عطر : لهذا نحن كائنات عدوانية!

رندة صادق –

مشهد لا يمكن أن أغادر تفاصيله ولا يمكن أن أتخلص منه، هو كابوسي اليومي، يطل من بين ركام الذاكرة ويجذبني إلى ميدان الموت، أنها أول جثة أراها.
الموت يرقص في ساحات المدينة، العيون في كل مكان على الشرفات وأسطح المباني وعلى الأرصفة وفوق كل تلة تشرف على المشهد، سكان مدينتي خرجوا تشفيا ليشاهدوا القتل المحترف ويتعلموا أساليب التمثيل في الجثث.
حين تعم الجريمة ويصبح القتل بطولة والسرقة شطارة، حين ترى الطفل يصفق والمرأة تزغرد لمنظر جثة تجر على الإسفلت وأناشيد النصر تهلل وترتفع، الكل يشعر بالنشوة، ومنظر الرجل العاري من ملابسه والذي تتبعه خيوط من لحم ودم يثير بي رغبة بالتقيء، كانت أمي تغطي عيوني بيدها أما أنا فأشعر أن وجهي كله عيون.
غطت أمي عيني لكن لم تتمكن من تغطية ذاكرتي. كرّت سبحة السنين وغلب معظم ذاكرتي الصدأ وظل الموت المعروض كفساتين الأعراس في الواجهات الفاخرة يترصدني، ليذكرني أن العنف والعدوانية قد يجدا الشرعية ويحصدا التأييد والتصفيق.
ما يحزنني شعوري أننا جميعًا شاركنا في هذا القتل المعروض بمجانية التعطش للدم، أرادوها عبرة لمن لا يعبدون ما نعبد ،فكانت عبرة لي ما زالت تسكنني أشباح الموت ورائحة البارود ولون الدم الملتصق بجدار ذاكرتي ليتنا نتوقف عن قتل الآخر لاختلافه عنا في طريقة عبادته الله، الله لا يريدنا أن نقتل عباده بحجة عبادته.
هذا المشهد المأخوذ من الحرب الأهلية اللبنانية التي جرت في عام 1975 والذي يلح في الظهور في مساحات وعي جعلني أفكر أن الإنسان المخلوق الوحيد الذي لا يقتل دفاعا عن نفسه فقط أو من أجل عيشه كما تفعل الحيوانات وأنه المخلوق الوحيد الذي يقتل نفسه، هذه الغريزة العدوانية ما هو مصدرها ؟
من الملاحظ أن الحضارة والمدنية والتطور الذي توصل إليهم الإنسان لم يقللوا من عدوانيته ومن ميله للقتل والإبادة، ويرى فرويد عالم النفس الشهير “أن الإنسان على مرّ العصور حاول كبت عدوانيته وهذا ما أدى به إلى الخلل النفسي والعصاب”. نتيجة لهذا قام الإنسان بدفع الجهاز النفسي العصبي إلى خلق ما يعرف بالنظام الكابح عالي المستوى ضد الانفعالات الغرائزية وعززه بالتجارب والقيم الروحية والأخلاقية والقانون والعقوبات. ولكن هذا لم يغير من عدوانيته الفطرية فهو لديه ميل غريزي لكره الأغراب، ويرجح العلماء أن هناك بعض العوامل الجينية الموروثة، التي تجعل الإنسان أكثر ميلاً للعنف والعدوانية، مثل زيادة هرمون الذكورة (تستوستيرون)، سواء في الرجل أو المرأة أو الطفل، والذي يجعل الإنسان أكثر عدوانية وأكثر ميلا للعنف، أو نقص (السيروتونين)، وهو إحدى الموصلات العصبية المهمة، التي يؤدي نقصها إلى حالة من الاكتئاب والعدوانية التي قد تؤدي في بعض الأحيان إلى الانتحار، وكذلك حالات الاكتئاب المزدوج، أو الفصام. كما يشدد البعض على أن الأطفال في المراحل الأولى من طفولتهم يتماهون بالأشخاص القريبين منهم، أخ أكبر، أو نجم تليفزيوني أو سينمائي، سواء من البشر أو من الكرتون (الرسوم المتحركة)، وإذا كان هذا الشخص لديه ميل أو سلوك عدواني خاصة، فإنه يختزن هذا النموذج، ويحاول تقليده من خلال إعجابه به في منطقة اللا شعور.
يبدو أن الإنسان يقتل ليقتل، ويستسلم لقدرته على القتل، ويبدو أن تهذيبه وتعليمه لن يغيران في تركيبته التي تميل إلى العنف والقتل والتمتع بمشاهدته.
randanw@hotmail.com