكا عاما بأن ذلك سيؤدي الى نسف عملية التسوية والثوابت التي قامت عليها، وانه قد يدفع الفلسطينيين لإعادة النظر في خيارهم السلمي للتسوية، او يطرح بقوة قضية شعبين في دولة واحدة الذي تخشى اسرائيل من انه سيكون بداية لنهايتها.
ان اعادة هيكلة الموازين الدولية والاقليمية ولاسيما في الشرق الاوسط المرتقبة، مع استقرار الادارة الامريكية الجديدة واتضاح استراتجيتها تجاه القضايا الملحة المدرجة على الشؤون الدولية واحتمالات عقد الصفقات او تحديد مناطق النفوذ او قيام اسوار جديدة، سيكون له ايضا تاثير على مستقبل القرار الاسرائيلي والتداعيات التي سوف تنجم عنه.
واعتبرت موسكو ان قرار اسرائيل بصدد اضفاء الشرعية على المستوطنات العشوائية في الاراضي الفلسطينية المحتلة يهدد بنسف الجهود المبذولة لإطلاق عملية السلام. واشير في بيان للخارجية الروسية «ان موسكو تلقت بقلق عميق نبأ تبني اسرائيل القرار» واعربت عن الثقة بأنه : ستكون له تبعات سلبية للغاية على تحقيق تسوية فلسطينية ـ اسرائيلية طويلة الاجل ومأمونة ». وعلى حد تقديرات موسكو: « ان القرار يثيرا ضبابا على آفاق تجسيد مبدأ حل الدولتين، لحل المشكلة الفلسطينية، كما انه يهدد بنسف الجهود الدولية الهادفة لإعادة اطلاق العملية السلمية. وتنطلق موسكو وكالسابق، من ان كافة مشاكل الحل النهائي لوضع الأراضي الفلسطينية، لاسيما ما يتعلق بقضية الحدود، ينبغي ان تُحل عن طريق الحوار السياسي المباشر بين الاطراف المعنية» . وخلص بيان الخارجية الروسية الى القول انه في ضوء ذلك « فان أية أفعال تسبق ختام هذه المفاوضات ستكون غير مثمرة».
وانضمت الى التقديرات الروسية الدول الاوروبية النافذة . وعلقت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل زيارتها لإسرائيل المقررة في مايو المقبل، حيث عكست بذلك استياءها من القرار الاسرائيلي. والقى القرار الشكوك على مصداقية اسرائيل بالتمسك بمبدأ التسوية السلمية، حيث تجد الدول الاوروبية انها الارضية الوحيد التي يمكن ان تقوم عليها التسوية الفلسطينية/‏‏ الاسرائيلية. ودعت بعض الدول تل ابيب الى التخلي عن هذه الخطط من اجل تحقيق سلام ثابت. فتوسيع الاستطيان واقرار قانون شرعنة المستوطنات العشوائية والتشجيع عليها يعد عائقا خطيرا امام المفاوضات السلمية ويهدد احلال سلام ثابت بين الاسرائيليين والفلسطينيين . كما قيمت دول اخرى القرار الاسرائيلي على انه انتهاك فاضح لحقوق الانسان.
فضلا عن ذلك ليس هناك اجماع بين الكتل السياسية في الكنيست الاسرائيلي على القرار، لاسيما وان الموافقة عليه تمت بأغلبية قليلة، مما يعني هشاشته. وطرح ممثلو الكتل اليسار خلال الجلسة البرلمانية التي تبنت القرار، براهين دامغة على بطلان القانون من الناحية القانونية والسياسية. فسياسيا هناك مخاوف من انه سيمهد لتبني مشروع الدولة الواحدة.
وربما لا يدخل القرار في حقيقة الامر باستراتيجية نتانياهو وانما اراده كأداة ضغط على المفاوض الفلسطيني للقبول بخططه. وتقول الباحثة الاسرائيلية شميريت ميئير ان نتانياهو لا يرغب في ضم الضفة الغربية ويعيش مليونا فلسطيني في إسرائيل، وفق اقتراح الرئيس ريفلين، ويبدو كما ترى ميئير « أن الوضع الراهن ليس سيئا أبدا من وجهة نظره.» وتعتقد أن نتانياهو سيوافق في الحد الأقصى على إجراء تغييرات قليلة نسبيًّا في الوضع الراهن، فمن جهته والقول لها: كل اقتراح يهدف إلى إحداث تغيير جذري في سياسة الوضع الراهن، هو اقتراح غير مسؤول، وسيعمل على دحضه قدر الإمكان.
ان قوى اليمين الاسرائيلي ، التي اعدت مشروع القرار، ووفرت تبنيه في الكنيست، لاتخفي اهدافها بانه يأتي في اطار الاستراتيجية القديمة التي تضع في نهاية اهدافها ابتلاع الضفة الغربية، والتضييق على الفلسطينيين هناك واجبارهم على الرحيل عن وطنهم، او البقاء في اطار اسرائيل كمواطنين من الدرجة الثانية. ويطرح هؤلاء وصفات تعجيزية للجانب الفلسطيني لا يمنحهم دولة ذات سيادة ولا حدود ولا حق تقرير مصير وانما كيان تابع عسكري واقتصادي «للدولة التي يجب عليهم الاعتراف بيهوديتها».
ان شبه الاجماع الدولي والحراك السياسي الداخلي في اسرائيل واتساع دائرة المشككين بجدوى وانعكاسات هذا القرار على صورة اسرائيل في نظر المجتمع الدولي ومؤسساته القانونية، وتهديده لكبار المسؤولين فيها للمثول امام محكمة لاهاي الدولية، سيثير المزيد من الخلافات بين التيارات السياسية الاسرائيلية ويعمق تناقضاتها التي تتسع يوما بعد آخر مع اوروبا الغربية، كما انه يمنح السلطة الوطنية الفلسطينية، برهانا اضافيا ، على استهتار تل ابيب بالقانون الدولي وتجاهلها بوقاحة، قرارات مجلس الأمن الدولي بما في ذلك القرار 2334 وقد يشكل كل ذلك دافعا لإعادة النظر فيه أو التباطؤ في دخوله حيز التنفيذ.