وتر: صَــمت

شريفة بنت علي التوبية –

وأنتم تقرأون هذا المقال أدعوكم أن تقرأوه بصمت، فهذا المقال بالذات لا يُقرأ سوى بحالة صمت؛ لأنه مكتوب في لحظة صمت، مكتوب في اللحظة التي أستعيد فيها وصايا أمي التي علّمتني الصمت قبل أن تعلّمني الكلام، وأدخلتني عوالم الصمت رغم ضجيج الحكايات في قلبي، ولم تكن تعلم أنني كنت أحدّث الورق، ولم تكن تعلم أن صوتي بات مقروءاً إلا حينما رأت صورتي يوماً في الجريدة، فأخذتها وألصقتها في جدار غرفتها، كلوحة جدارية صغيرة صامتة.
أدمنت صمتي وآمنت به في عالم بات يزعجني ضجيج طبوله الفارغة؛ لذلك فأكثر الحروب الحياتية التي انتصرت فيها كانت صامتة، وأكثر الحكايات الجميلة التي عشتها كانت صامتة، وأشد أنواع الألم الذي عشته كان صامتاً، وأصدق وأجمل شعور بالفرح كان صامتا، وكل ما هو عميق بحياتي كان صامتاً، وفي أشد حالاتي صدقاً استعنت بصمتي، فلم يهزمني ولم يخنّي، لذلك أصبحت مؤمنة أن القرارات الكبيرة في الحياة لا تُتخذ إلا في حالة صمت، وإن حياتنا الحقيقية هي تلك التي نحياها بصمت بعيدا عن الأضواء، فنحن صادقون جداً في صمتنا، وكاذبون ومزيفون جداً في استعراضنا لبعض تفاصيلنا، فكل ما يُعرض وما ينشر لا يلامس سوى قشور الحقيقة، ولا يعني أكثر من لحظة مؤقتة هي تلك اللحظة التي نبتسم فيها (علشان الصورة تطلع حلوة)، فحتى القرارات التي نتخذها بضجيج مُعلن هي قرارات غير مقصودة، فلغة الصمت هي اللغة الوحيدة غير القابلة للكذب، فنحن نتجمّل بالكلمات، ويصبح ذلك التجمّل كذبتنا السافرة؛ لذلك نكون أجمل وأصدق ونحن بحالة صمت، ونكون أكثر نقاء ونحن بحالة عزلة.
وقد لا يصل بعضنا إلى تلك المرحلة إلا بعد أن يكون قد أفرغ كل ما لديه من مخزون الكلام، حيث لا شيء يُحكى ولاشيء يقال؛ لأنه مهما قلنا فلن نغير من حقيقة الواقع شيئاً، فالحقيقة لا تغيرها كلمة، فنصل إلى قناعة بأن ما نحتاجه ليس أكثر من أن نستمع لصوتنا الداخلي الذي غاب وسط ضجيج الأصوات والكلمات، فنلوذ بصمتنا؛ حيث لا شيء يحفظ ما تبقى لنا من حرية الروح وجمالها سوى الصمت، ولا شيء يُخبر بما في أعماق النفس من ألم أو فرح أو جمال سوى الصمت، فنكون على استعداد تام لأن نبتلع كلماتنا لنبقى بحالة صمت غير آبهين بشيء سوى تلك الحالة من السكينة التي نحن عليها، وثق بأن من لا يفهم صمتك لن يعي كلماتك.