الحسابات الأمنية والمخاوف في المسألة الليبية

يسرا الشرقاوي –

الاستنفار الحدودي بشأن ليبيا ليس شأنًا مصريًا خالصًا، بل يمتد لباقي دول الجوار الليبي. فتونس مثلا تستعين بمساعدة دول أوروبية مثل المجر من أجل تدعيم القدرات الأمنية للمنطقة الحدودية المتاخمة لليبيا، فضلا عن التعاون القائم بين تونس ومالطا لعلاج أزمة الهجرة غير الشرعية بعد أن أصبحت الأولى منطلقًا أساسيًا لخروج أفواج الهجرة غير الشرعية نحو الأراضي الأوروبية عقب عبور ليبيا.
تصاعد الأزمة في ليبيا ودورانها في دوائر مغلقة كلما اكتملت بدأت من جديد، يستوجب تقييم بُعدٍ مهمٍ للأزمة وهو الآثار المترتبة بالنسبة لدول الجوار المباشر وباقي القوى الإقليمية. وتقييم الآثار الإقليمية لاستمرار وتطور الأزمة في ليبيا يستدعي مناقشة البعد الرئيسي وهو البعد الأمني.
فقد كشفت أحداث الأسبوع الأخير من العام الماضي 2018 عن أن ليبيا رغم كل الجهود المبذولة وطول أمد النزاع الذي بدأ قبل ثماني سنوات مازالت بعيدة كل البعد عن الاستقرار الأمني. فبخلاف حالة الانقسام السياسي الداخلي، وما يحدثه من تفريغ مليشيات ذات ولاءات متعددة، يلاحظ تكرار الأدلة على استمرار النشاط الوافر للتنظيمات المتشددة المعروفة بطبيعتها العابرة للحدود وفي مقدمتها تنظيم «داعش» الإرهابي. وتشكل هذه الخلاصة مصدر قلق أساسي بالنسبة لدول الجوار الليبي مثل مصر وتونس والجزائر، وتتوفر بواعث قلق مماثلة بالنسبة للسياق الخليجي أيضًا.
فقد توالت التأكيدات من داخل أجهزة المخابرات والمؤسسة العسكرية الأمريكية على عدم صحة ما أورده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهاية العام الماضي حول أن قوات بلاده بسوريا قد نجحت في إتمام مهمتها بالقضاء على تنظيم «داعش» في سوريا. لكن الواقع يوضح أيضا، أنه بخلاف استمرار النشاط الداعشي في كل من سوريا والعراق، هناك تواجد نشط ومؤثر للتنظيم داخل الأراضي الليبية. فرغم الانحصار المفترض لـ«داعش» هناك إثر الحملة الدولية عليه والتي بلغت ذروتها عام 2015، إلا أن «داعش» تعود وتتصدر المشهد الليبي في الفترة الأخيرة.
فقد أكد تقرير نشره موقع «سي.إن.إن» الإخباري بتاريخ التاسع من يناير الماضي أن ليبيا التي لا تعتبر معقلا رسميا لـ«داعش» تضم عدد كبير من الأنصار والمتعاطفين الناشطين مع التنظيم الإرهابي. كما أن موقع «بلومبيرج» الاقتصادي كان قد نشر يناير الماضي تقديراته لأبرز بؤر الصراع المتوقعة في القارة الأفريقية خلال العام الجديد 2019. وحذر «بلومبيرج» في تقديره بالنسبة إلى ليبيا من أن أي نزاع حول سير الانتخابات المفترضة أو نتائجها سيزيد حالة الانقسام والتقاتل، مؤكدًا إمكانية أن يمنح هذا السيناريو «داعش» فرصة لتشكيل قاعدة ويكون له حضور أكثر وضوحًا داخل ليبيا. وحذر التقرير بوضوح من أن وقوع مثل هذه التطورات سيكون لها أثار «مزعزعة» بالنسبة للأوضاع الأمنية الإقليمية تحديدًا، مع التنامي المترتب للعمليات الإرهابية والتخريبية العابرة للحدود.
وتبدو هذه التقديرات مقبولة، إذا ما تمت مراجعة اعتراف «داعش» بمسؤوليتها عن الهجوم الذي استهدف مقر وزارة الخارجية في طرابلس نهايات 2018، والذي أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، بالإضافة إلى الخسارة الاستراتيجية بتأكيد للحضور الواضح للتنظيم في ليبيا. ويضاف إلى ذلك تشعب شبكة الحركات الإرهابية والمليشيات المتطرفة التي إما تتعامل مع ليبيا على أنها إحدى قواعد نشاطها أو معبر استراتيجي لعملياتها.
فوفقا لأحدث تصريحات أحمد المسماري المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، أدلى بها الخميس الماضي، أن جنوب البلاد يشهد نشاطا غير مسبوق من تحالف مؤلف من المليشيات الإرهابية التي يرد بعضها إلى أراضي ليبيا من دول أفريقية مجاورة مثل تشاد. وكشف المسماري في سياق تصريحاته أن التحالف الإرهابي يسعى إلى بسط نفوذه ليس فقط على الجنوب الليبي وإنما عبور حدوده إلى عدد من دول الجوار.
