لا يجوز التشدد في الحكم على عقائد الناس

قضية نصر حامد أبو زيد في رؤية محمد عمارة –

عبد الله العليان –

بعد الضجة الكبيرة التي حدثت للأكاديمي المصري الراحل نصر حامد أبو زيد من أحدى المحاكم المصرية، التي قضت بالتفريق بينه وبين زوجته- الدكتورة ابتهال يونس- كما جاء في حيثيات المحكمة المصرية، بارتداده عن الإسلام في عام 1995، وأن هذا الحكم- كما قالت المحكمة- جاء بناءً على بعض دراساته ومؤلفاته التي أصدرها، وبالأخص من نصوص كتابيه (نقد الخطاب الديني)، و(مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن)، وقد دار حوار وجه لوجه، بين د/‏محمد عمارة ود/‏ نصر أبو زيد، على أحدى القوات الفضائية العربية التي هذه الحادثة، ثم أصدر محمد عمارة كتابه الموسوم (التفسير الماركسي للإسلام)، وكان نقاشاً مع أفكار نصر حامد أبو زيد، وحواراً معه فيما طرحه من أراء،على الرغم أن عماره، كما قال يختلف كثيرا مع أبو زيد في بعض أفكاره التي قالها في بعض كتبه وأبحاثه.. يقول محمد عمارة في مقدمة هذا الكتاب» بعد أن هدأ «القصف الإعلامي المتبادل» الذي شهدته سلحتنا الفكرية في الضجة التي ثارت حول أفكار الأستاذ نصر حامد أبو زيد، والتي امتدت لثلاث سنوات، أعتقد أن الوقت قد حان لتقديم» دراسة علمية موضوعية»، تحاول، قدر الطاقة، الالتزام بروح العدالة الفكرية وفضائل آداب الحوار..إذ لعلها، بجلاء الحقيقة،تعالج من «جراح» هذا «القصف الإعلامي المتبادل»، وتدعوا الفرقاء إلى «كلمة سواء». المقدمة الأولى:تتعلق ببدايات متابعتي لفكر الدكتور نصر، وتعرفي عليه..وكان ذلك قبل سنوات من قضية «ترقيته» إلى درجة أستاذ، والاعتراض عليها، وما ثار حول ذلك من «عراك»… فلقد ذهبت، ذات مساء، لأداء واجب العزاء، في وفاة أحد المعارف، من القيادات الماركسية للحركة الشيوعية المصرية- (ود/‏محمد عمارة كان ماركسيا في شبابه، قبل ما يتخلى عنها، وسجن عدة سنوات مع القيادات الماركسية، في الخمسينات من القرن الماضي)- في «دار المناسبات» الملحقة بجامع «عمر مكرم»، بوسط القاهرة.. وكان يجلس بجواري الصديق العزيز، والقطب الماركسي المعروف الأستاذ محمود أمين العالم. وفي أثناء تبادلنا لأطراف الحديث، تقدم شاب لا أعرفه، فحيانا وصافح الأستاذ العالم، ثم صافحني، وأنصرف عائداً إلى مكانه.. وعلق الأستاذ العالم- وهو يحدثني- ويشير إلى هذا الشاب- معرفاً إياي به- فقال: «الدكتور نصر أبو زيد.. أحسن من يحلل النص»(7،6).
