هوامش ومتون : معزوفات تمحو الدم من مدرّجات «الجم»

عبدالرزّاق الربيعي –
razaq66@hotmail.com –

أسمع كثيرا بالمسارح الرومانية التي بناها الرومان في عصر ازدهار حضارتهم قبل أكثر من ألفي سنة، وزرت بعضها في جرش والعاصمة الأردنية عمّان، ولكنني لم أتخيل أن هذه المسارح يمكن أن تحتوي على تفاصيل، وغرف،وأقبية لا يعرفها إلا من سنحت له الفرصة في دخول أحدها كما أتيحت لي عندما أدرجت إدارة مهرجان الشعر العربي بالمهدية التونسية فقرة زيارة المسرح الروماني المزدوج الواقع في مدينة «الجم» الساحلية الواقعية جنوب شرق العاصمة، ويعني الاسم بالأمازيغية الجمع،أو الملتقى، ضمن فقرات المهرجان الذي أقامته وزارة الشؤون الثقافية في المهدية، تلك المدينة التاريخيّة التي بناها عبيدالله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية لتكون عاصمة له سنة 920م، وكنت برفقة عدد من الشعراء، والأدباء العرب المشاركين في المهرجان، يدفعنا ما قرأناه عن ذلك المسرح الذي يحتلّ المرتبة الرابعة في عظم بنائه، إذ يأتي بعد كولوزيوم روما، ومسرح كابوا، ومسرح بوتسوولي.
لم تكن المسافة طويلة، إذا أنها لم تتجاوز الثلاثين كيلومترا، لكنّ قطعها استغرق حوالي ساعة لبطء الحافلة في السير، هذا البطء أتاح لنا فرصة تأمّل المساحات المفروشة بأشجار الزيتون، والمزدانة بالخضرة، وجمال الطبيعة الذي لا يعرف من السنة غير فصل واحد دائم هو الربيع، رغم إنّنا كنّا في عزّ الشتاء.
وحين وصلنا المكان، كانت الشمس تميل إلى الغروب، وفجأة بان لأنظارنا المارد الروماني الذي يربض محتلّا مساحة واسعة من مكان وجدناه يضجّ بحركة كسرت صمته التاريخي، وكان مصدرها أفواج السيّاح الذين يقصدونه من مختلف بقاع العالم، وتلاميذ المدارس، الذين كانوا يملأون ساحة المسرح، وممراته، ودهاليزه، إذ تقوم مدارسهم بتنظيم رحلات مدرسية لهم؛ لتعريفهم بهذا الأثر الكبير، فيخرج المكان من صمته، وينطق متحدّثا بلسان جمال تصميمه الهندسي الذي جعله مصدر جذب سياحي.
والذي ينظر إليه من مسافة بعيدة يلاحظ أن البناء بيضاوي الشكل، شاهقا، تتوسّطه ساحة واسعة يحيط بها الجمهور، على شكل حلقة، تجري داخلها العروض، ويطلق على هذه المسارح تسمية المسارح المزدوجة، ولكلّ مسرح بابان كبيران،الأول لدخول الجمهور، والمصارعين، والحيوانات،والثاني لخروج الجثث، بعد انتهاء حفلات الدم، وبين باب الدخول والخروج، تمتدّ تلك المسافة الفاصلة بين الفرح، والحزن، بين الفوز، والخسارة، بين الحياة، والموت، وكلّ ذلك يجري بحضور جمهور كبير قدم ناشدا المتعة في مكان يعدّ اليوم من أبرز المعالم الأثرية، في «الجم»، ويقف شاهدا على عبقرية الهندسة الرومانية، في تجل من تجليات الفن المعماري، وقد بني في عصر شهد ازدهارا حضاريّا، وتقدّما في الفنون في كافة المجالات، إذ يعود بناؤه إلى ما قبل 1800 سنة، وتحديدا في سنة 238 م، وشغل مساحة واسعة، فقد صمّم لكي يتسع لأكثر من 30 ألف متفرج، ويمكننا تخيّل حجم الإقبال على هذه المسارح، والعروض في ذلك الوقت، أما ارتفاعه، فهو يبلغ 36 م،وطول حلبته 65م هذا البناء لم ينجز بين ليلة وضحاها،بل استغرق سنوات، وجهود وذلك لسعته، وكثرة مرافق خدماته، ومن تلك المرافق توجد به غرف خاصة بالمصارعين، والحيوانات، بل يحتوي أيضا على مكان مخصص لجثث المصارعين قبل دفنها، وقد علمت بوجود سرداب يبلغ طوله 170كلم يربط القصر الذي يسمى بقصر الكاهنة نسبة إلى الملكة البربرية التي احتمت به مع جيشها لمدة أربع سنوات بعد أن هزمها حسان بن النعمان الغساني، وينتهي السرداب في البحر،ومنه يهرب السكان في أوقات الأزمات والحروب.
ولم تكن هذه المسارح مخصّصة للحفلات، كما هي اليوم، إذ يحتضن سنويا مهرجان السيمفونية العالمي بـ«الجم»، بل كانت تقام عليها عروض الألعاب، والمصارعة، وحين تجوّلنا في المسرح لاحظنا وجود العديد من الأقبية المحاطة بقضبان،وعندما سألت عنها قيل لي إن الحيوانات المفترسة كانت توضع داخلها، ويتم الاستعانة بها في حلبات المصارعة التي كانت تستمر عدة أيام، وغير عروض المصارعة يتم في حلبته إعدام أسرى الحروب، والمجرمين، والعبيد الآبقين بتركهم مع الحيوانات المتوحشة لتفتك بهم، وكذلك يجري بها إعادة تمثيل المعارك الكبرى التي يخوضها الرومان.
إنّ البناء الشاهق للمسرح يجعلنا نفكّر في تكاليف بنائه، وبهذا الشأن، تؤكّد المصادر أن ثراء المدينة أمكنها من ذلك، ويعود هذا الثراء إلى وقوعها على مفترق الطرق، واشتهارها بزراعة أشجار الزيتون، التي بقيت لليوم تحتلّ مساحات خضراء واسعة تقع على مد البصر ضمن سيمفونية بصرية جميلة هي أرضيّة خصبة لمن يقصدها ليستمتع بحفلة موسيقية تزخرف المكان، وتقطع أنين جثث أسرى الحروب، وعبيد، سالف الأزمان.