السلطنة تقود مجموعة من «7» دول لبناء «اقتصاد المحيطات»

شراكات دولية واتفاقيات استثمارية في ختام المؤتمر اليوم –
تعزيز المنظومة الابتكارية وتطوير قطاعات الصناعة والثروة السمكية –
ناقش 8 محاور في يومه الثاني وأكد على موقع السلطنة «الاستراتيجي» للاقتصاد الأزرق –
كتب: عاصم الشيدي ــ ورحمة الكلباني –

تختتم مساء اليوم أعمال مؤتمر «اقتصاد المحيطات وتكنولوجيا المستقبل» الذي تنظمه وزارة الخارجية بالتعاون مع المنتدى الدولي لدبلوماسية العلوم والتكنولوجيا بعد ثلاثة أيام من المختبرات النقاشية وحلقات العمل العامة والمغلقة التي ناقشت مستقبل اقتصاد المحيطات والفرص الاستثمارية المتاحة أمام السلطنة لدخول شركاتها عميقا فيما يعرف بـ«الاقتصاد الأزرق» بموازاة صناعة اتفاقات دولية يقودها الإطار الدبلوماسي.
ومن المنتظر أن يعلن البيان الختامي للمؤتمر اليوم عن تفاصيل شراكات بين مؤسسات محلية ودولية تقود إلى اتفاقيات استثمارية وتعاون في مجال تبادل المعلومات والتكنولوجيا. وكان المؤتمر قد شهد أمس عقد 8 مختبرات نقاشية مفتوحة إضافة إلى مختبرات نقاشية أخرى مغلقة ناقشت حسب منظمين استكشاف الفرص الاستثمارية الموجودة في السلطنة، ومناقشتها مباشرة مع شركات ومجموعات استثمارية دولية وبحث آلية تنفيذها.
وقال الدكتور يوسف بن عبدالله البلوشي رئيس مكتب نقل العلوم والمعارف والتكنولوجيا بوزارة الخارجية ورئيس اللجنة المنظمة: إن المؤتمر بعد يومه الثاني ذاهب نحو تحقيق الكثير من الأهداف التي أقيم من أجلها، مشيرا إلى أنها وصلت إلى قرابة 90% ومن المنتظر أن تكتمل بقية الأهداف قبل الختام، وهذا أمر مبشر جدا.

