توعويات: ولنا في البسوس موعظة وعبرة

حميد الشبلي –

عندما نشاهد مرحلة العداء والخصام التي وصلت إليه أمتنا العربية، يتولد لدينا شعور بالمرارة والألم لهذا الشقاق والفراق، مؤلم جدا ما يحدث بين الأشقاء من سب وقذف في مختلف وسائل الإعلام، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي، مؤلم جدا ما وصلت إليه بعض الدول والشعوب من الخصومة والعداء، مؤلم جدا عندما يتم تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، مؤلم جدا عندما لا نستفيد من التجارب والقصص السابقة في تاريخنا العربي، التي ذكرت وسردت لنا حكايات انتهت بالندم والمرارة.
ومن منا لم يسمع بحرب البسوس، تلك الحرب اللعينة التي قامت بين قبيلة تغلب بن وائل وأحلافها ضد بني شيبان وأحلافها من قبيلة بكر بن وائل، بعد قتل الجساس بن مرة الشيباني البكري لكليب بن ربيعة التغلبي، ثأرا لخالته البسوس بنت منقذ التميمية بعد أن قتل كليب ناقة كانت لجارها سعد بن شمس الجرمي، حيث استمرت هذه الحرب عند كثير من رواة العرب من 20 إلى 40 عام، لتستمر بعدها عمليات القتل والغدر والخصام حين قام شخص بصب الزيت على النار، في الثأر وقتل الشخص الذي قام بعقر الناقة، بدل أن يقوم بإطفاء تلك النار من خلال وضع الحلول المناسبة، ليتوارث الناس ذلك العداء عبر الأجيال التي تعاقبت طوال تلك السنوات، ثم بعد عشرات السنين تأتي اللحظة التي تتوقف فيها تلك الحرب الطاحنة، ولكن بعد فوات الأوان، فالأرواح التي زهقت بسبب تلك الحرب الطائشة لا يمكن أن تعود للحياة بمجرد الصلح وإنهاء القتال.
وها نحن اليوم في الوطن العربي نعيش نفس المرحلة التي أعقبت قتل ناقة البسوس، حيث كثر الخلاف بين الأخوة وتخاصمت الدول والشعوب، لتعيش الأمة نفس الظروف التي مر بها الناس خلال سنوات حرب البسوس، من الخصام والبغضاء، وتتوقف معها كل محاولات الصلح والحوار، خلافات ونزاعات لا يوجد فيها مستفيد غير أعداء الدين والأمة، الذين غيروا استراتيجيتهم في العداء ضد العروبة والإسلام، من خلال تأجيج الخلافات وبث الفتن فيما بيننا، وصب الزيت عليها والظهور بوجه البريء المحب للتعايش والسلام.
فإلى متى بلاد العرب أوطاني نبقى في هذا السبات، إلى متى نظل نشاهد الأمم الأخرى تتحد وترتقي ونبقى نحن نواصل الأدوار التي خلفتها حادثة قتل الناقة، الكره والتراشق وتقديم الغريب على الشقيق هو ما يسود اليوم الوضع القائم بين بعض الشعوب العربية، نسينا أو تناسينا أننا الأمة التي بعث الله فيها نبي الرحمة، والتي يستوجب علينا أن نقوم بهذا الدور الدعوي خدمة للرسالة السماوية وللسنة النبوية، فإذا بنا نتخاصم ونتكالب ونسيء الظن في بعضنا البعض، لتأتي الأمم الأخرى لتقوم بالدور الذي أوكل إلينا وتطالبنا بالصلح ونبذ الخلاف.
فهل يا ترى نحن محتاجون إلى 40 عاما حتى ندرك أننا مخطئون، وأن الخلاف الذي بيننا لم يستفد منه أي طرف منا ما عدا أنه زاد من تأخر التنمية لبلداننا وشعوبنا، ما ذنب الأجيال التي ستأتي وستتحمل وزر الخلافات التي وقعت في زماننا؟ والحقيقة أن الخطأ والزلة واردة في مسيرة الدول والشعوب، ولكن هذا لا يعني ألا يتم علاجها وتجاوزها، فليس هناك أكرم من جود ورحمة رب العباد الذي يقبل توبة العبد المذنب، فكيف لنا نحن البشر أن لا نقبل اعتذار بعضنا البعض، لماذا الكبرياء يعمينا عن التفكير نحو المصلحة الكبرى لوحدة هذه الأمة، وكلنا أمل وثقة في الشخصيات والقيادات الحكيمة التي تزخر بها أمتنا العربية، في السير بهذه الأمة إلى طريق الوفاق والمحبة والوئام، لفتح صفحة مشرقة للأجيال القادمة للعيش بود وانسجام بين جميع الأخوة والأشقاء.