عطر: الإنسان كائن أحمق

رندة صادق –

هذا العنوان ليس الغاية منه إهانة الجنس البشري، أو الانتقاص من قيمته، أو الاستخفاف بوجوده، والبعد الواعي له، أوالهدف الغامض منه، ولكن هو استنتاج لتاريخه الحضاري وتطور تفكيره عبر العصور الى يومنا هذا. من المهم أن ندرك، أن هذا الموضوع يحتاج الى دراسات كثيرة مرتبطة بعلوم متشعبة، لا تكفيه مقالة تختصر وتوجز الفكرة في عدد كلماتها، ولكن هناك أمرا مهما لفتني وجعلني أستنتج هذه الحماقة التي هي سمة الجنس البشري، والتي وصمت أداءه منذ تواجده على الأرض.
بداية ما معنى حماقة؟ “الحماقة مأخوذة من حمقت السوق، إذا كسدت، فكأنه كاسد العقل والرأي لا يشاور ولا يلتفت إليه في أمر حرب‏. ومعنى الحمق والتغفيل هو الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب مع صحة المقصود“ وهذا يجعلنا نتذكر قول أحد الشعراء العرب حيث قال في الحماقة: “ “لكل داء دواء يستطبّ به إلا الحماقة أعيت من يداويها”
الحماقة هنا، هي تاريخ الفعل الجماعي الذي أوصل البشرية الى ما هي عليه، لقد مُنح الإنسان العقل والقدرة على التحليل والاكتشاف والاختراع والتقدم والتطور والتحدي والبحث الدائم عن العلم والتطور، وهذا لم يكن لأن الإنسان يفكر بعقل واع، بل هو يعيش بمصادفات ويحارب بعقل يخطط حاقد وقلب كاره، تاريخ وجود البشرية تاريخ من النزاعات والتقاتل وارتكاب كل الحماقات الممكنة من أجل السيطرة المطلقة على الأرض وما عليها، لذا وقع في فكرة التفوق النوعي والجيني، وخاض حروبا مدمرة لم تخدم الإنسانية، بل حولت الأرض الى مساحات محددة بأسوار تم ترسيمها، فحولوا أرض الله الى أماكن لا يمكن دخولها او التعرف على حضارتها دون الشروط والقيود اللامتناهية.
تجلت حماقة الإنسان باختيارات قام بها دمرت البشرية، وتركت وراءها الأرض محروقة من الصعب ان تنبت فيها أحلام الحب أو قصص الأمل. ما حققته البشرية من إنجازات علمية كثيرة، ولكنها مع ذلك لم تحقق أهم معنى لوجود البشرية أي “السلام”. هل حقا لا تسعنا الأرض؟ هل حقا نحن نتجه الى اللامكان ونسافر الى عوالم الخيال العلمي بلا ضمانات ان لا يرتكب الإنسان حماقات جديدة تقضي على هذه الحضارات المتنوعة جميعا؟
الإنسان المعاصر أكثر شراسة من الإنسان البدائي الذي قتل ليعيش، لأنه يقوم بذلك تحت مظلة مسميات كبرى مثل: “ الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والإنسانية “ ويستخدم تعابير فيها شمولية مثل: “الأممية والعالمية والانفتاح واحترام رأي الآخر “ هو اليوم أكثر أناقة ،ولكن في مقابل ذلك أكثر حماقة وأكثر وحشية.
هل هناك متسع من الوقت للإصلاح؟ في الحقيقة الجواب “لا” لأن الذهنية التي تدير العالم ذهنية استعمارية عنصرية لا تتبنى حقا الشعارات التي تطلقها، ولأننا جميعا يعلم أن العدالة وجهة نظر، فمن المستحيل أن نصحو يوما ونجد أن الجوع قد قضي عليه، وان النزاعات قد انتهت وان السلام بات عنوانا للإنسانية، وبتنا نعيش المحبة الخالصة ونعمل لنستمر بتوازن، لا نتقاتل لنفوز بحروب عبثية، هذا بالتحديد ما يمكن تسميته بالخيال وتوصيفه بالمستحيل، من هنا الإنسان لن يكف عن حماقاته وعن ممارسة فكره الإلغائي والتضحية بمستقبل وجوده مقابل انتصارات واهية، هو غافل عن حقيقة مؤكدة وهي أن أي إنجاز هو إنجاز إنساني مهما كان نوعه والى أي بلد انتمى، ويوما ما ستنظر إليه البشرية على انه أمر عام وإرث للبشرية يفقد خصوصيته الجغرافية .
القلق من تدمير الإنسان لوجوده مؤكد، فيكفي ان نعلم في حالة نشوب حرب في أي بقعة على هذه الأرض أولى استهدافاتها الإرث الثقافي للعدو.. هل يوجد بعد هذا من حماقة؟