سطوة منصات التواصل الاجتماعي

د.عزة القصابي –

تضج «مواقع التواصل الاجتماعي» بقصص واقعية وأخرى وهمية. منها ما كان سببا في إسعاد الناس، ومنها ما تسبب في تعاستهم وسلب أموالهم وابتزازهم، وإيذائهم نفسيا وجسديا.
تتصدر القصص الإنسانية المؤثرة منصات التواصل الاجتماعي، فكثيرا ما تنشر قصة عن أسرة معوزة ماديا بكافة تفاصيلها وشخصياتها، مدعمة بالصور والحقائق، وما هي إلا لحظات حتى تحظى القصة المنشورة بتعاطف آلاف المتابعين، يعقبها تدخل سريع لأصحاب الأيدي البيضاء بالدعم والعون، وعلى النقيض من ذلك فقد يستغل المحتالون مواقع التواصل الاجتماعي لتحقيق مآربهم لتنفيذ السرقات والابتزاز المادي وخلافه، فقد تستغل الشركات الوهمية البيانات الشخصية للأفراد المدرجة في العالم الافتراضي، وتتواصل مع صاحبها وتمنحه الثقة وتستدرجه للدخول في شراكة معها، وتوهمه بتحقيق الربح السريع! وفي قصة واقعية قامت جهة افتراضية وهمية بالتواصل مع رجل أعمال عربي، بعد حصولها على معلومات سرية حول مجموعة الشركات التي يملكها، وتمت مخاطبته عبر حسابه الوهمي، وطلب منه تحويل مبلغ إلى حساب بنكي لإحدى الشركات التي يتعامل معها.
بذلك ندرك أننا واقعون لا محالة في سطوة العالم الافتراضي لمواقع التواصل الاجتماعي، شئنا أم أبينا … وأننا أصبحنا محكومين بنتائج هذا الفضاء المفتوح، وتعددت تسميات مواقع التواصل الاجتماعي، منها: الإعلام البديل، ووسائل التواصل الحكومي، أو الإعلام الاجتماعي، الذي يتجسد وجوده في منصات شبكات التواصل الاجتماعي المعروفة.
ولقد سارعت وسائل الإعلام التقليدية (الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية) بفتح حسابات رسمية لها في لُجة العالم الافتراضي الجديد، لتضمن لنفسها الاستمرارية والبقاء في هذا الوسيط الذي سحر الجميع.
ولكن ماذا عن سمات مواقع التواصل الاجتماعي، التي جعلت الجميع منجذبا إليها؟ … تتصدر حرية التعبير والبُعد عن الرسميات، كسبب رئيس في إقبال الناس عليها. فعبر الإعلام الجديد يتمكن الفرد من طرح وجهة نظره بحرية دون قيود أو شروط للكتابة والتحرير والنشر. إضافة إلى سرعة التواصل مع الآخر، إذ تمكن المستخدم من إرسال الرسائل أو اجراء الحوار أو الفيديو لملايين من البشر وتلقي ردود الأفعال في ثوان معدودة.
لقد أقبلت جميع فئات المجتمع صغيرها وكبيرها، إناثا وذكورا على فتح حسابات لها في منصات التواصل الاجتماعي، والذي ساعد على ذلك توفر الإنترنت والهواتف الذكية بتعدد أنواعها وأشكالها حول العالم. جميع ذلك جعل الأفراد صباحا ومساء في حالة اتصال دائم عبر الدائرة الافتراضية رغم البعدين الزمني والجغرافي عن مصدر الحدث. وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في التبادل المعرفي والثقافي، والتمكن من فهم وجهات النظر، إضافة إلى تبادل المواد المرئية بفعل توفر خاصية تحميل الأفلام والبرامج. تعتبر قناة موقع اليوتيوب وسيلة جيدة للترويج عن المنتجات والأفكار، والقيام بحملات ترويجية للمنتجات التجارية والأشخاص.
