تواصل: يبدو أنهم يروننا !!

تونس المحروقية –
‏@hlaa202020 –

مشهد أول:
هم أصحاب قضية معينة تشغلهم وتؤرق بالهم ، إذ يشعرون أنها لم تنل نصيبها من النقاش أو الاهتمام من المعنيين ، يقرر أحدهم في لحظة حماس أن ينشئ وسماً « هاشتاج « في تويتر بعنوان يعتقد أنه سيجذب بقية المعنيين بالقضية للمشاركة فيه، ليبدأ التفاعل خجولاً أو غير واثق وكأن كل مشارك يرغب في جس مستوى حرية التعبير المسموح بها ، تتوالى بعدها المشاركات بثقة أكبر وشرح أوضح للزوايا المتعددة للقضية بتواصل يدوم أياماً وأحياناً شهورا بلا توقف ولو ليوم واحد حتى تصدر المؤسسة الرسمية المعنية بموضوع القضية قراراً يصب في صالح أصحاب القضية، فيبتهج المتفاعلون ويعبرون عن ذلك في نفس الوسم ثم يغادرونه و يمضون في حياتهم .

مشهد ثانٍ:
تعتزم إحدى المؤسسات إقامة مؤتمر متخصص في أحد المجالات ، فتعلن في أحد منشوراتها في وسائل التواصل الاجتماعي عن أسماء المحاضرين المشاركين الذين ترى أنهم سيثرون جلساتها بمعارفهم المتنوعة في موضوع المؤتمر، يعترض بعض المتابعين على بعض المحاضرين ، ويرجعون سبب ذلك الاعتراض إلى كونهم أساءوا للبلد في العديد من منشوراتهم في منصات التواصل الاجتماعي وأنهم لن يضيفوا بحضورهم، فمن لا يحترم بلدهم لا يستحق أن يحل ضيفاً فيها ، يطالبون عبر حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي الجهة المنظمة بإلغاء مشاركتهم أو دعوتهم للاعتذار عن منشوراتهم السابقة على الأقل للموافقة على استقبالهم في البلد ، يضمنون حساب الجهة المنظمة في كل منشوراتهم حتى يضمنوا وصول رسائلهم لها ، يواصلون هذا الضغط عبر كلماتهم عدة أيام ثم وبدون مقدمات تنشر الجهة المنظمة للمؤتمر بياناً تعلن فيه أنها لن تستضيف أولئك المحاضرين في المؤتمر وأنه قد تم الاعتذار لهم.

مشهد ثالث :
تناقش المؤسسات الإعلامية التقليدية من صحافة وإذاعة وتلفزيون عبر وسائلها مختلف الموضوعات التي يتم الاتفاق عليها من قبل إدارات التحرير بما يتناسب مع السياسة الإعلامية التي يعرف جميع العاملين فيها خطوطها الحمراء ، يتابع العاملون في تلك المؤسسات ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي ، يشهدون تفاعل المستخدمين مع مختلف الموضوعات التي يجدون أنفسهم أحياناً لم يجربوا أن يطرقوا أبوابها ربما لأنهم يعتقدون أنهم بذلك قد يتعرضون للعقوبات لمناقشتهم ما لا ينبغي مناقشته بحسب سياسة مؤسساتهم الإعلامية ، يواصلون متابعة ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي ومع الضجة التي تحدثها بعض الموضوعات يشعرون أنه من غير المهنية أن يتجاوزونها بعدم الطرح في وسائلهم الإعلامية فيبدأون في تناولها على استحياء ثم بعامل الوقت تتسع حرية الطرح حتى تصبح زوايا الموضوع المختلفة متاحة التناول دون قلق أو توجس .
لقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة حرية أكبر لنقاش مختلف الموضوعات التي يرغب المستخدم في طرحها مهما كان نوعها ، إذ كل ما يلزم للقيام بذلك هو إنشاء حساب في تلك المنصات وقدرة على صياغة محتوى واضح يصل بالرسالة للجمهور المستهدف ليتفاعلوا بدورهم معه بمشاركاتهم المتعددة والمتدفقة لتنتبه بعد ذلك المؤسسة المعنية فتبدي ما يظهر أنها كانت تتابع كل تلك النقاشات كأن تصدر بياناً تخبر من خلاله الجمهور عما تعتزم فعله تجاه الموضوع المطروح مثلاً.
مع تزايد شعور المؤسسات العامة والخاصة بأهمية وسائل التواصل الاجتماعي زاد بشكل ملحوظ عدد المؤسسات التي أصبحت تتابع بشكل جيد ما يكتب عنها أو القطاعات التي تخدمها وتأخذ بعين الاعتبار ما ينشر وقد تقوم بالرد المباشر أو تكتفي بأن تتخذ الإجراءات اللازمة حيال موضوع المنشور في تلك الوسائل
موضوعات وقضايا كثيرة تم نقاشها خلال السنوات القليلة الماضية ووجد بعضها صدى لدى الجهات المعنية وهذا الأمر شجع المستخدمين على الاستفادة من مزايا وسائل التواصل الاجتماعي في إيصال أصواتهم وخصوصاُ ميزة الوسم التي تجمع كل المشاركات المطروحة في موضوع ما تحت عنوان واحد بحيث يسهل على جميع المستخدمين المهتمين بالموضوع من التفاعل بالتعليق أو الاكتفاء بقراءة النقاشات الدائرة هناك .
إن وجود وسائل التواصل الاجتماعي سمح للاعبين جدد في المشاركة في صنع المحتوى وتوجيه الرأي العام وصنع القرار بعد أن ظل هذا الدور تقوم به وسائل الإعلام التقليدية لفترات طويلة متفردة بذلك في طرح الموضوعات والقضايا المجتمعية وتحديد أجندة اهتمامات المجتمع، ليتغير المشهد وتصبح النقاشات الدائرة في منصات التواصل الاجتماعي فارضة لحضورها على المؤسسات الإعلامية الرسمية لدرجة أنه قد تقوم المؤسسات الإعلامية باستقاء الموضوعات منها ، تلك الموضوعات التي ربما لم تكن وسائل الإعلام التقليدية لتطرحها في السابق ولكنها تفعل ذلك اليوم لقوة حراك التفاعل في منصات التواصل الاجتماعي وعدم قدرة وسائل الإعلام التقليدية على تخطيها أو تجاوزها.
إن أدوار وسائل التواصل الاجتماعي لا تقتصر على فكرة التواصل بين البشر كما يبدو كسمة أوضح لها ، إذ أن دورها اليوم تعدى ذلك لتصبح أداة تعكس الرأي العام وتسهم بالتالي في صناعة القرار الرسمي الذي يأتي كردة فعل على تفاعل عدد هائل من المستخدمين في مختلف الموضوعات ، ليصبح مشهد اليوم يتمثل في عبارة كتبها أحدهم في حسابه بعد أن تم التفاعل الرسمي مع إحدى القضايا التي شارك فيها : يبدو أنهم يقرأون ما نكتب هنا ، يبدو أنهم يروننا !!