وقال البلوشي في حديث مشترك مع «$» ووكالة الأنباء العمانية: إن هذا المؤتمر يعقد لأول مرة في المنطقة بمشاركة جهات مختلفة من القطاع الحكومي والقطاع الصناعي والأكاديمي، وربط الموضوع مع الأجندة العالمية المتخصصة في مجال التنمية المستدامة. وأضاف: إن الكثير من المتحدثين أشادوا بالمختبرات التي تم فيها مناقشة الكثير من القضايا ونقلوا ما دار لعدة دول سواء على مستوى الحكومات أو القطاعات الصناعية والاقتصادية في العالم، وهذا يعني أننا أمام فرص استثمارية قادمة.
وحول أهم المكاسب التي من المنتظر أن تحققها السلطنة من خلال عقد المؤتمر قال رئيس اللجنة المنظمة: أهم المكاسب تتمثل في الشراكات بين المؤسسات العمانية والمنظمات والشركات العالمية التي يأتي في مقدمتها الشراكة مع المجلس العالمي للمحيطات، إضافة إلى شركات مرتبطة بقطاعات الصناعة والثروة السمكية والاستزراع السمكي والمنظومة الابتكارية الخاصة بهذا المجال التي تشمل التدريب وبناء القدرات التجارية، وسوف يعلن عن تفاصيل كثيرة في هذا المجال قريبا.
وقال البلوشي: إن نقاشات دارت على مستوى حكومات أقرت قيادة السلطنة لمجموعة من المبادرات الحكومية مع سبع دول تتعلق ببناء قدرات في مجال اقتصاد المحيطات، وتم التفاهم في هذا الأمر بحضور معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية.
وعن أهم الاتفاقيات التي من المنتظر أن يوقع عليها على هامش المؤتمر قال البلوشي: إن هناك مختبرات ونقاشات مغلقة تنظر في المشاريع المطروحة من قبل وحدة دعم التنفيذ والمتابعة من عدة شهور لتحديد الفرص الجاهزة وعرضها على المستثمرين المشاركين، مضيفا أن المؤشرات تبشر بقبول دولي من تلك المؤسسات وأنها تنظر في الفرص المتاحة بشكل جدي.
وقال البلوشي: إن المناقشات في الجلسات سوف تخرج بعدة تفاهمات واتفاقيات بين القطاع الصناعي والشركات العالمية القادمة للمؤتمر.
واختتم البلوشي حديثه بالقول: إن أهم ما يمكن أن نقول إننا خرجنا به من هذا المؤتمر هو أننا نسعى لجذب استثمارات ومستثمرين، وهذا في طريقه للتحقق إضافة إلى عقد اتفاقيات مع عدة مؤسسات لتدريب العمانيين للولوج لعالم اقتصاد المحيطات من باب الابتكارات والاعتماد على الكم الكبير من الخريجين العمانيين وطرح البرامج المهمة عليهم في عالم الأعمال لبداية أعمالهم الخاصة.
من جانبه قال بول هولز الرئيس التنفيذي للمجلس العالمي للمحيطات: إن هناك الكثير من الإمكانيات والفرص الاستثمارية في مجال اقتصاد المحيطات وفي مختلف قطاعات الاقتصاد الأزرق .. مشيرا إلى أن السلطنة منضوية تحت هذا الاقتصاد؛ نظرا للخط الساحلي الطويل الذي تقع عليه جغرافيا وموقعها الاستراتيجي المطل على المحيط الهندي.
وأشار إلى أن الصناعة والتكنولوجيا بإمكانها إثراء التنوع الاقتصادي بالسلطنة في مجال الشحن البحري والاستزراع السمكي والتعدين البحري والثروة والطاقة المتجددة والنفط والغاز واللوجستيات والجانب السياحي.
وأشار إلى أن السلطنة ذات طابع ممتاز للجذب السياحي كما أنها تمتلك كافة الإمكانيات في كل القطاعات؛ مما يجعلها قادرة على جذب استثمارات والمستثمرين للعمل معها في تطوير وتوسعة الاقتصاد في السلطنة.
وأشار الرئيس التنفيذي للمجلس العالمي للمحيطات إلى أن الشركات العالمية والمستثمرين ينظرون جديًا للاستقرار الاقتصادي والسياسي للدول؛ بغية الدخول في شراكات اقتصادية بعيدة المدى، وهو ما يميز السلطنة التي قال: إنها «تتميز ببيئة مستقرة وآمنة ومناسبة للجذب الاستثماري من حيث التسهيلات والبنية الأساسية لإقامة المشاريع الاقتصادية التي تم الحديث عنها في مختبرات المؤتمر، ونوه بول هولز بشكل خاص إلى إمكانية الاستثمار في مجال التعدين البحري مع السلطنة.
كما أشار سير بيتر جلاكمان رئيس الشبكة الدولية للحصول على الاستشارة العلمية الحكومية ورئيس المجلس الدولي للعلوم إلى أن حكومة السلطنة تعي تماما أهمية العلوم في مختلف أوجه التنمية مما ينعكس على تنظيم السلطنة للمؤتمرات والندوات المعنية بالعلوم والتكنولوجيا، مؤكدا أن السلطنة لها الريادة في المنطقة في استغلال مجال العلوم في قطاع التنمية الوطنية.