تصريحات المسماري الأخيرة تؤكد المعروف حول «شرذمة» حالة التقاتل في ليبيا وتداخل أهداف ودوافع مليشيات الداخل بالوارد من الخارج. فقد شهد مطلع شهر فبراير الجاري مثلا آخر مصادمات مباشرة بين ما يعرف بمليشيات المعارضة التشادية والجيش الليبي الوطني والتي تركت وراءها قتيلين وعدد من المصابين في صفوف الجيش الليبي بعد صد هجمة القوات التشادية.
تعتبر هذه الأنباء ذات وقع بالغ السوء بالنسبة لدول الجوار الليبي والتي ترى في حالة الفوضى الأمنية والثغرات الحدودية التي مازالت ليبيا تعايشها تهديد أمني مباشر وتحديدا مصر. فقد كانت التقارير قد كشفت عن استهداف إحدى المليشيات النشطة في أراضي ليبيا ما يعرف بــ«تحرير مصر»، فضلا عن أن النشاط المتصاعد لـ«داعش» في ليبيا يعتبر من الأزمات التي يواجهها الجيش المصري، فيما يعمل على تطهير محافظة سيناء والمناطق الحدودية المصرية المتاخمة لليبيا من الجيوب الإرهابية والتي تتواصل جهودها منذ إعلان العملية الشاملة «سيناء ٢٠١٨».
جهود تعاون مصر وليبيا لتأمين حدودها تتواصل منذ مطالبة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإطلاق تسليح القوات الليبية النظامية من أجل مكافحة الإرهاب، وحتى بدء السلطات الليبية تشييد جدار «عازل» على الحدود المشتركة وتحديدًا عن المنفذ البري «إمساعد». ويستهدف مشروع الجدار الليبي – المصري، «والذي يزيد ارتفاعه على ثلاثة أمتار، ضرب أكثر من عصفور»، أولها وقف عمليات تهريب السلاح التي تنتقل من أراضي ليبيا والمساعدات اللوجستية وتهريب العناصر الإرهابية إلى داخل الأراضي المصرية. وثانيا، وقف حركة الهجرة غير الشرعية المغادرة لمصر والتي يدفع بها سماسرة الهجرة عبر المحطة الليبية.
الاستنفار الحدودي بشأن ليبيا ليس شأنًا مصريًا خالصًا، بل يمتد لباقي دول الجوار الليبي. فتونس مثلا تستعين بمساعدة دول أوروبية مثل المجر من أجل تدعيم القدرات الأمنية للمنطقة الحدودية المتاخمة لليبيا، فضلا عن التعاون القائم بين تونس ومالطا لعلاج أزمة الهجرة غير الشرعية بعد أن أصبحت الأولى منطلقًا أساسيًا لخروج أفواج الهجرة غير الشرعية نحو الأراضي الأوروبية عقب عبور ليبيا.
تونس التي باتت مركزًا أساسيًا لاستقبال مختلف المباحثات والفاعليات المرتبطة بليبيا، تكرر الكشف عن تورط عناصر إرهابية سبق تدريبهم أو مشاركتهم في أعمال قتالية بليبيا في تنفيذ اعتداءات إرهابية متكررة في تونس. الجزائر أيضا لعب دورًا أساسيًا في تأمين البنية التحتية والمرافق الأساسية في مناطق الغرب الليبي، وذلك بعد نشر قواتها إلى جانب قوات فرنسا وأمريكا هناك. وهدف الجزائر الأساسي بهذا الشأن التواجد ضمن ترتيب موازين القوى الإقليمية على الخلفية الليبية، أكثر منه ردعًا للتهديد الأمني من جانب المليشيات والتيارات المختلفة الناشطة هناك، وذلك مرجعة اختلاف التركيبة السياسية في الجزائر عن باقي دول المنطقة.
التنافس، وأحيانا التعاون بين القوى الإقليمية من أجل التواجد والمشاركة في توجيه الشأن الليبي مرجعه في الأساس طبعا «الوقاية» من أعراض الأزمة الأمنية التي يسهل أن تنتقل عبر الحدود لزيادة الارتباك الداخلي في أغلب هذه الدول.
وهناك طبعا أبعاد أخرى، منها استهداف الحفاظ على موقع قدم لضمان المشاركة في عمليات إعادة الإعمار المزمعة في مرحلة ما بليبيا والتي ينتظر أن تكون سوق جاذب للكيانات الحكومية والخاصة سواء إقليميا أو دوليا. فعمليات إعادة الإعمار ينتظر أن يتجاوز قيمتها الــ١٠٠ مليار دولار وفقًا لأحدث التقديرات. لكن حتى بلوغ هذا الحين، تعتبر الحسابات الأمنية والمخاوف المستمرة من عبور الإيدولوجيات المتطرفة والسلاح والمواد والمهربة ومعهم أفواج المهاجرين غير الشرعيين، الموجه الرئيسي لسياسات دول المنطقة إزاء أزمة ليبيا في الوقت الراهن.