105 أعوام على ميلاده.. «العبقري» نجيب محفوظ

إيهاب الملاح –

وما زال نجيب محفوظ المولود في 11 ديسمبر 1911، الحاصل على جائزة نوبل في الآداب، قبل 28 عاما، هو الروائي العربي الذي استطاع أن ينتقل بفن الرواية العربية انتقالاته الأساسية الكبرى، وقبل حصوله على الجائزة الأكبر بعقود طويلة. 105 أعوام على ميلاده، وما زالت جوانب العبقرية والتفرد تفصح عن نفسها شيئا فشيئا، اكتمل المنجز الإبداعي بوفاة محفوظ في 2006، تاركا سبعة وخمسين عملا روائيا وقصصيا، أغلبها (في رأيي أكثر من نصفها أو يزيد) يقف شامخا معلنا رسوخه وتماسكه ومنافسته لأبرز وأهم ما كتبه عباقرة فن السرد وأساطينه في العالم أجمع.
ولأن التجربة المحفوظية بامتدادها الزمني وتوغلها المكاني، كانت من الثراء والتراكب ما يجعلها أرضا مترامية الأطراف شاسعة الأرجاء خصبة التربة، وافرة الإثمار، متجددة خالدة، وما يجعلها أيضا في الآن ذاته منجمًا لكل مريد وباحث في الأدب والنقد وعلوم الاجتماع والفلسفة والتاريخ والأنثروبولوجيا.. إلخ.
ولهذا، وعلى وفرة وغزارة ما كُتب عن محفوظ، نقدا وتحليلا ودرسا، فإن دراسةً تستجلي جوانب العبقرية والتفرد وتحليل مكونات الصناعة المحفوظية؛ تبدو مهمة بل ضرورية، وتتطلب احتشادا خاصا وتفرغا يكاد يكون تاما لعقود طويلة، وبما يؤدي إلى نتائج ظاهرة وملموسة تكشف ولو جانبا من أسرار هذه العبقرية؛ تحللها وتردها إلى عناصرها الأولى. كل ما سبق توفر في الكتاب الرائع «نجيب محفوظ وفن صناعة العبقرية» لأستاذ علم نفس الإبداع الراحل د.مصري عبد الحميد حنورة (صدرت الطبعة الأولى الكاملة من هذا الكتاب عام 2008 عن دار الشروق المصرية). هذه الدراسة الفريدة واحدة من أهم وأخطر الدراسات التي أنجزت عن محفوظ، وكشفت جوانب غير مسبوقة في مراحل إنتاجه لإبداعه الأدبي، وربما لا توجد في أي مصدر آخر إلا في هذا المرجع النفيس.
هذا الكتاب، وكما يقول مؤلفه، ثمرة جهد مشترك بينه وبين نجيب محفوظ، استمر لأكثر من ثلاثين عاما، فعلى مدى عشرات السنين وصلت بين المؤلف وبين محفوظ علاقةٌ شخصية فريدة، ألهمه خلالها الكثير من الأفكار والرؤى والممارسات، ليس فحسب فيما يتعلق بما ورد في الكتاب «ولكن في الكثير من الأمور التي ساهمت في تشكيل بنائي النفسى والأخلاقي».
رحلة خاضها المؤلف مع محفوظ، حاول خلالها أن يستدعي ذكرياته وانطباعاته معه، أولا، عبر 40 عاما تقريبا، منذ بدأ حياته البحثية عقب تخرجه في الجامعة. ولهذا فإنه خصص الفصول الأولى من كتابه المرجعي للتطواف في جنبات عريضة من حياة وشخصيات وشخصية نجيب محفوظ، صحيح أنه لا يزعم أنها كافية لتغطية كل حياة نجيب محفوظ، ولكنها اعتبرها مجرد مقدمة لفصول أخرى، وافية، تعرض لجوانب من مسيرة حياة العبقري خاصة في تجلياتها الإبداعية.
عبر جلسات عدة، ومقابلات خاصة، وملء بيانات مختبرية والإجابة عن أسئلة معملية متخصصة، جزم المؤلف بوجود حقيقة مؤكدة انطلق منها في تحليل ودراسة «العبقرية المحفوظية»، وهي أن مخزون الذاكرة يلعب دورا جوهريا في العملية الإبداعية، وفي الناتج الإبداعي، كما يذهب «ستيفن سبندر»، من أن الذاكرة هي جذر العبقرية المبدع.
واستند في ذلك تحديدا إلى ما ذكره له نجيب محفوظ من أن ضعف أدوات المعرفة تعوق الإنسان عن التفكير أو الإبداع، وأن الإبداع ليس بالضرورة ابن لحظته أو ردا على منبهات فورية موقفية تستقبلها الحواس؛ تلك الذاكرة طويلة المدى التي تنشط وفقا لأحدث النتائج العلمية مع تقدم العمر، هي بالضبط الحال التي كان عليها نجيب محفوظ.