بشكل عام تتميز مواقع التواصل الاجتماعي بالتفاعلية؛ كونها وسيطا تجاريا تسوق عبره الكثير من المواد الاستهلاكية بواسطة الصور ومقاطع الفيديو أو الصوت، حتى أصبحت هذه المواقع سوق إلكترونية للبيع والشراء، يمكن خلالها إتمام عملية البيع والشراء (أون لاين)، وإيجاد فرص عمل للكثير من الشباب، دون أن يغادروا مقاعدهم .
وهذا دفع الخبراء والدارسين لإجراء الكثير من الدراسات الوصفية والكيفية حول الإعلام البديل أو الإعلام الاجتماعي وتأثيره في حياة الناس، فمنهم من تناول الجانب التجاري على اعتبار أن مواقع التواصل الاجتماعي، تحولت إلى سوق تجارية افتراضية (أون لاين) مهمة حول العالم.
وهناك من حاول دراسة تأثير هذه المواقع على صحة الإنسان الجسدية والنفسية، مثل الدراسة التي قام مركز «بيو العلمي» الأمريكي للتعرف على درجات تأثيرها على الصحة العقلية والنفسية للإنسان المعاصر.
وفي البداية أوضحت النتائج إلى أن هناك أكثر من ثلاثة مليارات نسمة حول العالم يستخدمون منصات الإعلام الاجتماعي، ويتفاعلون معها يوميا، وهناك أكثر من مليون تغريدة وصورة تنتشر على موقع سناب شات للمحادثة كل دقيقة.
وكانت الأداة الرئيسية للدراسة (الاستطلاع) الذي وزع لأكثر من ألفي فرد. أفرزت النتائج أن النساء أكثر استخداما من الرجال لهذه المواقع. وعليه فهن أكثر عرضة للتوتر والضغط النفسي، مقارنة بالرجال. وأفادت الدراسة إلى موقع (توتير) هو أكثر المواقع تأثيرا على المستخدمين، إضافة إلى أسباب مختلفة تحيط بالفرد، وقد تكون سببا في عدم استقراره نفسيا، وهي تجعله يشعر بالتوتر وعدم الاستقرار.
أجريت دراسة أخرى لمعرفة ما إذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي، تساهم في التقليل من ساعات النوم البيولوجية لدى الإنسان؟ … بحثت في تأثير الضوء الصادر عن شاشات الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والأجهزة اللوحية، ولم تجزم النتائج بشكل قطعي بأن هناك علاقة طردية بين تقلص ساعات النوم ومواقع التواصل الاجتماعي. ولكن يمكن اعتبارها عاملا مساعدا في تقليل من ساعات النوم لدى الأفراد .
وعلى الرغم من الدراسات العديدة التي أجريت حول مدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على صحة المستخدمين، إلا أنه لا توجد حقائق تؤكد أنها سبب رئيسي في إلحاق الضرر بصحة الناس، شأنها في ذلك شأن التدخين والغذاء غير الصحي مثلا، ولم يسجل الدليل الطبي أن التعامل مع هذه المواقع بمثابة الأمراض المزمنة في حياة الناس، وهذا يعني أن الأشخاص يمكن أن يستفيدوا أو يتضرروا حسب طبيعة استخدامهم لهذه المواقع.
بقي أن نقول: إنه يصعب السيطرة على دائرة (منصات التواصل الاجتماعي) الافتراضية فالجميع واقع في شركها، ابتداء من الطفل الصغير والمراهق اليافع الذي يحلق في فضاء عالم الألعاب والشخصيات الافتراضية، أو الطالب الذي قد يبحث عن معلومات علمية، كما تضخ شركات الإعلانات مضامينها بكل كرم وسخاء على المتابعين، وهناك وسائل الإعلام المألوفة وتوجهاتها … والقائمة قد تطول، ويصعب حصرها، وتحديد مضامينها، أو التكهن بمستقبلها، أو محاولة معرفة الجديد القادم؟ … فهل سيكون من سلالة مواقع التواصل الاجتماعي، أم أنه سيستغل كيانه ويسحب البساط عن مواقع التواصل الاجتماعي، ويزيحها جانبا، كما حدث في وسائل الإعلام التقليدية؟