ويضيف د/‏محمد عمارة في مقدمة هذا الكتاب لتوضيح ملابسات قضية نصر أبو زيد بعد الترقية والتطليق «ولما كانت شهرة الأستاذ العالم، «كناقد أدبي»، تنافس- بل وتتفوق على- شهرته «كمنظّر للماركسية»، ولأني لم أتوقع أن يطلق أحد على القرآن الكريم مصطلح «النص»، لشيوع هذا المصطلح في حقل الإبداع الأدبي والدراسات النقدية الأدبية- النص المسرحي.. النص الروائي.. النص الشعري إلخ- ..فلقد حسبت أن الدكتور «نصر أبو زيد» واحد من النقاد الجدد- الذين لم أتابع أعمالهم النقدية- في حقل الآداب والفنون .. ولأني خبير قديم بالماركسية والماركسيين- لغة ..وفكراً.. وممارسة.. وأساليب عمل..وأنماط علاقات- فلقد أدركت من حيث الأستاذ العالم عن الدكتور نصر- أنه معه في المربع الفكري والاتجاه الإيديولوجي.. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت ألتفت إلى دراسات الدكتور نصر، والتي لاحظت أن يخص بها، أساساً، الدوريات الماركسية واليسارية- «قضايا فكرية»..و«أدب ونقد» و«اليسار».. و«الأهالي»، في مصر و«الطريق»، في بيروت.. إلخ..لكن الأمر الذي أثار القلق في نفسي، وفجّر لدى العديد من علامات الاستفهام، قد حدث عندما رأيت- في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. مؤلف الدكتور أبو زيد: [مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن]!!.. عند ذلك، تذكرت حديث صديقي الأستاذ محمود العالم في «ليلة العزاء».. إذن، «فالنص» الذي تخصص «الكادر الماركسي» الواعد- الدكتور نصر- في تحليله، هو القرآن الكريم. وكان مبعث القلق، كما يرى د/‏ عمارة، والداعي لعلامات الاستفهام، أن الماركسيين المصريين والتنظيمات الشيوعية المصرية- وبخاصة تلك التي كان لها وزن ووجود في الشارع المصري- قد ألتزمت تاريخياً بفضيلة الابتعاد عن التعرض للعقائد الدينية، أو التي التحليل للمأثور الديني، بمناهج المادية الجدلية والمادية التاريخية.. وحتى في مدارس «الكادر» داخل التنظيمات الشيوعية- لم يكن يدرس الإلحاد..(:)، لقد تساءلت، وأنا أقلب صفحات كتاب نصر أبو زيد:[مفهوم النص:دراسة في علوم القرآن]: هل تخلى الماركسيون المصريون عن هذا «الذكاء» التقليدي، وعن هذا « الحذر» التاريخي؟!.. وهل تجاوزوا الخطوط الحمراء، التي رسموها هم لأنفسهم إزاء الدراسات الدينية، فلم يعودوا يكتفون بنقد الجماعات الإسلامية.. بل ولا حتى مناقشة «الفكر الإسلامي».. وإنما غدوا يخضعون «المقدس الإسلامي»- وفي مقدمته القرآن الكريم. المقدمة الثانية: وهي تتعلق بموقفي من الحكم الذي أصدرته استئناف القاهرة، دائرة الأحوال الشخصي، 1995، والذي قضت فيه بالتفريق بين الدكتور نصر وزوجته الدكتورة ابتهال يونس، لقد انهالت عليّ المكالمات الهاتفية- وكنت مريضاً ألازم الفراش، إثر عملية جراحية ـ تطلب رأيي في الحكم، وبالذات في «الردة» عن الإسلام، وفي الموقف من «المرتدين».. وكانت إجابتي، التي أذيعت ونشرت في أكثر من إذاعة وصحيفة ومجلة، منها: « صوت أمريكا»، و«الحياة»،» و«الشرق الأوسط» ،و«المجلة» و«الراية»، و«الأنباء»،- خارج مصر- و«العربي»، و«الشعب»، و«المصور»، و«الأهرام» –الطبعة الإنجليزية- و«الأهرام المسائي»- داخل مصر- كانت إجابتي تقول: «إن قضية الدكتور نصر أبو زيد، هي قضية فكرية، مجالها الحوار الفكري. والمختصون فيها، هم المفكرون والباحثون. وهي ليست قضية قانونية، يختص بها المحامون ودوائر القضاء. وهذا ليس تقليلاً من شأن المحامين والقضاة.. فالدكتور نصر صاحب مشروع فكري، وأنا ممن يختلفون مع قضاياه المحورية اختلافًا جذريًا. فكتاباته تدور حول تاريخية النصوص المقدسة، أي نفي الخلود والعموم عن أحكامها. وأنا أرى أن مثل هذه الأفكار يجب أن تكون موضوعاً لحوارات فكرية جادة وموضوعية، لا أن تكون مادة لدعاوى وأحكام قضائية. وهذا توزيع للاختصاصات. فعريضة الدعوى، ليس مجالها مناقشة القضايا الفكرية. وحيثيات الأحكام، ليست مؤهلة-في العادة- للفصل في مثل هذه القضايا الفكرية المتخصصة»(9،8).