وكشف المؤلف أن ما يحصل عليه نجيب محفوظ من مجالسيه من معلومات تصف وتفسر الأحداث والكتب والأفكار المطروحة أكبر بكثير مما يحصل عليه أي شخص آخر يعيش بيننا، خاصة أن ما يتم تقديمه لنجيب محفوظ لا يتلقاه تلقيا سلبيا، بل عادة ما يكون مصحوبا بتعقيبات من الحاضرين وتحليلات وتفسيرات متنوعة، وكثيرًا ما يدور على مسمع منه نقاش عميق حول ما يتلقاه، وبالتالي فإن نجيب محفوظ كظاهرة معرفية معاصرة هو بجميع المقاييس «معجزة» تستحق الدرس العميق من الذين لديهم شغف بالمعجزات المعرفية غير المعتادة في زمن تندر فيه المعجزات. ومن تفاصيل رحلة حياة محفوظ وتحليل ومعطياتها، يتوصل المؤلف إلى أنه صنع عبقريته بنفسه، من خلال جهد ذاتي دؤوب، منذ وقت مبكر في حياته.
وعلى عكس ما هو شائع من سيرة محفوظ وحياته، لا يرد المؤلف أزمته الكبيرة سنة 1936 عندما قرر التفرغ للأدب إلى معركة ذاتية داخل نفسه فقط. كلا، فإنه يجزم بأن ربع القرن الذي سبق سنة 1936 من حياة نجيب محفوظ كان عامرا بالسعي المثابر نحو هدف، ربما لم يتبين مبدعنا ملامحه في البداية، ولكن كان قادرًا على أن يمضي نحو تبين تفصيلات هذا الهدف من خلال ممارسات متنوعة تخطئ حينا وتصيب حينا آخر، ومن خلال المحاولة والخطأ تشكل الوعي وقويت الإرادة وتبلور السعي الذي قاد خطاه في المستقبل وكانت بمثابة إضافة إلى البناء: بناء الشخصية الإبداعية وصناعة سمات العبقرية.
في فصول تالية، هي في نظري أهم فصول الكتاب وأخطرها، قدم حنورة استعراضا للموهبة الأدبية في البناء الإبداعي عند نجيب محفوظ من منظور نفسي تكاملي بنائي دينامي، وقد اتضح أن الأساس النفسي الفعال لدى الكاتب قد تحقق له بدرجة عالية من الثراء والكفاءة بما جعله قادرًا على أن يسيطر على مفردات العملية الإبداعية ويوظفها توظيفا ذهنيا وجدانيا اجتماعيا جماليا في آن واحد، وهو الأمر الذي يؤكد صدق النموذج النظري الذي تبناه في دراسة الظاهرة النفسية عمومًا، والظاهرة الإبداعية على وجه الخصوص؛ وهو ما أطلق عليه «التوجه التكاملي» الذي رأينا أن نجيب محفوظ هو أفضل تجسيد لمفرداته وتفاصيله وعمومياته أيضًا.
عطفا على التحليل النفسي الدقيق، وفق نماذج منهجية منضبطة، لسير العملية الإبداعية داخل عقل ووجدان محفوظ، يصل المؤلف إلى استخلاص نتيجة محورية وأساسية، وهي أن أبرز خصائص العملية الإبداعية عند نجيب محفـوظ هي تمتعه بقدرة متفوقة على الأصالة؛ أي الإبداع في سياق الجديد الموجز غير المكرر والملائم لطبيعـة السياق ومنطقه.
ويجزم حنورة بأن محفوظ كان يقوم بذلك في إيجاز يصل إلى حد الإعجاز، بحيث لا يجد الباحث كلمة زائدة عما يقتضيه المقام، ولا يعثر على موضع كان يحتاج إلى مزيد من التفصيل، وهو ما يمكن أن ينظر إليه النقاد بوصفه إحكاما للعمل الأدبي، وهندسة للبناء الفني، أو ما يطلق عليه بعضهم «روعة المعمار الفني» في روايات نجيب محفوظ.. إلخ. لكن حنورة، هنا، يهتم في الأساس بالقدرة على الإبداع، كما يمارسه المبدع في أحـد أعمالـه الفنية، وكما يفرزه في سياق ما ينجزه من إبداعات، بحيث يجيء العمل الذي يقدمه صورة من قدرته، ودليلا على مدى براعته وتمرسـه وسيطرته على أدواتـه الإبداعيـة، ومعبرا عن الأساس النفسي الفعالPsychic Functional Constitution)، الذي قاد خطى المبدع وهو يعمل ويحرس تلك الخطى في الاتجاه المناسب وحافظ عليها من الضياع والتبدد في منافذ غير مطلوبة أو مرغوبة، وهو الأمر الذي حافظ على وحدة العمل وجماليات المنتج ومنطقية البناء وسلاسة وتواؤم العلاقات بين مختلف مفردات العمل الإبداعي.
إن هذا الكتاب دليل ناصع دامغ آخر، ضمن أدلة كثيرة أخرى، على أن محفوظ كان ولا يزال «عبقري» الرواية العربية بلا منازع.