مختبرات .. ونقاشات خلاقة

وكانت فعاليات المؤتمر في يومه الثاني قد شهدت عقد 8 مختبرات نقاشية مفتوحة شارك فيها مجموعة من الخبراء والمختصين في مجالاتهم. وتطرقت المختبرات لمناقشة محاور «مصائد الأسماك» و«مصادر الطاقة البحرية المتجددة» و«اللوجستيات والشحن البحري» و«تربية الأحياء المائية» و«النفط والغاز» و«التعدين البحري» و«المهارات والكفاءات المطلوبة في اقتصاد المحيطات» و«اقتصاد المحيط في السلطنة».
وتحدث مختبر اللوجستيات عن فرص الاستثمار المتاحة في الوقت الذي تحدث فيه عن التحديات التي تواجه القطاع وفرص تذليلها باستخدام التكنولوجيا وكذلك الدبلوماسية.
ومن بين أهم التحديات التي ناقشها المختبر تحدي مشاركة المعلومات، ووجود الثقة المتبادلة بين الأطراف العاملة في القطاع وهي مفردات مرتبط بالشفافية والنزاهة وفق مداولات المختبر.
وأكد المختبر في مداولاته على أهمية التعاون معتبرا إياها كلمة السر في عمل القطاع اللوجستي في العالم، مطالبا الشركات بتحمل مسؤولياتها الأخلاقية.
كما تحدث المختبر عن المخاطر الاستراتيجية المتمثلة في التغير المناخي مطالبا المجتمع الدولي بالتصدي لها عبر العلوم والتكنولوجيا، لأنها تهدد فكر الاستدامة في هذا القطاع على حد ما ذهبت له مداولات المختبر.
كما تحدث المختبر عن خطر الكربون الذي يواجه البيئة وينعكس بالتالي على الإنسان، وهو خطر يمكن تقليله عبر الدبلوماسية من خلال عقد اتفاقيات وقوانين وتشريعات تحد منه.
لكن المختبر طالب في الوقت نفسه بأهمية تحويل الاتفاقيات والقوانين المكتوبة على الورق إلى واقع معاش فعليا عبر جهات تنفيذية.
وتطرق المتحدثون في المختبر إلى ميناء صحار والجهود المبذولة لتخفيف انبعاث الكبريت ليكون عند حدود 2.1، كما تحدث المختبر عن استخدام وقود الغاز المسال، وهو ما يساهم في تخفيف الآثار البيئية.
كما طرح المختبر في نقاشاته حول ميناء صحار مشروع توليد الطاقة عبر الألواح الشمسية التي يمكن بها توليد الهيدروجين وهو ما يقود الميناء إلى إدارة عملياته عبر الطاقة الشمسية بحلول منتصف العام القادم.
وطالب الحضور في المختبر بمناقشة السلامة البحرية، سواء سلامة السفن من أعمال وإرهاب القراصنة في البحار والمحيطات أو سلامة المياه والبيئات البحرية من التلوث.
وقال متحدث في المختبر: إن بيئة سيريلانكا البحرية مشابهة لبيئة السلطنة من حيث وجود الحيتان والدلافين والشعب المرجانية، وقد أوجدت دائرة خاصة لإدارة الصراعات في هذا المجال، وحققت نجاحا جيدا فيه، ويمكن للسلطنة العمل بنفس الفكرة.
وفي مختبر «التعدين البحري» طغت ثيمة «الاستدامة» على مداولات المختبر إضافة إلى ثيمة «التلوث» وأهمية استخدام التكنولوجيا للتغلب على التحديات التي تواجه القطاع فيما لو أريد التحول إلى «الاقتصاد الأخضر».
وفي سياق الحديث عن ثروات المحيط التعدينية أكدت مداولات المختبر أن السلطنة لم تقم بأعمال اكتشاف وتنقيب في مياه السلطنة وسواحلها رغم وجود خيرات كبيرة من النحاس على سبيل المثال.
وتوقع الخبراء المشاركون في مختبر «مصادر الطاقة البحرية المتجددة» أن تصل طاقة الرياح البحرية إلى 520 جيجا واط بحلول عام 2050، وأن ترفع توليد الطاقة العالمية بنسبة 4% في نفس العام. وقال مانفريد ديتر، نائب الرئيس التنفيذي للمنتدى العالمي للرياح البحرية: أتوقع مستقبلا جيدا للطاقة المتجددة البحرية وطاقة الرياح على وجه التحديد، كما أتوقع أن تقل أسعار التوربينات المولدة لتلك الطاقة خلال الأعوام المقبلة وأن تزداد فعاليتها في الوقت ذاته، حيث من المتوقع أن يصل متوسط قدرة التوربينات الجديدة إلى 8.3 ميجا واط بحلول العام القادم.
وحول التحديات التي تواجه العاملين في القطاع، قالت آنا بريتو، المديرة التنفيذية لإحدى الشركات المختصة بطاقة الرياح البحرية المتجددة: إن البحر يمثل بيئة عمل صعبة ومليئة بالمخاطر، وأشارت إلى أن هناك حاجة لسد الفجوة بين توقعات المستثمرين ومطوري التقنيات العاملين على مشاريع الطاقة وأن توضع تلك التوقعات ضمن إطار التمويل المناسب.
وتحدث بيل ستابي المدير التنفيذي لإحدى الشركات المتخصصة بالطاقة البحرية حول إمكانية استغلال طاقة الأمواج لتوليد الطاقة الكهربائية والتحلية لإنتاج مياه عذبة تكفي لأكثر من 30 ألف شخص يوميا باستخدام إحدى التقنيات التي توفرها شركته.

وأشار ستابي إلى الحاجة الملحة لإيجاد تقنيات يستطيع البشر من خلالها تحلية مياه البحر باستخدام الطاقات النظيفة نتيجة لتزايد أزمات المياه التي يمر بها العالم، حيث يوجد اليوم مليار شخص يواجهون تحديا للوصول للمياه الصالحة للشرب، وتتوقع الأمم المتحدة أن يرتفع هذا العدد ليصل إلى 2.8 مليار بحلول عام 2025، كما أن 50% من المياه الموجودة في الأرض لا تعد صالحة للاستخدام البشري، ويموت جراء شربها أكثر من 2.5 مليون شخص سنويا.

