عطر : كلنا «بينوكيو»

رندة صادق –

من منا لا يعرف قصة “بينوكيو “الطفل الخشبي الذي صنعه الرجل العجوز الوحيد ليؤنس وحدته، والذي من شدة اتقانه له تكلم مع العجوز، فرغب العجوز أن يعلمه، فباع معطفه وأعطى المال له ليشتري كتبا، لكنه لم يفعل، بل ذهب الى المسرح، وعند سؤاله عن المال روى “بينوكيو” قصة كاذبة فحدث أمرا عجيبا اخذ أنفه يطول، وكلما كذب كذبة زاد طول أنفه. ليتنا اليوم نستطيع ان نرى الأنوف الكاذبة من حولنا، كانت أنوفنا جميعا تمتد أمامنا وكنا كلنا بينوكيو.
الكذب حالة منتشرة في مجتمعاتنا منذ أن تحول الإنسان الى كائن اجتماعي، وخرج من قانون البقاء للأقوى ليصنع لنفسه قانون البقاء للأدهى، لذا أطلق مسميات على الكذب لا تلامس الواقع مثل “كذبة بيضاء” أو المقولة الشهيرة “أنا لا أكذب ولكن أتجمل” وخلط بين الكذب المتعمد والمجاملة الرقيقة التي نستخدمها أحيانا لكي لا نجرح الآخرين، ولعله ليس مصادفة أن يقرر الإنسان اقامة عيد للكذب. الإنسان خلد الأمومة بعيد والحب بعيد، ولكن أن يقيم عيدا للكذب فهذا امر يستدعي البحث فيه، هل هذا كان من باب الطرافة أو من باب التذكير بالكذب ونقله من فكرة سيئة الى فكرة طريفة، وكأننا نشرعنه أو نجد مبررا له، لكن انتشار الكذب اليوم جعلني افكر ان كل أيام السنة عيد للكذب.
بدأت حكاية هذا العيد كما تقول احدى الروايات من فرنسا بعد تبني التقويم المعدل الذي وضعه شارل التاسع عام 1564 وكانت فرنسا أول دولة تعمل بهذا التقويم، وحتى ذلك التاريخ كان الاحتفال بعيد رأس السنة يبدأ في يوم 21 مارس وينتهي في الأول من أبريل، حيث كان يطلق على الضحية في فرنسا اسم السمكة وفي اسكتلندا نكتة أبريل. ويرى آخرون أن هناك علاقة قوية بين الكذب في أول أبريل وبين عيد “هولي” المعروف في الهند والذي يحتفل به الهندوس في 31 مارس من كل عام، وفيه يقوم بعض البسطاء بمهام كاذبة لمجرد اللهو والدعاية ولا يكشف عن حقيقة أكاذيبهم هذه إلا مساء اليوم الأول من أبريل، وتبقى كل هذه الروايات غير مثبتة عن اصل العيد ويبقى العيد واقعا ينتظره البعض في كل عام ويعيشه السواد الأعظم في كل يوم، من هنا أصبح أول أبريل هو اليوم المباح فيه الكذب لدى جميع شعوب العالم فيما عدا الشعبين الأسباني والألماني، والسبب أن هذا اليوم مقدس في أسبانيا دينيا، أما في ألمانيا فهو يوافق يوم ميلاد “بسمارك “ الزعيم الألماني المعروف.
ولقد عرف العالم أكاذيب غيرت تاريخه وأدت الى قفزات سلبية في تاريخ الإنسان، وأشهرها من وجهة نظري ما عرف بوعد بلفور:” تعتبر الرسالة التي بعث بها وزير الخارجية البريطانية عام 1917 إلى اللورد روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة والتي عرفت فيما بعد باسم وعد بلفور، أول خطوة يتخذها الغرب لإقامة كيان لليهود على تراب فلسطين، وقد قطعت فيها الحكومة البريطانية تعهدا بإقامة دولة لليهود في فلسطين”
ولكن الكذب السياسي كذب خبيث له اغراضه، أما كذب الأفراد الذين يعيشون بيننا ويتحركون في عالمنا ويؤثرون علينا ويمارسون خديعة كبيرة على أحاسيسنا هو الاقسى، لأنه يلامسنا مباشرة، البعض يكذب ليتجمل وليتفاخر أوليغطي أكاذيبه فيدخل في سلسلة من الأكاذيب لا تنتهي، وأحيانا يكذب الإنسان خوفا من عاقبة تعود عليه بالسوأ أو للتلاعب بالآخرين والسيطرة عليهم والإيحاء لهم بتميزه وقوته. ومهما كانت أهداف الكذب هو صفة سيئة قد تصل الى حد الكذب المرضي الخطير ونبقى جميعنا بينوكيو.

randanw@hotmail.com