.أنني من أنصار التعددية، كما يقول محمد عمارة، «والتعددية في الإسلام، ليست خيارًا سياسيًا أو إنسانيًّا فحسب، بل هي من الأساس سنة من سنن الله في الخلق والفكر والاجتماع الإنساني. وتقدير المصلحة والمفسدة، والموازنة بينهما، لابد أن يكونا في اعتبارنا.. فالإسلاميون سيكونون الخاسرين، قبل غيرهم، إذا تم تقييد حرية الفكر. ومن مصلحتهم، قبل غيرهم، فتح أوسع أبواب الحرية أمام الجميع. فبحرية العمل والفكر الإسلامي، سيكسبون الملايين، ولن يخسروا بحرية الفكر المعادي للإسلام إلا أفرادًا قلائل، وقد يكون التخلص منهم مكسبًا كبيرًا!! فمن خلال الحرية، تتحقق مصلحة الإسلام، وعلينا أن نحارب الكفر والمروق والنفاق بسلاح الكلمة، والحجة والبرهان، وليس بمصادرة الفكر. فأنا ضد مصادرة كتب نصر أبو زيد أو سعيد العشماوي؛ لأن الإسلام كان دائما يطلب البرهان. أما المشركون، فهم الذين كانوا يرفضون الجدال والحوار والمناقشة، بل ويصادرون الفكر… القرآن الكريم يقول: (هاتوا برهانكم) – (هل عندكم من علم) ؟! أما الشرك، فهو الذي كان يقف مع مصادرة الفكر، فيقول : (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون)!!. كان هذا في المجتمع المكي.. أما في المجتمع المدني، على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلم يرد أي ذكر عن أية محاكمات أو عقوبات ضد المنافقين.بل لقد رفض رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، قتل المنافقين- ومنهم زنادقة يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر الذي عادوا إليه بعد إسلامهم- برغم أنه كان يعرفهم، ويعرف أنهم يؤمنون أول النهار، ويكفرون آخرة!.. وذلك حتى لا يقال: «إن محمدا يقتل أصحابه». كذلك، يجب أن نحذر التشدد في الحكم على عقائد الناس، والمطلوب هو مراجعة أفكارهم وكتاباتهم، فقد تكون لديهم تفسيرات أو تأويلات تنفي عنهم شبهة الردة .. ويجب أن نتذكر ونُذكر بكلمات الإمام محمد عبده: «إنه إذا صدر عن إنسان قول يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، وجب حمله على الإيمان»!… وكلمات حجة الإسلام الغزالي- في كتابه: [فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة] ـ «إنه لا يسرع إلى التكفير إلا الجهلة»! .. فهذه الأفكار هي المعبرة عن حقيقة موقف الإسلام، الذي لم يجعل لإنسان ـ حتى ولو كان شيخ الإسلام أو المفتي أو القاضي ـ سلطاناً في الحكم على عقائد الناس ..وأخيراً، فإن حد الردة خاص بجريمة الخروج على مجتمع، وهدم مقوماته- فهو خاص بلون من «الحرابة الفكرية». ولذلك، فإن المرأة المرتدة لا يقام عليها الحد، لأنها غير محاربة.. وإذا كان القرآن الكريم قد خلا من تحديد عقوبة دنيوية للردة، فإن الفقهاء قد استندوا في تقرير حد الردة على الحديث النبوي «من بدّل دينه، وفارق الجماعة» فاقتلوه. ومفارقة الجماعة، تعني الخروج على الأمة، وتساوى في- عصرنا- «الخيانة الوطنية ـ والتعاون مع أعداء الوطن- والحرابة لهدم مقومات الاجتماع الإسلامي)).. ولذلك صنف الفقهاء «باب الردة» في «كتاب الحرابة»، عند التأليف في الفقه الإسلامي. وإذا كان الدكتور نصر أبو زيد قد سعد بموقفي هذا، فقال: «لأول مرة، نتعلم كيف ندافع عن حرية من نختلف معه. إنها نقطة مضيئة ومشرقة للدكتور عمارة..ولكن ما ذكره بخصوص تاريخية النصوص ليس دقيقاً، فأنا لم أقل إن القرآن والسنة لم يعودا صالحين لزماننا .. وأشعر أن الدكتورة عمارة نقل هذا الفهم لي عن أحد الكتاب الصحفيين، وأنا أجله عن ذلك، وأدعوه لمراجعة كتابي الأخير [التفكير في زمن التكفير ]،خاصة الفصل المخصص لمفهوم التاريخية».(9ـ12). وإذا كان هذا هو تعليق الدكتور نصر أبو زيد-، كما يقول عمارة: «والذي قبل فيه الحوار الفكري- فان بعض خصومه قد صعد إلى منابر المساجد ليهاجمنا على هذا الموقف الذي وقفناه، متهما إيانا «بمهادنة الكفر والملاحدة والشيوعيين».