النفط والغاز البحري

وأشاد راندل لوثي المتحدث الأول في الجلسة الحوارية التي حملت عنوان «النفط والغاز البحري» بالدور الريادي الذي تلعبه السلطنة في مجال إنتاج الطاقة، وحسن استغلالها لثروات المحيط، ونفى لوثي ما يتم تداوله حول تراجع الطلب على النفط والغاز خلال السنوات المقبلة، وقال: ترى أوبك أن الطلب على النفط سينمو ليصل إلى 7.3 مليون برميل يوميا خلال 2023، و14.5 مليون برميل يوميا بحلول 2040 ولسد هذا الاحتياج سنحتاج لضخ استثمارات بقيمة 11 تريليون دولار.
وقال نيك بوتر مدير عام بشركة شل: إن الناس ستصبح قادرة خلال العقود القريبة القادمة على الحصول على مصادر مطاقة متنوعة، مما سيرفع من مستويات المعيشة، وأوصى بضرورة أخذ التحديات المناخية بعين الاعتبار والتعاون على المستويات المحلية والعالمية للوصول لتقنيات تسمح بإيجاد مصادر نظيفة ومنخفضة التكلفة وتقلل من التسريبات النفطية للمحيط للحفاظ على سلامة الحياة البحرية.

متطلبات اقتصاد المحيطات

وأوصى الخبراء المشاركون في الجلسة النقاشية حول المهارات والكفاءات المطلوبة في اقتصاد المحيطات بضرورة تحديث وتغيير البرامج التعليمية والتدريبية لتتواءم مع متطلبات القطاع الحالية والمستقبلة، وقال مايكل تايلور أحد المشاركين في الجلسة: الشواطئ والبحار تحمل فرص وظيفية كبيرة وهي في ازدياد خلال الأعوام المقبلة، إلا أن الجهات العاملة في هذا القطاع تشتكي من قلة وجود الخبرات والمؤهلات التي تتناسب مع طبيعة عملها. وأرجع تايلور قلة عدم رضى الجهات العاملة في القطاع بمخرجات التعليم إلى الفجوة الكبيرة بين البرامج الدراسية ومتطلبات سوق العمل خاصة في مجال التكنولوجيا والابتكار، وإلى قلة الوعي تجاه الفرص الوظيفية الوفيرة في القطاع.
وأكدت فاطمة الحجرية، من وزارة التعليم العالي، على ضرورة مواءمة البرامج التعليمية مع متطلبات سوق العمل في القطاع، وعلى ضرورة توعية الشباب العماني بالفرص التي يوفرها قطاع اقتصاد المحيطات وتصحيح الصورة الذهنية السلبية المتكونة لديهم تجاه وظائف القطاع وعدم رغبتهم بالوظائف الدنيا. وقالت الحجرية: هناك اهتمام كبير توليه السلطنة تجاه تأهيل الطلبة في التخصصات ذات العلاقة باقتصاد المحيطات، وذلك من خلال البرامج الدراسية المتوزعة على 6 مؤسسات أكاديمية، كما تبتعث السلطنة 5% من طلبتها لدراسة التخصصات غير الموجودة في دول العالم المختلفة.

اقتصاد المحيطات في السلطنة

واستعرضت عدد من الجهات والمؤسسات العمانية خلال الجلسة الأخيرة من اليوم الثاني ما تقوم به في سبيل إنماء اقتصاد المحيط في السلطنة، شمل ذلك الجوانب اللوجستية والأمنية والبحثية وجوانب أخرى تتعلق بالطاقة، وقال مصطفى الهنائي، الرئيس التنفيذي للمجموعة العمانية للطيران في افتتاح الجلسة: تملك السلطنة ما يؤهلها لأن تكون رائدة في مجال اقتصاد المحيطات من بنى أساسية ومؤسسات أكاديمية وقدرات، ولتحقيق ما نصبوا إليه علينا أن نضع محور الاستدامة نصب أعيننا وأن نتحلى بروح القيادة والالتزام وأن تكون لدينا رؤى واضحة.
وأضاف الهنائي: إن دمج اقتصاد المحيطات بقطاع الطيران في السلطنة سيعود بالفائدة على جميع الجهات ذات العلاقة ومن شأنه أن يعزز موقعنا في خريطة العالم. وذلك من خلال عرض القيمة الأمثل للشحن والمستثمرين، والترويج المتواصل لعمان كوجهة عالمية للأعمال، والنمو والتحسين المتواصل للبنية التحتية لقطاعي اللوجستيات والسياحة. وستناقش الجلسات الأخيرة من المؤتمر اليوم الحاجة لـ«دبلوماسية العلوم»، وتوظيفها من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة.